1

الفاتحة

أتبرك في كل مباح وعبادة ، ولاتكتب البسملة في أول ديوان الشعر ، إلا إن كان علما أو وعظا ، أو نفعا لا محذور فيه شرعا . وأجاز سعيد بن جبير كتبها في أول ديوان الشعر ، ووجدتها مكتوبة في نسخة قديمة بأكثر من خمسمائة عام من ديوان الشعراء الستة ، معروضة على أبي على الشلوبين ، وأعطى الإجازة فيها لبعض تلامذته ، وعنه A ، لو أن أحدكم أراد أن يأتى أهله قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجبن الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان وقال A : ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا ، باسم الله ، أي إذا أرادوا الدخول . والله مختص به تعالى ، والإله أعم ، سواء أقلنا ، أصل لفظ الله إله أم لا فلا تهم ، وقرىء بنصب الرحمن ، وجر الرحيم ، والنصب على تقدير أحمد ، وسماه أبو حيان عطف توهم ، أي على طريق التوهم ، وأصاب . ووجه توهمه أن الإتباع بعد القطع ضعيف ، فلتسميته وجه ، ونص هو على ضعف ذلك ، لاختصاص التوهم بالعطف .

Page 1

2

{ الحمد لله } إخبار بأن الله مالك لجميع الحمد من الخلق ، أو مستحق لأن يحمدوه ، ومن ذكر الجملة وأراد بها الثناء على الفعل الجميل الاختيار تعظيما كان محصلا للحمد ، ولو لم يقصد الإنشاء ، ولا يجوز قصد الإنشاء على أن الآية نزلت إخبارا إلا لمن أراد غير الآية ، وإلا أن يقال ، المعنى قولوا هذه السورة ، فحينئذ يجوز لقارئها التصرف في الحمد بالإخبار والإنشاء ، لكن الإنشاء بالجملة الاسمية قليل . ومختلف فيه ، ولا يحمد الله على صفاته ، بل على أفعاله ، وقيل بالجواز على إسقاط لفظ الاختيارى من الحد ، أو على أن المراد به نفى الضرورة ، وصفاته ليست ضرورية ، كما أنها ليست اختيارية ، لا إله إلا الله ، سبحان الله ، ولفظ الجلالة لا يدل على فعل ولا صفة ، بل على الذات ، فهو جامد ، وقيل : أصله الاشتقاق من لفظ يدل على معنى العبادة ، أو العلو ، أو الطرب . أو التحير ، أو الاحتجاب ، أو نحو ذلك ، بمعنى خلقه احتجبوا عن رؤيته ، بأن حجبهم عنها ومنعهم ، وليس هو بمحتجب ، وفزعوا إليه واضطربوا وتحيروا ، { رب } سيد { العلمين } أو مالكهم ، الناس عالم ، والملائكة عالم ، والجن عالم ، والفرس عالم ، والجبال عالم ، والنبات عالم ، والفعل عالم ، والاعتقاد عالم ، وهكذا كل صنف عالم ، الجميع عالمون ، جمع تغليبا للعاقل جع قلة . إيذانا بقلتهم بالنسبة إلى قدرته تعالى على خلقه ، أصنافا غير الموجودة ، وسميت لأن فيها علامة الحدوث . كالتركيب والحلول ، وعلامة وجود الله .

Page 2

3

{ الرحمن } المنعم بالنعم العظيمة ، أو مريد الإنعام به ، وليس معربا من رحمن بالخاء المعجمة كما قيل { الرحيم } المنعم بالنعم التي دون تلك ، أو مريدها ، وليس بينها عموم وخصوص على هذا ، فضلا عن أن يقال ، قدمت الخاصة على العامة ، وإنما ذلك لو فسر الرحيم بالمنعم بمطلق النعم ، أو هما سواء ، كنديم وندمان ، جمعا تأكيدا ، كما روى ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، وعلى الأخصية ، فقد قيل بجواز تقديم الصفة الخاصة على العامة للفاصلة ، كما في قوله تعالى « رءوف رحيم » . وقوله تعالى : « رسولا نبيا » . وقيل : يا رحمن الدنيا ، لأنه يعم المؤمن والكافر ، ورحيم الآخرة ، لأنه يخص المؤمن . وقيل : يا رحمن الدنيا والآخرة ، ورحيم الدنيا ، لأن نعم الآخرة كلها عظام ، وأما نعيم الدنيا فجليلة وحقيرة ، وهي هنا مبنية على الميم ، نظير النون في العالمين والدين .

