Sharḥ al-risāla al-nāṣiḥa biʾl-adilla al-wāḍiḥa
شرح الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة
الجزء الأول من شرح الرسالة الناصحة
بسم الله الرحمن الرحيم
[ديباجة الكتاب]
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى([21]).
الحمد لله الذي قهر سلطان الملوك سلطانه، وعلى شأن الجبابرة شأنه، فكل مالك([22]) سواه مملوك، وكل قاهر ما خلاه مقهور، ليس له شبيه في ملكه، ولا نظير في سلطانه، كل غني([23]) سواه فقير إلى ما صار به غنيا، وكل ملك غيره ينقلب عما قليل لا يملك من الأمر شيئا، تمت كلمته، ونفذ أمره، وعظم شأنه، وارتفع ذكره، عم الأحياء بنعمته، واختص ما شاء برحمته، فالكل من بريته كامن([24]) في ظل إحسانه، وراتع في روض إنعامه وامتنانه، فالشكر واجب على الجميع، والناس بين عاص ومطيع.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مقرونة بالإخلاص، مؤدية بالخلاص.
Page 38
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ابتعثه من أعز جرثومة([25])، وأطيب أرومة، وأشرف خؤولة وعمومه، إختصه بالنبوة من بين تلك الأعارب، وأوجب تصديقه وطاعته على أهل المشارق والمغارب، والأباعد من خلقه والأقارب، فصدع -صلى الله عليه وآله وسلم- بالرسالة، وأدى ما حمل من الأمانة([26])، والناس يومئذ مكبون([27]) على حجارة منحوتة، وعيدان منضودة، يعبدونها ويعكفون عليها، لا يعرفون ربا، ولا يدينون دينا، ولا يطلبون دليلا، ولا يهتدون سبيلا، يأكل قويهم ضعيفهم، ويهضم كثيرهم قليلهم، فأنقذهم الله سبحانه به -صلى الله عليه وآله وسلم- من الضلالة، وهداهم بنور علمه من ظلم الجهالة، فجزاه الله عنا وعنهم أفضل ما جزى نبيا عن عترته، ورسولا عن أمته.
وأشهد أن الإمام بعده بلا فصل، أخوه وابن عمه، الفارج الكرب عن وجهه، وأول من قال لاإله إلا الله معه علي بن أبي طالب -عليه سلام الله وصلواته-([28]).
وأشهد أن الإمامة بعده في ولديه النجيبين الطاهرين، الزكيين، العلمين، العالمين، العاملين، الشهيدين الحسن والحسين ابني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وسيدي شباب أهل الجنة، إلا ما جعل الله -سبحانه وتعالى- لابني الخالة([29]).
وأشهد أن أمهما الزكية الأمينة، والجوهرة المكنونة، فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم، وسلام الله عليها وبركاته- سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما جعل الله -سبحانه- لمريم ابنة عمران -عليها السلام-.
وأشهد أن الإمامة بعدهما، فيمن طاب وزكا من ذريتهما، وسار بسيرتهما، وهدى بهديهما، وسلك منهاجهما، وحذا بحذوهما.
Page 39
وأشهد أن الله -تبارك وتعالى- اصطفاهم لذلك من بين البرية،
واختصهم بالكون من تلك المغارس الزكية، فعليهم سلام الله ورضوانه من عترة طاهرة مرضية، ورحم أتباعهم وأشياعهم من جميع البرية، هذا موقع شهادتي، وغاية إرادتي، فمن شهد بما شهدت به كان شريكا في أجر ذلك وفخره، ومن كاع([30]) عن هذه الشهادة كنت عنه نائبا، ولما أعد الله -سبحانه- لمن شهد بها وارثا وطالبا، وكان مخصوصا بعار ترك ذلك ووزره.
