Sharḥ ṭalʿat al-shams ʿalā al-alfiyya
شرح طلعة الشمس على الألفية
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك اللهم يا من أطلع شمس الأصول في سماء قلوب العارفين وأظهر بها حقائق الأدلة لإفهام الناظرين، وأبرز بها أسرار الأحكام الشرعية لفحول العلماء المجتهدين، حتى أفضي بهم الحال من ضيق التقليد إلى فضاء اليقين، ونصلي ونسلم على محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الهادين المهتدين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فهذه منظومة جليلة القدر عظيمة الخطر، في علم أصول الفقه من بها على ربي عز وجل سميتها (شمس الأصول) وقد أخذت في شرحها على وجه يروق للناظر ويبهج الخاطر، موضحا لمعاني أبياتها، ومبينا لغالب نكاتها آخذا من طرق الشروح أوسطها، ومن العبارات أحسنها وأضبطها، ولئن من الله علي بإتمام على هذا الجنس لأسمينه إن شاء الله (بطلعة الشمس) والله سبحانه وتعالى المأمول، أن يتلقاه وسائر أعمالي الصالحة بالقبول وأن يغفر لي ولإخواني ولجميع المسلمين سيئاتنا، وأن يقينا عثراتنا، فهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل، وهذا أوان الشروع في شرح النظم المشار إليه .
قال المصنف مبتدئا بالبسملة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي قد أنزلا كتابه مفصلا ومجملا.
بحسب الحكمة في إنزاله فاستبق الأذهان في إجماله.
Page 2
الحمد لله لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الشاكر سواء كان ذاكرا باللسان أم اعتقادا ومحبة بالجنان أم عملا وخدمة بالأركان فمورد الحمد هو اللسان وغيره ومتعلقه النعمة وحدها فالحمد أعم متعلق وأخص مورد والشكر بالعكس والحمد عرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الحامد أو غيره والشكر عرفا صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله فهو أخص مطلقا من الثلاثة قبله لاختصاص متعلقه بالله تعالى ولاعتبار شمول الآلات فيه والشكر اللغوي مساو للحمد العرفي وبين الحمدين عموم من وجه انهي غاية البيان، وال في الحمد أما للعهد وأما للجنس وأما للاستغراق، فالوجوه الثلاثة كلها محتملة هاهنا وكونها للاستغراق أوجه من الاحتمالين الأولين لأن المراد الثناء على الله تعالى على كل فرد من آثار الصفات وإذا جعلت للعهد فالمراد بها حمدا لله تعالى نفسه أو الحمد الذي أمر به تعالى خلقه أن يحمدوه به، وكونها للجنس ظاهر لأن المراد منه أن جملة الحمدلة لله تعالى فالفرق بين الاستغراق هو الحكم على الشيء مع النظر إلى فرد من أفراده وأن الجنس هو الحكم على الشيء مع قطع النظر عن فرد من أفراده (واختار) الزمخشري كون ال في الحمد للجنس ليتأتى له حمله على قاعدة مذهبه الفاسد وهو أنه للعباد حمدا حقيقيا على أفعالهم الخيرية، ونحن نقول أن خالق ذلك هو الله تعالى وأن الحمد عليه هو لله تعالى حقيقة وإنما يحمد العبد على اكتسابه لذلك وامتثاله فيه لأمر الشارع فالحمد للعبد حينئذ إنما هو لما جعل الله له من الثناء عليه بسبب امتثاله الأوامر فالحمد بجميع أفراده لله تعالى، وما بكم من نعمة فمن الله (فإن قيل) أنكم قد أثبتم للعبد حمدا على اكتسابه الخير وامتثاله الأوامر كما أن المعتزلة أثبتوا له حمدا على خلقه فعله الخيري فيلزمكم جعل ال في الحمد للجنس وهو الذي اختاره