Tafsīr al-Huwārī
تفسير الهواري
78
قوله : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } فسرهم الذي يخفونه والذي في قلوبهم من النفاق ، ونجواهم ما يتناجون به من النفاق فيما بينهم . أي : قد عملوا ذلك فيما أنزل الله في كتابه ، وقامت به الحجة عليهم . { وأن الله علام الغيوب } .
قوله : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } .
ذكروا أن عبد الرحمن بن عوف جاء بنصف ماله إلى رسول الله A يتقرب به إلى الله فقال : يا رسول الله ، هذا صدقة [ وأحسبه قال : يا رسول الله هذا نصف مالي أتيتك به ، وتركت نصفه لعيالي . فدعا الله أن يبارك له فيما أعطى وفيما أمسك ] . فلمزه المنافقون ، وقالوا : ما أعطى إلا رياء وسمعة .
وجاء الحثحاث أبو عقيل ، رجل من الأنصار ، إلى النبي عليه السلام فقال : يا رسول الله : بت البارحة أجر الجرير على صاعين من تمر . فأما صاع فأمسكته لأهلي ، وأما صاع فهذا هو . [ فقال له نبي الله عليه السلام خيرا ] ؛ فقال المنافقون : والله إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل . فأنزل الله هذه الآية . وقال :
{ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } أي خالفوا الله ورسوله { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند الله . وهذا فسق النفاق ، وهو فسق دون فسق ، وفسق فوق فسق .
وكانوا يأتون النبي عليه السلام ويعتذرون إليه ، ويقولون : { إن أردنا إلا الحسنى } [ التوبة : 107 ] و { إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا } [ النساء : 62 ] . فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله A : « قد خيرني ربي ، فوالله لأزيدنهم على السبعين » ؛ فأنزل الله هذه الآية في سورة المنافقون { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } [ المنافقون : 6 ] وهو فسق النفاق .
وهذا مما يدل أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما وصفوا لم يستغفر لهم رسول الله ، ولم يقل لأزيدن على السبعين مرة في الاستغفار لهم؛ وما كان رسول الله A ليجهل الشرك فيستغفر لأهله ، وقد قال الله : { ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } [ التوبة : 113 ] .
Page 36