Tafsīr Abī al-Saʿūd
تفسير أبي السعود
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Publisher Location
بيروت
٣٠ - ٣١ آل عمران
الخطب وهو تذييلٌ لما قبله مبين لقوله تعالى وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ بأن ذاته المقدسةَ المتميزةَ عن سائر الذوات المتصفةَ بما لا يتصف به شئ منها من العلم الذاتي المتعلقِ بجميع المعلومات متصفةٌ بالقدرة الذاتية الشاملةِ لجميع المقدورات بحيث لا يخرُج من ملكوته شئ قطُّ
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي من النفوس المكلفة
﴿مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ عندها بأمر الله تعالى وفيه من التهويل ما ليس في حاضرًا
﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء﴾ عطف على مَّا عَمِلَتْ والإحضار معتبرٌ فيه أيضًا إلا أنه خُص بالذكر في الخير للإشعار بكون الخير مرادًا بالذات وكونِ إحضارِ الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية
﴿تَوَدُّ﴾ عامل في الظرف والمعنى تود وتتمنى يوم تجد صحائفَ أعمالُها من الخيرِ والشرِّ أو أجزِيتَها محْضَرة
﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾ أي بين ذلك اليوم
﴿أَمَدَا بَعِيدًا﴾ لغاية هولة وفي إسناد الودادة إلى كل نفس سواءٌ كان لها عمل سئ أو لا بل كانت متمحِّضةً في الخير من الدلالةِ عَلى كمالِ فظاعةِ ذلك اليوم وهول مطلعِه مالا يخفى اللهم إنا نعوذ بك من ذلكَ ويجوزُ أنْ يكون انتصابُ يومَ على المفعولية بإضمار اذكروا وتودّ إما حال من كل نفس أو استئنافٌ مبنيُّ على السؤال أي اذكروا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ شر محضرًا وادّةً أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا أو كأن سائلًا قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم فماذا يكون إذ ذاك فقيل تود لو أن بينها الخ أو تَجِدُ مقصورٌ على مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وتود خبرُ ما عملت من سوء ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود وقرئ ودّت فحينئذ يجوز كونُها شرطيةً لكن الحمل على الخبر أوقعُ معنىً لأنها حكايةُ حالً ماضية وأوفقُ للقراءة المشهورة
﴿وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ تكرير لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله ﷿
﴿والله رؤوف بالعباد﴾ من أن تحذيرَه تعالى من رأفته بهم ورحمتِه الواسعةِ أو أن رأفته بهم لا تمنعُ تحقيق ما حذر هموه من عقابه وأن تحذيرَه ليس مبنيًا على تناسي صفةِ الرأفة بل هو متحققٌ مع تحققها أيضًا كَما في قولِه تعالى ﴿يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم﴾ فالجملة على الأول اعتراضٌ وعلى الثاني حال وتكرير الإسم الجليل لتربية المهابة
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى﴾ المحبة ميلُ النفس إلى الشئ لكمالٍ أدركتْه فيه بحيث يحملها على ما يقر بها إليه والعبدُ إذا علم أن الكمالَ الحقيقيَّ ليس إلا لله ﷿ وأن كلَّ ما يراه كما لا من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبُّه إلا لله وفي الله وذلك مقتضى إرادةِ طاعته والرغبةِ فيما يقرّبه إليه فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادة الطاعة وجُعلت مستلزمة لاتباع الرسول ﷺ في عبادته والحرصِ على مطاوعته
﴿يُحْبِبْكُمُ الله﴾ أي يرضَ عنكم
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي يكشفِ الحجبَ عن قلوبكم بالتجاوز عما فرَطَ منكم فيقرّبكم من جناب عزِّه ويبوِّئُكم في جوار قدْسِه عبّر عنه بالمحبة بطريقِ الاستعارةِ أو المُشاكلةِ
﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي لمن يتحبّب إليه بطاعته ويتقرب إليه
2 / 24