الزمخشري بعينه فما وجه النقد عليه (قلنا) أما أولا فلا يلزمان ظان تكون ال في الحمد للجنس لأنا*** نقول أن كل فعل في يستحق عليه الحمد فهو إنما كان بخلق الله وإرادته فالحمد عليه في الحقيقة إنما هو لله تعالى والزمخشري يأبى ذلك ويزعم أن الحمد الذي يستحقه العبد على خلقه فعله فلا يكون لله تعالى وإنما هو للعبد من دون ربه هذا على قاعدة مذهبه، وأما(ثانيا) فأنا لا نمنع أن تكون ال في الحمد للجنس بل نقول أنها محتملة له ولغيره وإنما اخترنا جعلها للاستغراق لما تقدم، وأما (ثالثا) فأنا لم نعب على الزمخشري نفس اختياره كون ال للجنس وإنما عبنا عليه الأمر الذي حمله على اختياره ذلك واللام في لله، إما للملك وإما للاختصاص وإما للاستحقاق، احتمالات ثلاث وجعلها للاختصاص هاهنا أظهر ويليه في الظهور الاستحقاق، وأضعفها الملكية لأن الغرض من هذا السياق إنما هو الثناء عليه تعالى بأنه مالك للحمد، والملكية أشد اختصاصا من الاختصاصية والاستحقاقية، فيكون جعلها للملك أولى من جعلها للاختصاص والاستحقاق، (قلنا) لا نسلم أن كون الملكية أشد اختصاصا من الآخرين يثبت أولوية حمل اللام على الملك هاهنا فإن الاختصاص والاستحقاق أظهر في مقام المدح من الملكية لأن الاختصاصية والاستحقاقية إنما يكونان لشيء في ذات المختص والمستحق، والملكية إنما تنصرف إلى الأفعال. وقوله: (الذي أنزلا إلخ) تقييد لحمل الناظم فإنه يومي إلى أن النعمة التي لأجلها كان هذا الحمد منه لمولاه هي إنزال الكتاب على هذه الهيئة المخصوصة فحمد الناظم في البيت إنما هو حمد مقيد وهو أفضل عندهم من الحمد المطلق، لأن الحمد المقيد في مقابلة النعمة فهو واجب والمطلق (خال) من تلك المقابلة فهو نفل(والإنزال) هو تحويل الشيء من أعلى إلى أسفل، والمراد بكتابه الله تعالى هو القرآن العظيم، وسيأتي تعريفه والمراد بإنزاله هو تحويله من اللوح المحفوظ أو مما أراد الله تعالى إلى بيت العزة إلى قلب نبينا عليه الصلاة والسلام، (قال السيوطي) اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال (أحدهما) وهو الأصح والأشهر أنه أنزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو ثلاثة وعشرين أو خمسة وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة، (القول الثاني) أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ثم نزل بعد ذلك منجما في جميع السنة، (القول الثالث) أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات وبه قال الشعبي، قال ابن حجر في شرح البخاري: والأول هو الصحيح المعتمد قال وقد حكى الماوردي قولا رابعا، أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة وأن جبريل نجمه على النبي صلى الله عليه في عشرين سنة، وهذا أيضا غريب، وقيل أن السر في إنزاله جملة إلى السماء تفخيم أمر وأمر من انزل عليه وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم ا لرسل لأشرف الأمم قد قرناه إليهم لننزله عليهم، (أقول) وينضم إلى هذه الحكمة حكمة أخرى وهي التخفيف من الله على هذه الأمة، حيث جعل تكليفهم شيئا فشيئا ولم يجعله جملة واحدة، وأنزل كتابهم منجما آية بعد آية، وسورة بعد سورة، ولم ينزله جملة واحدة كما كان ذلك في التوراة وأشباها من الكتب السماوية والسر في ذلك أن العبد إذا درج في مسالك الطاعة وعرج