[ذكر الدافع له -صلوات الله عليه- إلى إنشاء الأرجوزة]
وبعد ذلك: فقد سألني بعض من يعز عندي مسألتة، وتلزم إجابته،
أن أعمل أرجوزة وجيزة أضمنها أصولا في الدين، وردا على من أنكر فضل عترة محمد خاتم النبيئين -صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين-، من الرفضة المعاندين، وإخوانهم الناصبين، فأجبته إلى ذلك رجاء لما يحصل له فيه من المنفعة، ويدخر لي من الأجر والمثوبة، وجعلتها تذكرة للمنتهي، ووسيلة للمبتديء، ومن الله -سبحانه- أستمد المعونة، وأسأل التوفيق والهداية، وشرحت تلك الأرجوزة شرحا وجيزا إلا فيما لا بد من ذكره، من دليل يحتاج إلى تفصيل، وشرح طويل، فإن ذلك موضع الإقصاء([31])، إلا أني اختصرت الشواهد على غريب لغتها، والإتيان على جميع أدلتها، وقصدت بذلك تخفيف مؤنتها، وتعظيم معونتها، وهي هذه:
[مقدمة الأرجوزة وشرحها]
[1]
الحمد للمهيمن المنان .... جم النوال باسط الإحسان
ذي الطول والعزة والسلطان .... لكل ذي شدق وذي لسان
من غير تقريظ ولا سؤال
(الحمد): هو التعظيم لمن أضيف إليه هذا اللفظ، ولا يجوز إلا لمن استحق ذلك، ولا أحق به ممن ابتدأنا بأصول النعم([32])، ومن هو مختص بصفات الكمال وليس ذلك إلا الله -سبحانه-.
ومعنى الحمد: قريب من معنى الشكر، إلا أن بينهما فرقا من حيث أن الشكر: هو التعظيم مع ذكر النعمة التي شكر عليها.
Page 40
والحمد: لا يفتقر إلى ذلك، فمن عظم غيره ولم يذكر منه نعمة عليه كان حامدا ولم يكن شاكرا.
و(المهيمن): هو الشاهد.
و(المنان): هو المعطي، والعطية: هي المنة، و(المن): هو العطاء بغير تنغيص ولا تكدير.
(الطول): هو إتساع القدرة وتمكن البسطة.
(العزة): هي المنعة، والتعزز: التمنع، والعزيز: هو الممتنع الجانب.
(والسلطان): هو القدرة ها هنا.
(والجم من كل شيء): هو الكثير، (والنوال): هو العطاء، (والبسط): هو التوسيع.
ومعنى الإحسان والإنعام: واحد.
(الشدق): هو شق الفم، قال بعض الصالحين: (إن من شق الأشداق، تكفل بالأرزاق)، (واللسان): هو العضو المخصوص المعروف.
(والتقريظ): -بالظاء معجمة من أعلى-: هو المدح والتعظيم بالقول،.
(والسؤال): هو الطلب، وهذه صفة الباري -سبحانه- مع الخلق، فما
به مخلوق إلا وقد أحسن إليه بغير مدح ولا طلب، فسبحانه من كريم ما أعظم أياديه، ومتفضل ما أسوأ أدب من يعاديه.
[باب إثبات الصانع]
[2]
مركب الأرواح في الأجسام .... مجري الرياح منشئ الغمام
كالبرك من سائمة الأنعام .... من الحنين الجم والارزام
فاعتبري يا أمة الضلال
(الأرواح) ها هنا: جمع روح، والروح: هو النفس المتردد في مخارق الحي عند أهل العلم واللغة، ومنبعه من القلب، وليس للإتساع في ذكره ها هنا وجه، وقد قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (صلوات الله عليه)([33]): (وعلق في صدره قلبا، وركب فيه لبا، وجعله وعاء للعقل الكامل، وحصنا للروح الجائل).
Page 41
[ذكر طرف من كلام الناس في الروح والعقل]
وإذا قد ذكرنا الروح والعقل فلنذكر طرفا من كلام الناس فيهما:
إذ قد وقع بين الناس في أمرهما إختلاف.
[الإختلاف في الروح]
إعلم: أن من الناس من نفى أن يقع العلم لأحد من المكلفين بماهية الروح، وتعلق بظاهر قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا(85)} [الإسراء]، مع قولهم: إن الروح أمر واحد.
