Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
فإن قيل: إذا ثبت وجوب الشاة بعبارة النص, وجواز الاستبدال بدلالته فما معنى التعليل بالحاجة؟ أجيب بأن التعليل إنما وقع بحكم آخر وهو كون الشاة صالحة للصرف إلى الفقير, وهذا ليس بحكم ثابت بأصل الخلقة حتى يمتنع تعليله بل حكم شرعي ثابت بالنص الدال على وجوب الشاة; لأن المراد به صلاحية حدثت بعدما كانت باطلة في الأمم السالفة باعتبار كون الصدقة من الأوساخ ولهذا كان تقبل القرابين بالإحراق, وأيضا محال التصرفات إنما تعرف شرعا كصلاحية الخل محلا للبيع دون الخمر. ولما كان هذا حكما شرعيا عللناه بالحاجة أي: بحاجة الفقير إلى الشاة أو بكونها دافعة لحاجته لنعدي الحكم إلى قيمة الشاة, ونجعلها صالحة للصرف إلى الفقير; لأن الحاجة إلى القيمة أشد وهي للحاجة أدفع فصار الحاصل أن هاهنا حكما هو وجوب الشاة, وآخر هو جواز الاستبدال. وثالثا هو صلاحية الشاة للصرف إلى الفقير, والتعليل إنما وقع في هذا الحكم أي: صلاحية الشاة للصرف وليس فيه أي: في هذا الحكم تغيير بل تغيير النص الدال على وجوب وذكر الأصناف لعد المصارف والتكبير لتعظيم الله تعالى فأداء القيمة، وذكر لفظ آخر يكونان في معنى المنصوص واستعمال الماء لإزالة النجاسة فيجوز بكل ما يصلح
بقوله مصروفا, وقوله حكما شرعيا خبر صار فهذا الحكم هو الحكم الثاني المذكور وفي قوله إن الصدقة واقعة في الابتداء لله, وفي البقاء مصروف إلى الفقير بيان أن الصدقة ليست في الابتداء حق الفقير حتى يلزم تغيير حقه من غير إذنه, وهذه المسألة مع هذه العبارة من مشكلات كتب أصحابنا في الأصول.
"وذكر الأصناف لعد المصارف" فإن قوله تعالى: {إنما الصدقات} الآية ذكروا أن
...................................................................... ..........................
الشاة إنما يكون بالنص أي: بدلالة النص الآمر بإيفاء حق الفقير وهذا التغيير مقارن للتعليل في حكم آخر هو صلاحية الشاة للصرف إلى الفقير وليس فيه أي: في ذلك الحكم الآخر تغيير النص أصلا إذ لا نص يدل على عدم صلاحية الشاة للصرف إلى الفقير فصار التغيير مع التعليل لا بالتعليل. والممتنع هو التغيير بالتعليل لا معه فقوله بالنص خبر صار, ومجامعا حال أو هو خبر صار وبالنص خبر بعد خبر فعلى ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى صار الأصل هو الشاة, والفرع القيمة, والحكم الصلاحية, والعلة الحاجة ولما كان هذا مخالفا لظاهر عبارة فخر الإسلام رحمه الله تعالى حيث جعل الفرع هو سائر الأموال, والعلة والتقوم أوردها وشرحها تنبيها على أن العلة قد تعتبر من جانب المصرف وهي الحاجة, وقد تعتبر من جانب الواجب, وهي التقوم, وأن المستبدل به يجوز أن يعتبر بنفس القيمة وحينئذ لا معنى للتعليل بالتقوم. وأن يعتبر ماله القيمة فتعلل بالتقوم والمقصود واحد, وهو صلاح صرف الشاة وغيرها.
فإن قلت كما أن النص الدال على وجوب الشاة دل على صلاحها للصرف كذلك النص الدال على جواز الاستبدال دال على صلاح غير الشاة للصرف فلا حاجة إلى التعليل قلت لا معنى لجواز الاستبدال إلا سقوط اعتبار اسم الشاة وجواز إيفاء حق الفقير من كل ما يصلح للصرف إليه, وهذا لا يدل على صلاحية القيمة وكل متقوم للصرف بعدما كانت هذه الصلاحية باطلة في الأمم السالفة بخلاف إيجاب الشاة بعينها فإن معناه الأمر بصرفها إلى الفقير. وهذا تنصيص على الصلاحية فلا بد من إثبات كون القيمة أو كل متقوم صالحا للصرف وذلك بالتعليل مع ما فيه من الإشعار بأن الاستبدال إنما يجوز بما يعتد به في دفع الحاجة حتى لو أسكن الفقير داره مدة بنية الزكاة لم يجزه فالحاصل أن الصدقة تقع لله تعالى ابتداء وللفقير بقاء فلا بد من ثبوتها حقا لله تعالى أولا ومن صلوحها للصرف إلى الفقير ثانيا ففي الشاة مثلا ثبت كلا الأمرين بالنص, وفي القيمة ثبت الأول بدلالة النص, والثاني بالتعليل والقياس على الشاة, وقد اعترض على ثبوت جواز الاستبدال بدلالة النص بأنه إنما يلزم لو لم يكن في جنس الواجب ما يصلح لإيفاء حق الفقراء وقضاء حوائجهم وهو الدراهم والدنانير المخلوقة ثمنا للأشياء على الإطلاق ووسيلة إلى الأرزاق.
Page 129