Page 3

4

الجزاء بالجنة والنار ، وخصه لأنه لم يجعل فيه مالكا ، بخلاف الدنيا ، ففيها ملوك ، والملك السلطان القاهر ، هو مالك يوم الجزاء إذا حضر يوم الجزاء ، أو صفة مبالغة ، أي أنه مالك ليوم الدين ملكا قويا ، إذا شاء أحضره ، ولك تقدير مالك الأمور يوم الدين ، كما ملكها في الدنيا ، أو ملكها فيه وحده .

Page 4

5

{ إياك } قدم للحصر ، والثاني للحصر والفاصلة ، ومقتضى الظاهر ، إياه نعبد ، وإياه نستعين ، ليهدنا بلام الدعاء ، أنعم عليهم بصيغ الغيبة مثل ما قبله ، إلا أنه لما أتى بالأوصاف الكاملة من كمال الرحمن المشاهدة ، وصفات الجلال المحود عليها ، وقدرته الكاملة بتدريج الأفهام في ذلك على وجه الغيبة ، وقوى برهان ذلك صار الغائب شاهدا بتكلم معه بصيغ الخطاب ، وفي صيغة الخطاب تلذذ { نعبد } نخدم بكل ما نقدر عليه ، وهذا العموم أفاده الإطلاق القابل لكل ممكن على سبيل البدلية ، فيحمل على العموم الشمولى الشامل لكل أفراد البدلى ، وكذا في قوله : { وإياك نستعين } على تحصيل العبادة والمباح ، وعلى دفع المعاصى عنها والمضار ، وخدمته إما للشراب والهروب عن العقاب ، وذلك زهد ، وهى عبادة ، وإما للشرف بها والنسبة إليه تعالى ، وهى عبودية ، وإما لإجلاله ، وهى عبودية ، وهى أعلى ، وقدم العبادة لنتوسل بها إلى دفع المكروه ، وجلب المحبوب ، أو قدمها لأن المراد بها التوحيد ، فذكر بعدها الاستعانة على مطلق العبادة ، وأيا كان الأمر فالواو لا ترتب ، وفى الوجه الأخير حصول التخلى قبل التجلى .

Page 5

6

ما لم يكن عندنا من الدين حتى يتم عندنا ، وللذين اهتدوا زادهم هدى ، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ، أو أدمنا عليه ، والأصل اهدنا الصراط ، أو إلى الصراط ، والمراد هدى البيان ، أو هدى الإيصال بأن نقيم عليه ، ولا نموت على خلافه ، أو التوفيق للعمل والتقوى .

Page 6

7

{ صرط الذين أنعمت عليهم } بعلم الدين والعمل به ، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من كل أمة { غير } قال سيبويه : نعت الذين ، لأن الذين كالنكرة ، لأنه جنس ، ولفظ غير نكرة ولو أضيف إلى معرفة ، ولا سيما أنه أضيف لمعرفة هى للجنس فهى كالنكرة ، وعندى جواز إبدال لمشتق الوصف وما أول به . { المغضوب عليهم } اليهود المخالفين لموسى وعيسى . { ولا الضالين } النصارى المخالفين لها ، قال A : « المغضوب عليهم لتقدمهم زمانا ، ولأن الإنعام يقابل بالانتقام ، ولأنهم أشد في الكفر والعناد والفساد ، وأشد عداوة للذين آمنوا ، ولأنهم كفروا بنبين ، عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ، والنصارى بواحد ، وهو سيدنا محمد A » وروى ابن عدى والديلمى والسلفى عنه A : من لم يجد صدقة فليلعن اليهود .

Page 7

1

سورة

البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم الله هو العالم بمعناه ، وبمعنى ، المص ، و ، المر ، الر ، و ، كهيعص ، و ، طه ، و ، طسم ، و ، طس ، و ، يس ، و ، ص ، و ، حم عسق ، و ، ق ، و ، ن ، وأذكر ما قيل ، الهمزة الله ، واللام لطيف ، قال الخليل : نحو به ، وكه ، بالحركة وهاء السكت ، مسميات ، ونحو الباء والكاف اسم ، قلت ، فمسمى الهمزة ، أه بالحركة بعدها هاء السكت ، والاسم ءاء بهمزتين بينهما ألف ، ولم ينطق غيرى بهذا .