وفي الناس من يزعم أن في الإنسان نفوسا وأرواحا، وأن النفوس نامية، وحسية، وشهوانية، وناطقة، وغضبية، وأرواح وقوى، وجواهر بسيطة لا حجم لها ولا كثافة فيها، وكل واحدة لها عمل عندهم، فالنامية تنمي النبات والحيوان، والحسية بها تدرك المدركات، والشهوانية بها تراد المرادات، وبها يطلب الغذاء والمؤانسة والمحافظة، والناطقة بها تحصل العلوم والمعارف، ولا خلاف بين أهل هذه المقالة أن الإنسان إذا مات وذوي الشجر تلاشت هذه النفوس، فلا إعادة فيها أصلا إلا الناطقة فقد وقع بينهم الخلاف فيها : فمنهم : من قال بتلاشيها، ومنهم من قال تبقى لا في شبح ويستحيل عليها الفناء، وهذا القول ينسب إلى قوم من الأوائل، وربما قال به قوم من الباطنية([34])، وإن كانوا لا يثبتون على قول يستمر حكايته عنهم، إلا أنهم يقولون: إن الذي فينا بعض من كل، فإذا تخلصت الأرواح من الأجساد لحقت العوالم من هذه بعالمها وبقيت بقاء لا انقطاع له وصارت ملكا وصورة روحانية، والجواهر تحير ولا تهتدي المسالك، فتبقى تحت الفلك في حيرة، وهذا قريب من قول بعض الفلاسفة في النفوس وإن لم يحصلوا ذلك التحصيل، والكل عندنا باطل بما يأتي إن شاء الله -تعالى- من الدليل على إثبات صانع موصوف بصفات الكمال، عدل حكيم، بعث فينا رسولا، لا يجوز عليه الكذب، أخبرنا بالأمور مفصلة، فوجب علينا القول وترك التكمه([35]) بغير دليل، فحينئذ الكلام في هذه المسألة ينحسم([36]) بالكلام في ذات الباريء وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز في ذاته وأفعاله وأحكام أفعاله، وأن ما يدعون من النفس الكلي والعقل الأول لا أصل له، إذ لا طريق من طرق العلم يوصل إليه.
Page 42
فأما النمو فإنما يقع بزيادة الباريء في الأجسام، وإنما اختص الحيوان والنبات لأنه -سبحانه- أجرى بذلك([37]) وجود الحياة وهي المصححة للشهوة والنفرة، والداعي يشمل الأمرين.
وفي الناس من زعم أن الروح في الإنسان الدم وفي كل حيوان، وجعل الروح غير النفس الناطقة، وهذا يروى عن جالينوس، وعمدته: أن الإنسان يموت بنزف الدم وتفريغه منه.
ومنهم من يزعم أن الروح في قلب الإنسان وهو([38]) حي عالم، وهذا يروى عن النظام([39]).
ومنهم من يزعم أن الروح جسم لطيف مؤلف تأليف الإنسان إلا أنا لا نراه، وهذا القول يروى عن قوم من الإمامية وأصحاب الحديث.
ومنهم من يقول: إنها خلقت قبل هذه الأجساد وعرض عليها التوحيد لقوله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف:172]، إلى خرافات ينسبونها إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لا طريق إلى تصحيحها، ولا ملجئ إلى الكلام فيها.
فأما هذه الآية في قوله تعالى: {ألست بربكم}[الأعراف:172] فظاهرها يقضي بتقدم الأجساد على الأرواح؛ لأن الظهور لا يكون إلا في الأجساد، فإذا أخرجت منها فهي قبلها، والأصل في تشعب هذه المقالات إهمال العقول، وإطراح الدليل، ومخالفة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في أمر هذه الأمة بالرجوع إلى أهل بيت نبيها، الذين شهد لهم بملازمة الكتاب، إلى يوم الحساب، وأخبر أن فيهم العلم والصواب؛ لأن أهل هذه المقالة لايجدون إلى ما يدعون منها دليلا، ولا يهتدون له سبيلا، ولو كان لهم دليل أو شبه([40]) دليل لتكلمنا عليه، فالحمد لله الذي جعلنا لذلك أهلا، وموضعا ومحلا، وكفى بالمذهب فسادا أن لا يقوم عليه دليل.
