Sharḥ Nahj al-Balāgha
شرح نهج البلاغة
Editor
محمد عبد الكريم النمري
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1418 AH
Publisher Location
بيروت
وبإزاء هذه الرواية الفذة كل الروايات التي تتضمن خلافها ، ومن تصفح الأخبار علم أنها غير متكافئة على ما ظن صاحب المغني ؛ وكيف يجوز خروجه عن اختيار ! وإنما أشخص من الشام على الوجه الذي أشخص عليه : من خشونة المركب ، وقبح السير به للموجدة عليه . ثم لما قدم منع الناس من كلامه ، وأغلظ له في القول ؛ وكل هذا لا يشبه أن يكون خروجه إلى الربذة باختياره . وكيف يظن عاقل أن أبا ذر يختار الربذة منزلا مع جدبها وقحطها وبعدها عن الخيرات ؛ ولم تكن بمنزل مثله ! فأما قوله : إنه أشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه من حيث كان يغلظ لهم القول ، فليس بشيء ؛ لأنه لم يكن في أهل المدينة إلا من كان راضيا بقوله ، عاتبا بمثل عتبه ، إلا أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه ، ومخف ما عنده ؛ وما في أهل المدينة إلا من رثى لأبي ذر مما حدث عليه ، ومن استفظعه ، ومن رجع إلى كتب السيرة عرف ما ذكرناه .
فأما قوله : إن عمر أخرج من المدينة نصر بن حجاج ، فيا بعد ما بين الأمرين ! وما كنا نظن أن أحدا يسوي بين أبي ذر وهو وجه الصحابة وعينهم ، ومن أجمع المسلمون على توقيره وتعظيمه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدحه في صدق اللهجة بما لم يمدح به أحدا ، وبين نصر بن الحجاج الحدث الذي كان خاف عمر من افتتان النساء بشبابه ، ولاحظ له في فضل ولا دين ! على أن عمر قد ذم بإخراجه نصر بن الحجاج من غير ذنب كان منه ، فإذا كان من أخرج نصر بن حجاج مذموما ، فكيف من أخرج أبا ذر ! فأما قوله : إن الله تعالى والرسول قد ندبا إلى خفض الجناح ، ولين القول للمؤمن والكافر ، فهو كما قال ؛ إلا أن هذا أدب كان ينبغي أن يتأدب به عثمان في أبي ذر ، ولا يقابله بالتكذيب ، وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقه ؛ ولا يسمعه مكروه الكلام ، فإنما نصح له ، وأهدى إليه عيوبه ، وعاتبه على ما لو نزع عنه لكان خيرا له في الدنيا والآخرة .
الطعن العاشر : تعطيله الحد الواجب على عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، فإنه قتل الهرمزان مسلما فلم يقده به ، وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يطلبه لذلك .
قال قاضي القضاة في الجواب عن ذلك : إن شيخنا أبا علي رحمه الله تعالى قال : إنه لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه ، والإمام ولي من لا ولي له ، وللولي أن يعفو كما له أن يقتل ، وقد روي أنه سأل المسلمين أن يعفوا عنه ، فأجابوا عنه إلى ذلك .
قال : وإنما أراد عثمان بالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين ، لأنه خاف أن يبلغ العدو قتله ، فيقال : قتلوا إمامهم وقتلوا ولده ولا يعرفون الحال في ذلك فيكون فيه شماتة ، وقد قال الشيخ أبو الحسين الخياط : إن عامة المهاجرين أجمعوا على أنه لا يقاد بالهرمزان ، وقالوا لعثمان : هذا دم سفك في غير ولايتك ، وليس له ولي يطلب به ، وأمره إلى الإمام ، فاقبل منه الدية ، فذلك صلاح للمسلمين . قال : ولم يثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يطلبه ليقتله بالهرمزان ، لأنه لا يجوز قتل من عفا عنه ولي المقتول ، وإنما كان يطلبه ليضع من قدره ، ويصغر من شأنه .
Page 37