في مراقي التكليف شيئا بعد شيء كان ذلك أهون عليه تتوطن نفسه بالأسبق فالأسبق بخلاف ما لو حمل ذلك دفعة واحدة (والمفصل) المبين وهو ما اتضحت دلالته من خاص وعام وغي ذلك (والمجمل) هو الذي لم تتضح دلالته ولخفاء دلالته أسباب يأتي ذكرها في محله (وقوله بحسب الحكمة) أي بمقدار الحكمة التي اقتضت إجماله وتفصيله فإن الرب عز وجل حكيم فتقتضي حكمته تارة إنزال القرآن مجملا وتارة إنزاله مفصلا، ومعنى الحكمة ههنا نفي العبث عنه تعالى أي جميع أفعاله عز وجل إنما هي استعداد المكلف للامتثال فيثاب بنفس الاستعداد إن لم ينزل البيان والعمل به ويثاب عليهما عند ذلك، (وقوله فاستبق الأذهان) أي جهد كل واحد من أذهان العلماء أن يسبق صاحبه في معاني إجمال القرآن فتفاوتت في بيان إجماله بتفاوت مراتب المستبقين في ذلك فهذا يسبق ذهنه في إلى كذا، وسبب ذلك التفاوت إنما هو باعتبار ظهور البيان وخفائه فنهم من لا يعرف المجمل إلا بالبيان الظاهر ومنهم من يدرك معناه بالبيان الخفي على مراتب، وهناك يقع التفاوت فالأذهان جمع ذهن وهو الاستعداد التام لإدراك العلوم والمعارف بالفكر، وفي ذكر إنزال الكتاب وكونه مفصلا ومجملا إلخ براعة استهلال وهي أن يذكر المتكلم في طالعة كلامه ما يشعر بمقصوده، ولما أشار المصنف بتسابق الأذهان إلى تفاوت درجات المفسرين للقرآن واختلاف مذاهبهم في ذلك أخذ في تقسيمهم إلى محق بذلك التأويل وإلى مبطل فقال:
فسلكت عقول أهل الصدق بصادق الفكر سبيل الحق.
وسقطت إفهام أهل الجهل بوجهها على مهاوي البطل.
Page 6
العقول جمع عقل وهو قوة يدرك بها الإنسان حقائق الأشياء، (قيل) محله الرأس، (وقيل) محله القلب سمي بذلك لأنه يعقل النفس عن شهواتها أي يمنعها من ذلك كما يمنع الناقة عقالها عن الذهاب حيث شاءت، (وأهل الصدق) هم أهل الحكم المطابق لما في الواقع من الأدلة الشرعية، (والصادق) من الفكر هو الذي يؤدي إلى الحكم المطابق لما في الواقع من الأدلة الشرعية، (والفكر) هو حركة النفس في المعقولات، وحركتها في المحسوسات تخييل، وفي إضافة صادق إلى الفكر، إضافة الصفة إلى موصوفها، والمعنى بالفكر الصادق، (وسبيل الحق) هو طريق الحكم هو في نفس الأمر أنه كذلك، (والسقوط) الوقوع من أعلى إلى أسفل، والسقوط على الشيء الوقوع عليه، (والإفهام) جمع فهم وهو تصور المعني من لفظ المخاطب، (والجهل) إما بسيط وهو عدم إدراك الشيء ممن من شأنه الإدراك، وإما مركب وهو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه وهذا المعنى هو المراد في البيت، (والوهم) هو ما يقع في القلب ويسبق مع إرادة غيره، (والمهاوي) جمع مهواة، وهي ما بين الجبلين وقيل الحفرة، (والبطل) بضم الموحد، بمعنى البطلان، وهو الحكم المخالف لما في الواقع، (والمعنى) أن عقول أهل الصدق سلكت طريق الحق بالفكر الصادق، فانتهى بهم ذلك الطريق إلى أن أصابوا محل أوامر الله تعالى ونواهيه وأن أهل ا لجهل قد تصور لهم بسبب ما سبق إلى أفهامهم أشياء سقطوا بها في الباطل الذي هو كالمهاوي بجامع أن كلا منهما يهلك الواقع فيه، فالمهاوي تهلك جسمه وتفوته عاجلته، والباطل يهلك عقله ويفوته آجلته والله أعلم، ثم إن الناظم أخذ في بيان الشكر لما من الله عليه به، حيث جعله من الفريق الأول وهم من أهل الصدق فقال :
أحمده على الهدى مع نعمه وأستمد شكره من كرمه.
