Sharḥ kitāb sībawayh

شرح كتاب سيبويه

Editor

أحمد حسن مهدلي، علي سيد علي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

٢٠٠٨ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

شرح كتاب سيبويه
تأليف
أبي سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى سنة ٣٦٨ هـ
تحقيق
أحمد حسن مهدلي
علي سيد علي
[المجلد الأول]
دار الكتب العلمية

Unknown page

المقدمة
لقد مدح أبو عثمان الجاحظ أنواع العلوم، ومنها علم النحو، حيث سئل عنه، فقال:
" يبسط من العي اللسان، ويجزي من حصر البيان، وبه يسلم من هجنة اللحن وتخريف القول، وهو آلة لصواب المنطق، وتسديد لكلام العرب (١).
ومن هنا كانت المكانة الرفيعة التي حظي بها كتاب سيبويه، أو (أبو النحو العربي) كما يطلقون عليه، الذي يعتبر تصنيفه (الكتاب) أشهر كتاب في النحو، فكان جديرا بالتربع- دون منازع- على قمة علم النحو، إذ أن مكانة سيبويه وأهميته ترجع إلى أنه أول من سجل قواعد النحو العربي، وأرسى أسس معالمه واتجاهاته.
وقد اقتضت الأمانة العلمية أن نذكر فضل المستشرق الفرنسي (هرتويج دبرنبورج) على كتاب سيبويه، حيث نشره في العام ١٨٨١، أي قبل أن تظهر طبعة بولاق بمصر بعشرين عاما، وذلك في ألف صفحة مع مقدمة وحواش في مجلدين، مع ترجمته إلى الفرنسية (٢).
ومن هذه المكانة الرفيعة التي اعتلاها (الكتاب) استمد (شرح أبي سعيد السيرافي) شهرته وتفرده بالصيت دون سائر الشروح التي تعرضت للكتاب؛ لأنه أقدم شرح وصل إلى أيدينا، فكان محور اهتمام الباحثين والدارسين في الشرق والغرب على السواء.
ولعل المستشرق الألماني (يان) من أسبق الذين نشروا مقتطفات من (شرح السيرافي)، عند ما نقل كتاب سيبويه إلى اللغة الألمانية ..
وهي ذات المقتطفات التي استعانت بها مطبعة بولاق بمصر عند ما نشرت كتاب

(١) كتاب الحكم والأمثال، لأبي أحمد العسكري.
(٢) مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، د. الطناحي.

1 / 3

سيبويه، فكانت- بحق- إشراقة فجر التعريف ب (السيرافي) في البيئة العربية اللغوية، حيث اطلع القراء على بعض من شروحه للكتاب عند ما تداولته الأيدي من مطبعة بولاق.
ومع هذه المبادرة المبكرة التي كنا نأمل أن تكون فاتحة للمزيد، إلا أن (شرح السيرافي) لم يحظ بوضوح النهار الذي بدأ فجره الألماني (يان) فاستمرت النسخ المخطوطة لشرح السيرافي حبيسة الأسر والظلمات عشرات السنين، إلى أن تنبهت إليه الأوساط البحثية في الثلث الأخير من القرن العشرين.!!
إلى أن شاءت المقادير أن نتعرض- مرة أخرى- بعد هذه الصحوة المتأخرة، لنعيد قراءة (شرح السيرافي) ندلو بدلونا في هذا المضمار مسترشدين بمحاولات من سبقونا، آملين أن نضيف بعضا مما نراه يسهم في اقتراب النص إلى الكمال، ولله الكمال وحده، وهي غاية البحث والتحقيق أن يصلا بالنص إلى الصورة التامة التي قصدها المؤلف.
السيرافي:
ترجمت له كتب التراجم والطبقات، ولكن أقدم هذه التراجم، ما ورد في كتاب (الفهرست) لابن النديم الذي ألفه عام ٣٧٧ هـ، حيث يقول:
" قال الشيخ أبو أحمد، أمده الله: أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان، وأصله من فارس، مولده ب (سيراف)، وفيها ابتدأ بطلب العلم، وخرج عنها قبل العشرين من عمره، ومضى إلى عمان وتفقه بها، ثم عاد إلى سيراف، ومضى إلى العسكر فأقام بها مدة ولقي محمد بن عمر الصيمري المتكلم، وكان يقدّمه ويفضله على جميع أصحابه، وكان فقيها على مذاهب العلماء العراقيين، وخلف القاضي أبا محمد بن معروف على قضاء الجانب الشرقي، وكان أستاذه في النحو، ثم الجانبين، وكان الكرخي الفقيه يقدمه ويفضله، وعقد له حلقة يفتي فيها، ومولده قبل التسعين، وتوفي في رجب لليلتين خلتا من سنة ثمان وستين وثلاث مائة " (١).
وكتب التراجم والطبقات- على رحابتها- التي ذكرت السيرافي قد تراوحت بين أمرين من حياة الرجل:

(١) كتاب الفهرست، لابن النديم، طبعة فليجل.

