429

Tafsīr Abī al-Saʿūd

تفسير أبي السعود

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

١٤ - ١٥ النساء ذلك
﴿حُدُودُ الله﴾ أي شرائعه المحدودة التى لاتجوز مجاوزتُها
﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾ في جميع الأوامرِ والنواهي التي من جملتها ما فصل ههنا وإظهار الاسم الجليل لما ذكر آنفًا
﴿يُدْخِلْهُ جنات﴾ نُصب على الظرفية عند الجمهورِ وعلى المفعولية عند الأخفشِ
﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ صفةٌ لجنات منصوبة حسب انتصابِها
﴿خالدين فِيهَا﴾ حالٌ مقدرةٌ من مفعول يدخِلْه وصيغةُ الجمعِ بالنظر إلى جمعية مَنْ بحسب المعنى كما أنَّ إفرادَ الضميرِ بالنظر إلى إفراده لفظًا
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إِلى مَامرَّ من دخول الجناتِ الموصوفةِ بما ذكرَ على وجه الخلودِ وما فيه من معنى البعد للإيذانب كمال علوِّ درجتِه
﴿الفوز العظيم﴾ الذِي لاَ وصف وراءَه وُصف الفوزُ وهو الظفرُ بالخير بالعظيم إما باعتبار مُتعلّقِه أو باعتبار ذاتهِ فإن الفوزَ بالعظيم عظيمٌ والجملةُ اعتراض
﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾ ولو في بعض الأوامرِ والنواهي قال مجاهد فيما اقتُصَّ من المواريث وقال عكرمة عن ابن عباس من لم يرضَ بقَسْم الله تعالى ويتعد ماقاله الله تعالى وقال الكلبي يعني ومن يكفرْ بقسمة اللَّهِ المواريثَ ويتعدَّ حدودَه استحلالًا والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ للمبالغة في الزجر بتهويل الأمرِ وتربيةِ المهابة
﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ شرائعَه المحدودة في جميع الأحكامِ فيدخُل فيها ما نحن فيه دخولا أوليا
﴿يدخله﴾ وقرئ بنون العظمةِ في الموضعين
﴿نَارًا﴾ أي عظيمةً هائلةً لايقادر قدرُها
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ حال كما سبق ولعل إيثارَ الإفراد ههنا نظرًا إلى ظاهر اللفظِ واختيارُ الجمعِ هناك نظرًا إلى المعنى للإيذان بأن الخلودَ في دار الثوابِ بصفة الاجتماعِ أجلبُ للأنس كما أن الخلودَ في دار العذاب بصفة الانفرادِ أشدُّ في استجلاب الوحشة
﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي وله مع عذاب الحريقِ الجُسماني عذابٌ آخرُ مُبهمٌ لايعرف كُنهُه وهو العذابُ الروحاني كما يُؤْذِنُ به وصفُه والجملةُ حالية
﴿واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نسائكم﴾ شروع في بيان بعضٍ آخَرَ من الأحكام المتعلقةِ بالنساءِ إثرَ بيانِ أحكام المواريث والآتى جمعُ التي بحسب المعنى دون اللفظِ وقيل جمعٌ على غير قياسٍ والفاحشةُ الفَعلةُ القبيحةُ أريد بها الزنا لزيادة قُبحِه والإتيانُ الفعلُ والمباشرةُ يقال أتى الفاحشةَ أي فعلها وباشرها وكذا جاءها ورهَقها وغشِيَها وقرئ بالفاحشة فالإتيانُ بمعناه المشهورِ ومن متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالًا من فاعل يأتين أي اللاَّتي يفعلْن الزنا كائناتٍ من نسائكم أي من أزواجكم كما في قوله تعالى ﴿والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ﴾ وقوله تعالى ﴿مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وبه قال السدي
﴿فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ﴾ خبر للموصول والفاء للدلالة على سببية مَا في حيزِ الصلةِ للحكم أي فاطلبوا أن يشهَدَ عليهن بإتيانها أربعةٌ من رجال المؤمنين وأحرارِهم
﴿فَإِن شَهِدُواْ﴾ عليهن بذلك
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت﴾ أي فاحبِسوهن فيها واجعلوها سِجْنًا عليهن
﴿حتى يَتَوَفَّاهُنَّ﴾ أي إلى أن يستوفيَ أرواحَهن
﴿الموت﴾ وفيه تهويلٌ للموت وإبرازٌ له في صورة من يتولى قبض الأرواح

2 / 154