Page 7
فقد تقدم معنى الحمد والشكر لغة واصطلاحا، والبحث هاهنا ه\عن كون الجملة في الحمد مضارعية وكونها فيما تقدم اسمية، فنقول إنما جئنا بنوعي الجملة لنحرز فائدتيهما، فإن الجملة الاسمية إنما تفيد الثبوت والدوام، والجملة المضارعية تفيد التجدد والحدوث فيكون في الجمع بين الجملتين، جمع بين الفائدتين وفيه التأسي بحديث الحمد لله أحمده، (والهدي) يطلق ويراد به التوحيد والتقديس، ويطلق على ما لا يعرف إلا من لسان الأنبياء من فعل أو م ترك، (والنعم) بكسر ا لنون جمع نعمة وهي الحالة التي يستلذ بها الإنسان، وهي إما دنيوية أو أخروية والأولى إما وهبية أو كسبية، والوهبية إما روحانية كنفخ الروح وما يتبعه، أو جسمانية كتخليق البدن وما يتبعه، والكسبية إما تخلية أو تحلية، واما الأخروية فهي مغفرة وما فرط منه وإثابته في مقعد صدق، (ومعنى استمد) أي أستزيد، أي أطلب زيادة شكره تعالى من كرمه، (والكرم) إفادة ما ينبغي لا لغرض فمن يهب المال لغرض جلبا للنفع وخلاصا عن الذم فليس بكريم، (والمعنى) أحمده سبحانه وتعالى على حصول الهدي لي مع تلك النعم التي صدرت منه إلى وأطلب منه زيادة شكره، أي أرغب أن ييسر لي الأسباب التي تعينني على أن أشكره على حصول ذلك الهدي وتلك النعم شكرا كثيرا، (واعلم) أن المصنف حمد الله تعالى هاهنا على حصول نعم له هي غير النعمة التي حمده عليها في أول الكلام، فيكون قد أدى بذلك فرضين، حيث أحدث لكل نعمة حمدا وهنا أبحاث، (أحدها) أن الهدي وإن كان من جملة النعم فهو أخص منها رتبة وأعلاها درجة، فكيف قال مع نعمة والظاهر أن ما بعد مع أشرف مما قبلها فإنك تقول الوزير مع السلطان ولا تعكس إلا لعارض فما وجه كلامه، (والجواب) عنه أنه لما كان الهدي من جنس النعم أعم منه، وأراد أن يخص الهدي بالذكر من بين سائر أفراد النعم ولم يتيسر له العطف، أضاف مع إلى النعم، وجعل النعم في حكم المقدم والهدي في حكم المؤخر، وإن تقدم فيكون ذلك كمن عطف خاصا على عام، فلا يستلزم أشر فيه النعم على الهدى، (وثانيها) لم عبر عن قوله وأشكره بقوله وأستمد شكره، (وجوابه) أن قوله وأستمد شكره من كرمه أبلغ من قوله وأشكره، لما فيه من طلب زيادة أساب الشكر منه تعالى، فكأنه نبه بذلك على عظم هذه النعم وكثرتها وعجز نفسه عن القيام بشكر بعضها فكيف بشكر جملتها، وفيه أيضا تنبيه على أن أفعال العبد كلها خلق الله تعالى، (ثالثها) ما وجه المناسبة بين قوله واستمد شكره وبين قوله من كرمه، (وجوابه) أن وجه المناسبة في ذلك ظاهر وهو ان الكرم صفة منها تستفاد المنافع، وزيادة الشكر من أكبر المنافع فناسب أن تضاف إلى الكرم ثم أنه لما فرغ من الثناء على الله تعالى بما هو له أهل له على تلك النعم التي بينها أخذ يؤدي ما أمر به في حق نبيه عليه الصلاة والسلام فقال:
مصليا على الرسول أحمدا أزكى صلاة وسلام أبدا.
