244

Tafsīr al-Baghawī

تفسير البغوي

Editor

عبد الرزاق المهدي

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٠ هـ

Publisher Location

بيروت

الْخَمِيسِ، وَإِنَّمَا أَتَاهُ فِي سَاعَةٍ منه، وتقول [١]: زُرْتُكَ الْعَامَ، وَإِنَّمَا زَارَهُ فِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ: الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ جَمَاعَةً، جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ جَمَاعَةً، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، فَقَالَ: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التَّحْرِيمِ: ٤]، أَيْ: قَلَبَاكُمَا، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِالْأَشْهُرِ شَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ وذا الحجّة مكملا [٢]، لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْحَاجِّ أُمُورٌ بَعْدَ عَرَفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا مِثْلُ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى، فَكَانَتْ فِي حكم الحج، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أَيْ: فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَجَّ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وطاوس وَمُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ [٣]: يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ بفرض الْحَجِّ فِيهَا، فَلَوِ انْعَقَدَ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، كَمَا أَنَّهُ عَلَّقَ الصَّلَوَاتِ بِالْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ عَنِ الْفَرْضِ [٤]، [وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ] [٥]، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَجَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ لها وقت إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ، روي عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فَكَانَ إِذَا حُمِّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ [فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ كُلَّهَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ] [٦]، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّفَثِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّفَثُ غِشْيَانُ النِّسَاءِ وَالتَّقْبِيلُ وَالْغَمْزُ وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنَ الْكَلَامِ، قَالَ حُصَيْنُ بْنُ قَيْسٍ: أَخَذَ ابْنُ عباس ﵄ بِذَنَبِ بَعِيرِهِ، فَجَعَلَ يَلْوِيهِ وَهُوَ يَحْدُو وَيَقُولُ:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فَقُلْتُ لَهُ: أَتَرْفُثُ وَأَنْتَ محرم؟ قال: إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا قِيلَ عِنْدَ النساء [٧]، وقال طاوس: الرَّفَثُ التَّعْرِيضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ وَذِكْرُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الرَّفَثُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِذَا حَلَلْتُ أَصَبْتُكِ، وَقِيلَ: الرَّفَثُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبِيحُ، أَمَّا الفسوق فقد قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمَعَاصِي كلها، وهو قول طاوس وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ والزهري والربيع القرظي، وقال ابن عمر: هو

(١) في المطبوع «ويقولون» .
(٢) في المطبوع «كمالا» وفي- ط- «كمّلا» .
(٣) زيد في المطبوع وحده عقب «قال» لفظ «سعيد» .
(٤) في المطبوع «العرض» وهو تصحيف ظاهر. وفي المخطوط «بالحج» .
(٥) سقط من المخطوط.
(٦) سقط من المخطوط.
(٧) هذا خبر منكر، لا يصح عن ابن عباس. أخرجه الطبري ٣٥٧٧ عن قتادة عن رجل عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عباس، والرجل هو حصين بن قيس الرياحي، أبهمه قتادة لجهالته، وكرره الطبري ٣٥٧٦ من وجه آخر عن حصين به، ومن وجه ثالث برقم ٣٥٨٣ أيضا عن حصين به، وحصين هذا مجهول، تفرد عنه ابنه زياد بن حصين، وسماه في روايته، وأبهمه غيره لجهالته. راجع «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٣/ ١٩٥)، فمثل هذا الخبر لا يفرح به، وبخاصة في مثل هذه المواضع. [.....]

1 / 251