وإلى هذين الموقفين المتناقضين جاءت الإشارة في قول الله تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول):
﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُو؟ءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُو؟اْ أَهْوَاءَهُمْ﴾
فمن كان على بيِّنة من ربه فإنه يكون صحيح التصور للأمور، مستقيم العمل غالبًا انسجامًا مع تصوراته الصحيحة، ومن زيِّن له سوء عمله فلا بد أن يكون فاسد التصور فاسد العمل متبعًا أهواءه المنحرفة الجانحة، متخبطًا في ظلمات البغي والفساد، والظلم طغيان.
ولذلك تكرر في القرآن التحذير من السقوط في الهاوية التي يُزيَّن فيها المسيء سوء عمله، وتكرر فيه توبيخ الذي زين لهم سوء أعمالهم.
ففي سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) أثبت الله ﵎ أن الكافرين قد زين لهم سوء عملهم، ذكر هذا بعد مثل ضربه للمؤمنين والكافرين فقال تعالى:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
فالكافرون مثلهم كمثل من هو في الظلمات ليس بخارج منها، فلا يعرف شيئًا عن النور، لذلك فهو يستحسن الظلمة التي هو فيها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون فيهم يستحسنون أعمالهم السيئة، فيفعلونها بقوة وجرأة ومفاخرة.
ويوبخ الله الذين زين لهم سوء عملهم، فكفروا بربهم فأضلهم الله بذلك قال تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول):
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُينَ لَهُ سُو؟ءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