Page 9
مصليا حال من فاعل أحمد، أي ومسلما لكن حذف المعطوف بقرينة قوله أزكى صلاة وسلام، ففي البيت اكتفاء عل حد قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، والصلاة إن نسبت إلى الله تعالى فهي رحمة مقرونة بتعظيم، وإن نسبت إلى الملائكة فهي الاستغفار، وإن نسبت إلى المكلفين من سائر الخلق فهي الدعاء، وهي شعار الأنبياء، فلا تقال لغيرهم إلا على سبيل التبعية، وقيل يدعى لغيرهم على سبيل الاستقلال أيضا، وقيل بالكراهية لغيرهم إلا على جهة التبعية، وهو الأوجه عندي، لأن التحريم محتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك فبقيت الإجازة، لكن لما أمر سبحانه وتعالى ظان يصلى على نبيه أخذا من هذه الأمر أن في الصلاة تعظيما ينبغي أن لا يشارك فيه نبيه إلا على جهة التبعية له، فأخذنا من ذلك الكراهية، وأيضا فلو كانت الصلاة غير جائزة لغير الأنبياء على جهة الاستقلال لما جازت لغيرهم على التبعية، وجوازها على جهة التبعية ثابت بالسنة والإجماع ، فلا وجه لإنكاره فثبت المدعي، وأيضا الملازمة بين جوازها لغير الأنبياء على جهة التبعية وبين جوازها لهم على جهة الاستقلال هي أنه لو كانت الصلاة من خصوصيات الأنبياء لما صح أن يشرك معهم فيها غيرهم، فلما أشرك فيها غيرهم بالسنة والإجماع، علمنا أنها جائزة لغيرهم مطلقا لكن كرهنا استقلال الغير بها لما تقدم، والصحيح الذي لا مرية فيه أنه صلى الله عليهم وسلم ينتفع بالدعاء له والصلاة عليه لقوله تعالى (وقل ربي زدني علما) ولحديث مسلم أنه كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (واجعل الحياة لي زيادة في كل خير) فلا عبرة من قال أنه لا ينتفع بذلك لأنه قد بلغ حد الكمال وملاحظة الانتفاع له تؤذن بنقصان كماله ونحن نقول أن كمال غيره تعالى قابل للزيادة، وطلب الزيادة لذلك الكمال لا يفيد نقصانه وإنما يفيد طلب انضمام كمال إلى كمال، فلم يزل كماله صلى الله عليه وسلم يترقى إلى غاية لا يعلمها إلا الله، (والسلام) التحية الإسلامية ويطلق على تجرد النفس من أحن الدارين، وقرن المصنف بين الصلاة والسلام ليمتثل الأمرين لا خروجا من الكراهية التي صرح بهما المتأخرون في أفراد أحدهما عن الآخر، حتى أن بعضهم استظهر حرمة أفراد أحدهما عن الآخر، والذي يظهر لي أنه لا تحريم ولا كراهية، وعطف التسليم على الصلاة في الآية لا يقتضي وجوب اقترانهما ولا كراهية أفراد أحدهما عن الآخر، وإنما يقتضي ثبوت الأمر بلا النوعين فالصلاة مأمور بها، والتسليم مأمور به، وعطف الأمر على الأمر لا يستلزم اقتران، ففعلهما في الامتثال فالمصلي بلا تسليم ممتثل للأمر بالصلاة، والمسلم بلا صلاة ممتثل للأمر بالتسليم والتراخي بين الامتثالين جائز، فظهر ما قررناه والله أعلم، (والرسول) إنسان أوحي إليه يشرع وأمر بتبليغه، ويسمى نبيا أيضا فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي فقط، فكل رسول نبي ولا عكس، واختار التعبير بالرسول على التعبير بالنبي لما في الرسول من الخصوصية التي لم تكن في النبي، فالرسول أفضل من النبي اتفاقا وعبر في هذا الكتاب بالنبي لكثرة استعماله، وللإشارة بأنه يستحق الصلاة والسلام بصفة النبوة كما يستحقها بصفة الرسالة، (وأحمدا) عطف بيان للرسول أو بدل منه وهو علم على خاتم النبيين وسيد المرسلين لقوله تعالى: (ومبشر برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) ويسمى محمدا أيضا لقوله تعالى: (محمد رسول الله) وبه اشتهر في أهل الأرض، واشتهر في أهل السماء باسم أحمد، فهو صلى الله عليه وسلم أحد الأربعة الذين لهم اسمان، والثاني إدريس ويسمى أخنوخ، والثالث يعقوب ويسمى إسرائيل ومعناه صفي الله، والرابع عيسى ويسمى المسيح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وإنما سمي بمحمد لكثرة حمد الناس له لكثرة خصاله المحمودة، كما روي في السير أنه قيل لجده عبد المطلب وقد سماه في سابع ولادته محمدا لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك ولا قومك، قال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله رجاءه كما سبق في علمه، وإنما آثر التعبير باسم أحمد مع ما ذكر في اسم محمد تنبيها على أن الاعتناء بما اعتنى به أهل السماء أهم (قوله أزكى صلاة وسلام) أي صلاة وسلاما زكيين، فأزكى اسم فاعل وهو صفة للصلاة ففيه إضافة الصفة إلى موصوفها، وانتصب أزكى على النيابة عن المصدر، وعنى كون الصلاة والسلام زكيين كونهما كثيرين إذ الزكاة لغة هي الزيادة والنمو، (وأبدا) ظرف لما يستقبل من الزكاة، والمراد به الدوام.
