363

Yanābīʿ al-minbar majmūʿat khuṭab wa-maqālāt al-majmūʿa al-ūlā

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

ثالثًا: إِنَّ المُؤمِنَ وَقَد أُوتيَ قَلبًا حَيًّا وَحِسًّا مُرهَفًا لِيَتَأَثَّرُ بمِثلِ هَذِهِ الأَحوَالِ المُخِيفَةِ مُقتَدِيًا بِنَبِيِّهِ ﷺ الَّذِي كَانَ إِذَا رَأَىَ رِيحًا أَو غَيمًا عُرِفَ ذَلِكَ في وَجهِهِ فَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ خَوفًا مِن نُزُولِ عَذَابٍ، وَيَخرُجُ في الكُسُوفِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ مُستَعجِلًا، يَخشَى أَن تَكُونَ السَّاعَةُ، يَفعَلُ ذَلِكَ لِرُؤيَةِ غَيمٍ غَالِبُ مَا يَأتي فِيهِ المَطَرُ وَالغَيثُ، أَو لِكُسُوفِ الشَّمسِ وَذَهَابِ بَعضِ ضَوئِهَا، فَكَيفَ لَو أحسَّ بزلزلة أو ارتجت الأرض به، أو رأى تساقط البنيان وتشقق الأرض من حوله؟ إِنَّهَا لَمِن قَسوَةِ القُلُوبِ وَعَمَى البَصَائِرِ، أَن يَسمَعَ النَّاسُ وَيَرَونَ القَوَارِعَ الَّتي تَشِيبُ لها مَفَارِقُ الوِلدَانِ، وَتَتَوَالى عَلَيهِمُ الزَّوَاجِرُ الَّتي تَخشَعُ لها صُمُّ الجِبَالِ، ثُمَّ يَستَمِرُّوا عَلَىَ تَمَرُّدِهِم وَطُغيَانِهِم وَيَتَمَادَوا في غَيِّهِم وَعِصيَانِهِم، ويَظَلُّوا عَاكِفِينَ عَلَىَ شَهَوَاتِهِم مُتَّبِعِينَ أَهوَاءَهُم، غَيرَ عَابِئِينَ بِوَعِيدٍ وَلا مُنَصَاعِينَ لِتَهدِيدٍ، مُقتَصِرِينَ في تَفسِيرِ مَا حَدَثَ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ أَمَرٍ طَبَعِيٍّ وَحَدَثٍ اعتِيَادِيٍّ: ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
رابعًا: إِذَا كَانَ زلزالٌ وَاحِدٌ أحدث في دُنيَا النَّاسِ مِنَ الفَزَعِ مَا أحدِثُ، فَكَيفَ بِزَلزَلَةِ الأَرضِ كُلِّهَا يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢).

(١) [غافر: ٧٤].
(٢) [الحج: ١، ٢].

1 / 363