786

Tafsīr aḥmad ḥuṭayba

تفسير أحمد حطيبة

Regions
Egypt
تخبط الكفار في شأن النبي ﷺ
ثم قال الله ﷿ لنبيه ﷺ متعجبًا: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء:٤٨]، يعني: انظر لكذبهم وإفكهم وزورهم، فهم يضربون أمثالًا وهم يعرفون أنهم على الباطل فيما يقولون، قال: ﴿فَضَلُّوا﴾ [الإسراء:٤٨]، أي: تاهوا عن طريق الحق، ولم يصلوا إلى شيء ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٨]، أي: لا يستطيعون سبيلًا للوصول إلى الطريق القويم أو إلى حق يهتدى به، أو إلى كلام يعقل، وإنما هم يعلمون بأنهم كذابون، ولا يفهمون ما يقولون فكيف يقنعون غيرهم؟! ولذلك كان الكفار يجلسون معًا فيقول بعضهم: ماذا نقول عن هذا الرجل؟ فيقول أحدهم: قولوا: ساحر فيرد عليه آخر: نحن عاشرنا السحرة وعرفناهم، والكلام الذي يقوله ليس بسحر، فيقول الثاني: قولوا إنه كاهن فيرد عليه بعضهم: لقد عرفنا الكهان وأقاويلهم وسجعهم، وليس من سجعهم في شيء.
فيقول الثالث: نقول عنه: شاعر فيردون عليه: لقد عرفنا الشعر، وما يقوله أهل الشعر، وأهل الرجز وأهل كذا، وليس هذا بالشعر، فكان الكفار أنفسهم يقول بعضهم شيئًا، ويرد عليهم الآخرون بأن هذا ليس صحيحًا فيه، ثم يقولون في النهاية: نقول: ساحر، فإذا سئلنا: لماذا ساحر؟ قلنا: لأنه يفرق بين الأب وابنه، والمرأة وزوجها، يعني: أنه فرق الناس بهذا الدين فجعل هذا مسلمًا وهذا كافرًا، فنقنع الناس بهذا، إذًا: هو ساحر؛ لأنه يفرق بين الناس، فلما قالوا ذلك قال الله ﷿ عنهم: ﴿انظُرْ﴾ [الإسراء:٤٨]، أي: اعجب لهؤلاء الجهلة فيما يقولون، ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء:٤٨]، أي: الأمثال الباطلة ﴿فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٨]، أي: لا يعرفون طريقًا إلى الحق، بل تاهوا عن طريق الرشد والصواب وطريق الله سبحانه «فلا يستطيعون سبيلًا».
ثم قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:١٠]، أي: تبارك وتقدس ﷾، و(تبارك)، أي: كثر خيره وبركته، وثبت وزاد ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان:١٠]، وقال: (إن شاء)، ولم يقل: لو شاء؛ لأن (إن) حرف تحقيق، فالمعنى: إذا أراد فعل ذلك، وهو قادر وإذا أحببت فعلنا بك ذلك، ولم يقل: لو شاء؛ لأن لو حرف امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط، فيكون المعنى: أنه لن يحصل، فلذلك قال: إن شاء ربك فعل ذلك، وقد خير الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه في ذلك، فقد جاء في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قالت قريش للنبي ﷺ: (ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا)، وقد كان مما طلبوا من رسول الله ﷺ أن قالوا له: إن بلادنا ضيقة، فلو دعوت ربك أن يبعد عنا هذه الجبال قليلًا، وأيضًا طلبوا منه أن يجعل لهم جبل الصفا ذهبًا حتى يؤمنوا به، فلما قالوا ذلك قال: (وتفعلون؟ فقالوا: نعم، فدعا ﷺ فأتاه جبريل، فقال: إن ربك ﷿ يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت صيرت لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين).
وقد كان النبي ﷺ رحمة للعالمين، وكانت آية النبي ﷺ هذا القرآن العظيم، ولو جاء لهم بالآيات الحسية التي طلبوها كما طلب قوم صالح الناقة، فلو كفروا بعد ذلك لجاءهم العذاب، واستأصلهم أجمعين، فلما خُير النبي ﷺ: (إن شئت جعلنا لهم الصفا ذهبًا، وإن شئت فتحنا لهم باب التوبة والرحمة)، قال النبي ﷺ: (بل باب التوبة والرحمة).
وفي رواية: قال ﷺ: (لا، بل أستأني بهم) أي: لا أريد الصفا ذهبًا، ولكن أصبر عليهم، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، أي: أن الآيات تخويف وليست تبشيرًا، وهذه هي الآيات الحسية.
وقد جاء أن النبي ﷺ عندما خرج من مكة لما لم يستجيبوا له وذهب إلى الطائف فرموه بالحجارة ولم يستجيبوا نزل عليه ملك الجبال، وقال: (إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) وهما جبلا مكة عن شمالها ويمينها، فيهلك الجميع، فجاءه وقال له ذلك، وهو في هذا الوقت العصيب صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان كله حزن على كفر هؤلاء ومع ذلك قال: (لا، ولكن أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا) قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، صلوات الله وسلامه عليه.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

104 / 10