آله وصحبه ما استخرجا فكر من الدليل حكما أبلجا.
Page 11
وآل الرجل عشيرته وآله صلى الله عليه وسلم، في مقام الدعاء كل مؤمن، وفي مقام تحريم الصدقة مؤمنوا بني هاشم وبني المطلب، (والصحب) اسم جمع لصاحب كركب وراكب، والصاحب بمعنى الصحابي هو من لقي النبي بعد البعثة مؤمنا به، وقيل من أطال الصحبة، وقيل مع الرواية عنه، فمن لقيه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، أو لقيه بعدها غير مؤمن به فليس بصحابي اتفاقا، والخلاف فيمن لقيه بعد البعثة وهو مؤمن به إذا لم تطل صبته أو طالت ولم يرو، (وقوله ما استخرجا إلخ) تأكيد للصلاة والسلام بما يناسب المقام، (والاستخراج) هو الاستنباط، (والفكر) حركة النفس في المعقولات، وعرفه بعضهم بأنه ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول، والدليل لغة: المرشد ويطلق على العلامة التي يتوصل بها إلى الشيء، وفي الاصطلاح: هو كل ما يعرف به المدلول حسيا كان أو شرعيا قطعيا كان أو غير قطعي، حتى سمي الحس والعقل والنص والقياس وخبر الواحد وظواهر النصوص كلها أدلة، والدليل والمرجح إن كان قطعيا كان تفسيرا، وإن كان ظنيا كان تأويلا، والحكم في اللغة: المنع والإتقان والفصل، وفي العرف إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا وإدراك وقوع النسبة، أولا: وقوها وهو الحكم النطقي، وفي اصطلاح أصحاب الأصول: أثر خطاب الله المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء والتخيير أو الوضع، وأبلجا اسم فاعل من بلج كتعب ومعناه الواضح مأخوذ من بلج الصبح إذا أسفر والله أعلم.
وبعد فالعلم بفن الفقه ... مندرج تحت أصول الفقه.
Page 12
(وبعد) الواو إما عاطفة والمعطوف حينئذ قصة على قصة، وإما نائبة عن إما، وإما بمعنى مهما يكن عند سيبويه، والمعنى مهما يكن من شيء بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله فهو كذا وكذا، وبعد نقيض قبل وهي ظرف زمان كثيرا، ومكان قليلا، وقد يؤتى بها والواو التي قبلها أو مع إما للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، أي من غرض إلى آخر فلا تقع بين كلامين متحدين ولا أول الكلام ولا آخره، ويستحب الإتيان بها عند الانتقال، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبه ومكاتباته: أما بعد، وروى ذلك عنه صلى الله عليه وسلم جمع كثير من الصحابة، وفي أول من تكلم بأما بعد أقوال جمعها فقال:
جرى الخلف أما بعد من كان بادئا بها خمس أقوال وداود أقرب.
وكانت له فصل الخطاب وبعده فقس فسبحان فكعب فيعرب.
