المعنى: أشد عداوة لك رجل وثقت به، فخذ حذرك من الناس، واصحبهم بالخديعة، والمكر، ولا تركن إلى أحد ممن وثقت، أو ظننت أنه صديقك، إنه أشد عداوة لك من كل عدو، وروى الشارح بسنده عن المزي إلى النبي ﷺ أنه كان يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشْرَهُ ولا خُلُقَه. وعن ربيعة بن ماجد: قيل لمعاوية بن أبي سفيان: ما بلغ من عقلك؟ قال: ما وَثِقْتُ بأحدٍ قطّ. ولله در القائل (١): (من السريع)
من أحسن الظن بأعدائه ... تجرع الهم بلا كاس
وكان ينبغي لهذا الناظم أن يقول بأحبابه بدل بأعدائه، يقال: كان رجل في عهد كسرى يقول: مَنْ يشتري ثلاث كلمات بألف دينار، فكل من سمعه سخر به إلى أنْ اتّصل بكسرى، فقال: ما هنّ، فقال: ليس في الناس كلهم خير، قال: صدقت، قال: ثم ماذا، قال: ولا بدّ منهم، قال: صدقت، ثم ماذا، قال: فألبسهم على قدر ذلك، قال كسرى: قد استوجبت المال فخذه.
قال أبو العلاء المعري (٢): (من البسيط)
جَرّبْتُ دَهْري وأهلِيه فما تَرَكتْ ... ليَ التّجارِبُ في وُدّ امرِئٍ غَرَضا
وقال أيضا (٣): (من الوافر)
فظُنّ بسائِرِ الإخْوانِ شَرًّا ... ولا تأمَنْ على سِرٍّ فُؤادا
فلو خَبَرَتْهُمُ الجَوزاءُ خُبْري ... لَما طَلَعَتْ مَخافَةَ أن تُكادا