699

Tafsīr Aḥmad Ḥuṭayba

تفسير أحمد حطيبة

Regions
Egypt
حكم المبيت في المسجد
قال القرطبي ﵀: وأما النوم في المسجد لمن احتاج كإنسان غريب احتاج أن يبيت في المسجد، وليس له مكان يأوي إليه فلا بأس أن يبيت فيه.
وجاء في صحيح البخاري عن أنس: (قدم رهط من عكل على النبي ﷺ فكانوا في الصفة).
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵁: أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في المسجد.
وكان ذلك قبل أن يتزوج عبد الله بن عمر، فكان يبيت في مسجد النبي ﷺ، ويصلي فيه ويقوم الليل، ويجتهد في العبادة، ثم يستريح في المسجد كالمعتكف في بيت الله ﷾، فمثل ذلك جائز.
وجاء في صحيح البخاري عن عائشة قالت: أسلمت امرأة سوداء لبعض العرب وكان لها حفش في المسجد، قالت: فكانت تأتينا فتتحدث عندنا، فإذا فرغت من حديثها قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فهذه المرأة أسلمت وكان قومها كفارًا، ولما أسلمت هاجرت إلى النبي ﷺ، ولم يكن لها مكان تنزل فيه، فجعلها النبي ﷺ في مسجده، وبنى لها حفشًا، والحفش: هو عش صغير أو خيمة صغيرة في المسجد تنام فيها المرأة إذا لم يكن لها بيت، ولم يكن عند أحد مكان يسعها فتنزل فيه.
فهذه المرأة كانت تدخل على السيدة عائشة ﵂، فإذا جلست فإنها تقول: ويوم وشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فسألتها السيدة عائشة: وما يوم الوشاح؟ فقالت المرأة: خرجت جويرية لبعض أهلي وعليها وشاح من أدم، فسقط منها، فانحطت عليه حدية وهي تحسبه لحمًا فأخذته.
أي: أن جارية قريبتها كانت تلبس وشاحًا من جلد -الوشاح لونه أحمر- فنزلت حدية وحسبته لحمًا، وخطفته وطارت به، فأخذوا هذه المرأة -ظنًا منهم أنها سرقت هذا الوشاح- وعذبوها وفتشوها، قالت: فبينا هم حولي وأنا في كرب إذ أقبلت الحدية -أي: وهم يعذبونها ويفتشونها ويتهمونها بالسرقة، فإذا بالحدية تأتي- ومعها الوشاح وتلقيه فوقهم، فهذا هو الأمر العجيب الذي جعل المرأة تقول هذا البيت من الشعر.
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فقالت: قلت لهم: هذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريء.
فهذه المرأة هاجرت إلى النبي ﷺ مسلمة، وليس أهل لها في المدينة، فما كان منه ﷺ إلا أن جعل لها عشة في مؤخرة المسجد تبيت فيها.
يقول الإمام القرطبي: من احتاج إلى ذلك -أي: إلى المبيت بمثل هذه الحاجة- فليبت في المسجد.
أما أن يتخذ المسجد كالفندق فلا، فبعضهم يذهب ليعمل في النهار، ثم يجيء بالليل لينام، لا ليصلي أو يقوم الليل أو يعتكف؛ فهذا لا ينبغي، ولم تبن المساجد لهذا، ولكن الذي يأتي إلى المسجد ويبيت فيه؛ لكي لا تفوته صلاة الفجر، فهذا إنسان بات لغرض ولعلة صحيحة، وأما أن يتخذ في المسجد مكانًا كالبيت؛ حتى لا ينزل في فندق ويدفع أجرته فهذا لا ينبغي.
والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

90 / 11