Page 13
(وقوله فاعلم) أي فأقول أن العلم إلخ، فالفاء زائدة لتوهم أما أن قلنا أن الواو في وبعد عاطفة وجواب لأما إن قلنا أن الواو نائبة عنها والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، ويطلق على الملكة وهي ا لكيفية الحاصلة في النفس من ممارسة القواعد، ويطلق على نفس القواعد وهو حقيقة في الإدراك ومجاز مشهور في الآخرين، أو حقيقة عرفية فيهما، وفن الفقه هو النوع المخصوص من العلوم وسيأتي تعريفه، وفي إضافة الفن إلى الفقه إضافة المسمى إلى اسمه، لأن الفقه اسم للفن المخصوص بما سيأتي ومندرج، أي منطو، وأصول الفقه علم على هذا الفن وسيأتي تعريفه أيضا، والمراد باندراج الفقه تحته هو: أن معرفة الفقه متوقفة على معرفة أصول الفقه فلا يتوصل أحد إلى معرفة الففه حتى يكون عارفا بأصول الفقه، ولذا قال صاحب الإيضاح رحمه ا لله تعالى: من لم يتحكم على الأصول قلما تتحصل عنده الفصول، وقال بعضهم: إنما منعهم من الوصول تضييع الأصول، فلما بطلوا تعطلوا، فإن قيل أن أصول الفقه إنما وضع في القرن الثالث وهو زمان تابعي التابعين، فالصدر الأول من الصحابة والتابعين كانوا أفقه ممن بعدهم فأين ذلك التوقف، (قلنا) إن الذي وضع في القرن الثالث إنما هو اصطلاحات الفن، فإنه كان معلوما للصحابة ومن بعدهم، فهم يقدمون الخاص على العام ويريدون المتشابه إلى المحكم وهكذا، وهذه الكيفية هي نفس أصول الفقه فاندف الإشكال، (نعم) وعلى طريقة الصدر الأول من الصحابة والتابعين قد جرى جل سلفنا من أهل عمان، فتراهم يحكمون بالخاص في موضع الخصوص وبالعام في موضع العموم وبالمطلق في موضع الإطلاق وبالمقيد في موضع التقييد، وهكذا من غير أن يذكروا نفس العبارات التي اصطلح عليها أهل الفن وربما ذكرها بعضهم كابن بركة، لكن لما كان الذكاء القوي والفطنة الواقدة للذين توصلوا بهما إلى وضع الأشياء في مواضعها معدومين في أهل زمانا تعذر عليهم الوصول إلى استنباط الأحكام من أدلتها إلا بعد معرفة اصطلاحات الفن وممارسته وقواعده وضبط علله وقوادحه إجمالا وتفصيلا، وقد رغب عن ذلك كثير من أهل زماننا لجهلهم بما فيه من التحقيق وصعوبة ما فيه من التدقيق، فقصارى متفقهم حفظ أقوال الفقهاء وغاية نباهة أحدهم رواية ما قاله النبهاء، لا يدرون غث الأقوال من ثمينها ولا خفيفها من رزينها، قد حسبوا في التقليد المضيق عن فضاء التحقيق وليتهم لما وقعوا هنالك، عرفوا منزلتهم بذلك ولم يدع أحدهم منزلة ابن عباس ويقول: هلموا أيها الناس فإنا لله وإنا إليه راجعون ذهب العلم وأهلوه وبقي الجهل وبنوه.
لأنه قواعد منضبطة ... بها معاني أصله مرتبطة.
Page 14
هذا تعليل لقوله مندرج تحت أصول الفقه، (والقواعد) جمع قاعدة وهي قضية كلية منطبقة على جزئيات موضوعها وتسمى تلك الجزئيات فروعا واستخراجها منها تفريعا، كقولنا كل جماع فرق بينهما وبين الضابط أن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعا من باب واحد، وقوله (منضبطة)أي محكمة في نفسها لا يتطرق عليها خلل فلا يخرج عنها شيء من جزئياتها إلا بدليل يخرجه عن حكمها، والضبط في اللغة هو الحفظ بحزم، (وقوله بها معاني إلخ) أي مرتبطة معاني أصل الفقه بهذه القواعد التي هي أصول الفقه فيها، متعلق بمرتبطة اسم فاعل من ارتبط المطاوع لربط يقال ربطته إذا شددته بالحبل ونحوه فارتبط أي طاوع لذلك، (والمعاني) هي الصور الذهنية من حيث أنه وضع بأزائها، الألفاظ والصور الحاصلة في العقل، فمن حيث أنها تقصد باللفظ سميت معنى، ومن حيث أنها تحصل من اللفظ في العقل سميت مفهوما، ومن حيث أنها مقول في جواب ما هو سميت ماهية، ومن حيث ثبوتها في الخارج سميت حقيقة، ومن حيث امتيازها الأغيار سميت هوية (انتهى) والضمير من أصله عائد إلى فن الفقه، (والأصل) في اللغة عبارة عن عما يفتقر إلى غيره، وفي الشرع عبارة عما ينبني عليه غيره، والمراد به هاهنا الأدلة الشرعية التي يستنبط منها الحكم ويبنى عليها الفقه، فإن معانيها متوقفة على معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الحكم منها فلا يحل لأحد أن يقضي بكل دليل منها على مدلوله حتى يعرف ناسخ الأدلة من منسوخها ومحكمها من متشابهها وخاصها وعامها ومطلقها من مقيدها وهكذا والله أعلم.