Page 8

2

{ ذلك الكتب } القرآن ، الشبيه في علو شأنه بالعالى حسا كالعرش ، وأصل الإشارة أن تكون إلى محسوس ، فإذا أشير إلى غير محسوس لاستحملة إحساسه ، مثل ، ذلكم الله ربكم ، أو لعدم حضوره نحو ، تلك الجنة ، فلتحققه كالمشاهد ، وعبارة البد للتعظيم ، ولأن كل ما انقضى ، أو ليس في يدى فهو بعيد { لا ريب فيه } ليس أهلا لأن يشك فيه عاقل ، لظهور براهينه . ومن شك فيه ، أو من الله ، فلقصور نظره ، أو عدم استعمال عقله . قيل ولا ريب فيه عند الله والمؤمنين والنبى ، ويضعف أن يكون المعنى ، لا تشكوا فيه ، لما علمت من ضعف مجىء الجملة الاسمية للإنشاء ، { هدى } من الشرك والمعاصى { للمتقين } الذين قضى الله أن يرجعوا إلى التوحيد والعبادة ، وترك المعاصى ، والحذر منها ، ومن العقاب عليها ، أو ذلك ثابت لهم أو زيادة ، أو أراد للمتقين وغيرهم ، فحذف ، وهذا ضعيف ، أو خصهم ، لأنهم الفائزون ، كقوله تعالى : « إنما أنت منذر من يخشيها » وهذا على الحذف ، والتقوى تقوى الشرك ، وهى تقوى العوام ، ولا تنفع فى الآخرة بلا أداء فرض ، واجتناب فسق ، وتقوى الخواص ، وهى تقوى الشرك والمعاصى مع أداء الوجب والسنن المؤكدة ، وتقوى خواص الخواص ، وهى تقوى ما يشغل عن الله ، D ، ويسميه بعض العلماء ورع الصديقين ، وهدى خبرثان لذلك ، أو لا ريب محذوف الخبر ، وفيه خبر لهدى .

Page 9

3

{ الذين يؤمنون } في قلوبهم وألسنتهم لا فيها فقط { بالغيب } بذى الغيب أو الغائب ، وهو الله ، جل جلاله ، وما أخبر عنه مما سيكون في الدنيا أو الآخرة ، أو كان ولم يشاهدوه أو آمنوا بذلك ، وهم في غيب عنه { ويقيمون الصلوة } يأتون بها في وقتها المختار ، لا الضرورى إلا لعذر بطهارة ، وخشوع وإخلاص ، وترك ما يكره حتى كأنها كجسم مستقيم لا عوج فيه ، أو كسوق أقيمت ورغب فيها ، وذلك مستتبع لإقامة صلاة النفل إلا أنه لاعقاب عليها ، وقال الجمهور : المراد صلاة الفرض ، وعليه ابن عباس ، ومثل هذا اللفظ حقيقة شرعية عن معنى لغوى مجاز لغوى؛ كما هو المشهور ، وقال الباقلاني مجاز ، وقال المنزلة حقيقة شرعية مخترعة ، وليست منقولة عن معان لغوية { ومما رزقنهم } طعاما أو دارهم أو ثيابا ، أو دواب ، أو عقارا ، أو غير ذلك من الحلال ، إذ لا مدح بإنفاق الحرام ، لأن التصرف فيه وإمساكه كفر { ينفقون } في طاعة الله ، كإنفاق من تجب نفقته من أهل ورحم وتنجية مضطر ، وضيف وإنفاق الزكاة ، وكإنفاق تطوع ، وكإنفاق نفسه بنية أن يتقوى على العبادة وأن ينفر عن مال الناس ، قيل ، إن أريد بالتقوى في قوله ، المتقين ، اتقاء المشرك فالذين . . . الخ صفة مخصصة . أو ترك ما لا بأس به مخافة أن يقع في اليأس فمادحة ، كما فى حديث الترمذى عنه A : « لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا ما فيه بأس » .

Page 10

Tafsīr aṭfīsh | Usul