Sharḥ uṣūl iʿtiqād ahl al-Sunna liʾl-Lālakāʾī - Ḥasan Abūʾl-Ashbāl
شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
Egypt
شرح قول أم سلمة في استواء الله ﷿
وعن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
قالت: الكيف غير معقول.
أي: إذا كنا متفقين على أن (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، فما هي الكيفية التي استوى الله ﷿ بها على عرشه؟ هذا أمر لا يدخل في دائرة العقل قط، فهو أمر غيبي، ونحن نؤمن بوجود الله ﷿، ولا يشك أحد في أن الله تعالى ذات موجودة، لكن لو قلنا لواحد: صف لنا الله ﷿؛ فإنه لا يستطيع، والذي لا يستطيع أن يصف المولى ﵎ لا بد أنه سيعجز عن وصف صفاته، وعلى ذلك فإنه سيعجز كذلك عن معرفة كيفية يد الله ﷿، وساق الله ﷿، وعين الله ﷿، ووجه الله ﷿؛ وذلك لأن اليد من الصفات، والوجه من الصفات، والساق من الصفات، وكذلك الأمر في بقية الصفات.
والصفات في حق المخلوقين هي المكونة للذات، فإذا قلت لك: صف لنا محمدًا أو إبراهيم أو سعدًا، فإنك تستطيع أن تصفه تمامًا؛ لأنك لا تستطيع أن تصف شيئًا إلا إذا كان مماثلًا لأمر أنت رأيته، فلو أني قلت لك: صف لنا إبراهيم! لقلت: إبراهيم طويل أو قصير، أو عريض أو نحيف أو سمين، ذو عينين زرقاوتين، أو أصابعه طويلة، أو أبيض أو أسود، حليم غضوب، وغير ذلك من الصفات، فأنت تصف إبراهيم بهذه الدقة؛ لأنك رأيت إبراهيم، أو رأيت من هو مثل إبراهيم، وهكذا فتستطيع أن تصف إبراهيم من خلال مثيله.
ولكن الله ﵎ ليس له مثيل، وأنت لم تر الله ﷿، إذًا: الله ﵎ غيب عن الخلق أجمعين؛ فلا نستطيع أبدًا أن نصف المولى ﵎، نعجز عن ذلك؛ لأنه غيب، وهو لا مثيل له ولا عدل له ولا كفء له؛ ولأنه منزه عن الشريك والمثيل والضد وغير ذلك من أنواع المماثلات والمتشابهات في عالم المخلوقات، فإذا كان الله ﵎ غيبًا عنا على هذا النحو الذي ذكرناه، فإما أن ننكره وإما أن نثبته، فإن أنكرناه لا بد أن ننكر ذاته؛ لأن هذه الذات هي متصفة بتلك الصفات، فإن أنكرناه كفرنا، وإن أثبتنا وجود الذات؛ لا بد أن نثبت وجود الصفات، لكن وجود الصفات يكون على نحو يليق بالذات، ونحن لا نعلم كيفية الذات.
فإذا كنت أنا أعجز عن وصف ذات الإله، فلا بد أنني سأعجز عن وصف يده وساقه ووجهه وبقية الصفات اللازمة له ﷿، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته؛ ولذلك عندما يأتي شخص ويقول لي: كيف الله؟ أقول: هذا أمر أنا لا أعقله، ولا أقدر أن أصفه، فإن قال لي: صف لي يد الله ﵎ فقط، أقول له: لا أقدر على ذلك، والذي لا يستطيع أن يتكلم في الذات لا يستطيع أن يتكلم في الصفات؛ لأن الذات والصفات أمر واحد، وصفات المولى ﵎ -كما قلنا- لازمة لذاته.
فالذي يستطيع أن يتكلم في الذات يستطيع أن يتكلم في الصفات، والصواب: أننا لا نستطيع أن نتكلم في الذات، وبالتالي يحرم علينا أن نتكلم في الصفات، ولكن علينا أن نؤمن بها كما جاءت، أليس عندنا إيمان بوجود الله من غير ما نراه ومن غير ما نمثله؟ فلماذا لا نؤمن بصفات الله من غير ما نراها ومن غير ما نمثلها ونشبهها بصفات المخلوقين؟ وهذا أمر لازم لإيمانك بالذات من غير أن تراها، فكذلك لا بد أن تؤمن بالصفات على الوجه اللائق الكامل لله ﷿ وأنت لم ترها ولا تعرف كيفيتها؛ ولذلك لما سئلت أم سلمة عن معنى الاستواء الذي هو أحد صفات المولى ﵎ قالت: الكيف غير معقول، أي: لا يدخل في دائرة عقلي قط؛ لأن عقلي قاصر وعاجز أن يكيف الاستواء لله ﷿.
فاستواء المولى ﵎ شيء آخر يختلف عن استواء المخلوقين؛ لأن الذات تختلف عن ذوات المخلوقين، وكذلك الصفات لا بد أن تختلف عن صفات المخلوقين، فالكلام في كيفية الاستواء كالكلام في كيفية كل صفة من صفات المولى ﵎، يمتنع ويستحيل ولا يجوز لأحد أن يمثل ولا أن يشبه، ولا أن يحرف الكلم عن مواضعه؛ فيصرف هذه الصفات عن مدلولها الذي وضعه المولى ﵎ له؛ فلا يجوز لأحد أن يقول: اليد هي القدرة، والعين هي الرعاية، والمجيء هو الأمر، وغير ذلك من صفات المولى ﵎، بل نثبتها كما أثبتها السلف، ونمرها كما جاءت، ولا نتكلم فيها قط، ونؤمن بها على هذا النحو.
فإن النبي ﵊ لما نزلت عليه هذه الآيات لم يخف عليه معناها، ولم يناقش أحد من الصحابة النبي ﵊ في كيفية الاستواء؛ وذلك لأنهم يعلمون أن الاستواء بمعنى العلو والارتفاع، فهذا كان أمرًا مستقرًا لديهم، ولذلك لم يسألوا عنه، بل لم يثبت أن واحدًا من أصحاب النبي ﵊ سأل عن صفة واحدة لله ﷿؛ لأنهم سكتوا عن هذه الصفات، وآمنوا بها على هذا النحو الذي وردت به ظاهرًا، وعلموا المعنى؛ لأنه لا يعقل أن الله ﵎ يخاطب المخاطبين بكلام هم لا يعلمون معناه؛ ولذلك قالوا: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، يعني: معلوم لنا أن الله تعالى استوى؛ لأنه أخبر في
19 / 9