ولم أجد في فنه مع شرفه ... نظما يريك دره من صدفه.
Page 15
(فنه) أي نوعه، (وشرفه) فضله، (والنظم) في اللغة جمع اللؤلؤ في السلك، وفي الاصطلاح: تأليف الكلمات والجمل مترتبة، وفي اصطلاح أهل العروض: كلام موزون بوزن مخصوص على جهة مخصوصة، وهو المراد في البيت، (والدر) جمع درة وهي اللؤلؤة العظيمة، (والصدف) غشاؤها استعار الدر لقواعد الأصول، ورشح الاستعارة بذكر الصدف بعد أن استعاره للحالة التي صار بها أصول الفقه في حين الخفاء عن أفهام العوام، (والمعنى) أن هذا النوع من المعلوم وهو أصول الفقه مع فضله لم أجد فيه كلاما موزونا يبرز للناظر قواعده التي هي كالدر في حسنها وصفائها واشتهاء النفوس لها من حيز الخفاء الذي هو كالصدف الحاوي على الدرة فلا ترى إلا بعد كشفه، ولا يخفى أن في كلام الناظم نفي الشيء بإيجابه، فإنه لم يجد في هذا الفن نظما أصلا، لا أنه لم يجد نظما على تلك الهيئة المخصوصة فهو على حد قوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) والمراد نفي السؤال عنهم لا نفي الإلحاف الذي هو الإلحاح، (واعلم) أني بعدما شرعت في نظم هذه المنظومة سمعت بوجود منظومة في الفن فحرصت على تحصيلها، فوردت علي بعد أن انتهى بي النظم إلى ركن الاستدلال فنظرت فيها متأملا فإذا هي جامعة لمعان مفيدة وقواعد عديدة، أخذت من التطويل حظها قد ركب على مضاجع السهولة لفظها، سماها صاحبها: فائقة الفصول في نظم جوهر الأصول، لكن في بعض أبياتها أشياء تمجها الأسماع وتميل عنها الطباع، فأخذت في إتمام هذه المنظومة لخلوها عن تلك الخصلة المذمومة، ولما انفردت به دونها من الاختصار المفيد ولكونها على قواعد المذهب السديد والله أعلم وبه التوفيق.
وطالما قدمت رجلا طالبا ... نظامه ثم فررت هاربا.
ثم كررت بعد ما فررت ... وبمرادي فيه قد ظفرت.
(طال) بمعنى امتد، (وما) زائدة كافة لطال عن طلب الفاعل، وكذا قل وكثر فتقول قلما وكثر ما، ولا يحتاج الكل إلى فاعل، (وقدمت رجلا) تمثيل لحالة القدوم على الشيء، (وطالبا) بمعنى قاصدا، (والنظام) بمعنى النظم، (وفررت) بمعنى أسرعت الرجوع عن ذلك المطلوب لما رأيت من صعوبته مأخوذ من فر الفرس إذا أوسع الجولان للانعطاف، (وهاربا) حال مؤكدة لعاملها على حد (ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، (وكررت) بمعنى رجعت إلى محاولة المطلوب، مأخوذ من كر الفارس إذا انعطف ثم عاد، (وظفرت) أي فزت به، (وحاصل) ما في البيتين أنه مثل حالته في قدومه على هذه النظم بحالة فارس جري الجنان قدم على أمر عظيم فاستعصب القدوم عليه ففر راجعا عنه لما رأى من صعوبته ثم حركته تلك الجراءة، وما تذكر من العواقب المحمودة في الإقدام، فكر بعد فراره فظفر بمطلوبه والكل تمثيل والله أعلم.
Page 16