Page 43
[أقوال العلماء في الروح]
فأما قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} [الإسراء:85]، فللعلماء فيه أقوال كلها توافق أدلة العقول.
منها: أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- لما ادعى النبؤة وأنكرت قريش ذلك فزعوا إلى اليهود لأنهم أهل الكتاب، فقالت لهم اليهود([41]): إسألوه عن ثلاث مسائل: عن أصحاب الكهف([42])، وذي القرنين([43])، وعن الروح ما هو؟
Page 44
فإن أجاب عن الجميع فهو كاذب، وإن كف([44]) عن الجميع فهو كاذب، وإن أجاب عن أصحاب الكهف وذي القرنين وأجمل الجواب عن الروح فهو نبي صادق، فأتوا إليه فسألوه، فأمره الله بما حكى في كتابه، وأمسك عن الروح، فلزمت الحجة لله -تعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- الفريقين من قريش واليهود، ولا يمتنع في الحكمة أن يصرفه عن الجواب فيما يعلم الله لحصول مثل هذا الغرض العظيم، كما منع زكريا عن الكلام آية له وقد كان مقدورا له قبل ذلك.
ومنها: أنهم لما سمعوه يقرأ : {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} [النبأ:38]، قالوا: ما هذا الروح الذي يقوم صفا والملائكة صفا؟!
فأخبرهم أنه خلق من خلق الله عظيم، فاستعظموا ذلك، فأمره الله -تعالى- أن يجيبهم عن إستعظامهم بقوله : هو {من أمر ربي} [الإسراء:85]، أي من خلق ربي، لأن الأمر قد يعبر به عن الخلق يقول: هذا أمر عظيم، كما يقول: هذا خلق عظيم، يقول: ربي قادر لذاته، فلا يمتنع عليه ما يشاء فلا تستعظموه، فليس على قدرته عظيم.
ومنها: أنهم لما سمعوا قوله تعالى: {نزل به الروح الأمين(193)} [الشعراء]، قالوا: من هذا الروح؟! وما صفته؟!
فأمره الله أن يجيبهم بقوله: {قل الروح من أمر ربي}[الإسراء:85].
ومنها: أنه لما سمى الله القرآن روحا بقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا}[الشورى:52]، سألوه عنه، وأمره الله -تعالى- بإضافته إليه، وأنه لم يأت به من تلقاء نفسه.
Page 45
وقد رأيت لبعض آبائنا صلوات الله عليهم أقوالا تدل على تبقية الجواب فيه على الإجمال في هذه الآية إتباعا للظاهر، فإذا سئلوا عن تفصيله أجابوا بما قلناه أولا كما حكيناه عن الهادي -عليه السلام-.
ولا فرق عند أهل الشريعة بين الروح والنفوس، وطريقهم إلى العلم بذلك السمع من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم}[الأنعام:93]، أجمعوا أن المراد بذلك أرواحهم، وإن كان لفظ النفس يخرج على معان([45]) كثيرة لا يحتمل هذا المختصر الكلام فيها.
Page 46
والروح في الشريعة ورد أيضا في المعاني([46]) التي قدمنا ذكرها إلا أنه إذا أضيف إلى الإنسان لم يفد إلا ما ذكرنا.
فأما من طريق العقل: فقد تقرر في العقول أن الحي بحياة لا يكون حيا إلا لمعنى يحله وأن ذلك المعنى لا بد له من شروط ولوازم: منها: ما هو ثابت بمجرى العادة من القديم سبحانه، ومنها: ما يجب حصوله ولا بد منه من جهة العقل، وموضع تفصيل الكلام في هذا كتب الكلام البسيطة فلا وجه لذكره ها هنا.
Page 47