1 / 4

فمنها ما اهتم بذكر المصنفات والمؤلفات، كما هو مستفاد من كتاب (ابن النديم) الفهرست، ومنها ما اهتم بذكر حياته الإنسانية والعلمية، كما أخبرنا (البغدادي) المتوفى (٤٦٤ هـ) في كتابه: تاريخ بغداد.
ثم أن ما تلا هذين المصنفين من كتب التراجم والطبقات، قد اقتفى آثارهما واعتمد عليهما في ثبت المعلومات، عن حياة السيرافي وتاريخه العلمي. نذكر منها:
- كتاب الأنساب للسمعاني (ت ٥٦٢ هـ).
- نزهة الألباء، لابن الأنباري (ت ٥٧٧ هـ).
- إرشاد الأريب، لياقوت الحموي (ت ٦٢٠ هـ).
ويعتبر إرشاد الأريب من أهم المصادر المتأخرة التي اعتنت بحياة السيرافي.
ثم توالت المؤلفات والمصادر التي تعني بتراجم الأعلام، وهي على تواترها- أي المؤلفات والمصادر- لا ترقى إلى مرتبة كتابي: الفهرست، لابن النديم، وتاريخ بغداد، للبغدادي.
السيرافي العالم:
السيرافي، نسبة إلى مكان ميلاده (سيراف) وهي مدينة من مدن بلاد فارس حيث تربطها علاقات تجارية مع بلاد الهند بحكم موقعها الجغرافي، الواقع جنوبا من بلاد فارس.
وقد أتاحت له نشأته أن يتقن الفارسية، لغة قومه وعشيرته، واللغة العربية، التي كانت- إذا صح التعبير- لغة المراسم والدواوين، فضلا عن كونها لسان التخاطب بين سائر الناس من سكان البلاد.
وكان السيرافي قد أتمّ بعضا من معارفه وعلومه اليسيرة في مدينته (سيراف) حيث إنها لم تكن بيئة علمية، وإنما كانت- كما ذكرنا- مركزا للتجارة والمال.
ثم انصرف عن (سيراف) مسقط رأسه قبيل بلوغه عامه العشرين من عمره قاصدا بلاد (عمان) لدراسة علوم الفقه، ثم ارتحل إلى (عسكر مكرم) حيث انتظم في حلقات الصّيمري المعتزلي، المتوفى سنة ٣١٥ هـ، فكان السيرافي نابغة الحلقة وفارسها الذي يشار إليه بالبنان.
ونظرا لأن بغداد- حاضرة حواضر الدنيا- كانت ذاخرة بالمعارف والعلوم

1 / 5

والعلماء، فأحبّ أبو سعيد أن يسبح في موجات معارفها وعلومها، إذ كانت بغداد مطمح العلماء ومقصد المتعلمين وقبلتهم.
فوصل السيرافي إلى بغداد لينهل من روافدها، التي صنعت منه- فيما بعد- لغويّا عالما بأسرار العربية، فذاع صيته حتى أفاء الله عليه بوضع شرحه المستفيض لكتاب الكتب (الكتاب) لإمام النحويين سيبويه، الذي كان محور الدراسات اللغوية وعمدتها في بغداد، ثم طارت شهرة السيرافي وملأت الفضاء على رحابته، فعرف كمدرس وقاض.
ولكنهما- كمهنة- لم يكفياه مؤنة العيش، فقد كان زاهدا لا يعتاش إلا من كدّ يده، فكان يعتمد على مهنة النسخ حيث
ينسخ في اليوم بعض وريقات تكفيه دراهمها المعدودات متطلبات الحياة فحسب، فقد كان يرى- وهو الزاهد- ضرورة التدريس بدون مقابل، كما كان يرفض أجره عن عمله كقاض؛ لأن نشر العدالة، ورد المظالم، وإعادة الحقوق يجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، هكذا كانت حياته وفلسفته ورسالته، ولعلها كانت سمة من سمات السلف؛ لأن التاريخ العربي الإسلامي حافل بالأعلام الذين لم يتقاضوا أجرا مقابل التدريس والقضاء ... !
شيوخه:
- أبو بكر محمد بن السري، المعروف ب (ابن السرّاج).
- أبو بكر محمد بن علي، المعروف ب (مبرمان).
- أبو بكر بن دريد.
- أبو بكر بن مجاهد (عالم القراءات).
- الصيمري المعتزلي.
تلاميذه:
- إبراهيم بن علي إسحاق الفارسي.
- أحمد بن بكر العبدي.
- إسماعيل بن حماد الجوهري. (ت ٣١٣ هـ). صاحب معجم الصحاح.
- أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيدي الأندلسي.
- أبو حيان التوحيدي. (ت ٤١٤ هـ).
- الحسين بن محمد بن جعفر. (ت ٣٨٨ هـ).

1 / 6

- ابن خالويه، اللغوي. (ت ٣٧٠ هـ).
- عبد الله بن الرقاق. (ت ٣٨٧ هـ).
- عبد الواحد بن رزمه.
- عبيد الله بن أحمد العراري. (ت ٣٨٢ هـ).
- علي عبد الله السمعي. (ت ٤١٥ هـ).
- علي بن عبيد بن الرقاق. (ت ٣٤٥ هـ).
- علي بن عيسى الربعي، النحوي. (ت ٤٢٠ هـ).
- علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار. (ت ٣٢٣ هـ).
- محمد بن أحمد بن عمر الحلال.
- محمد بن محمد بن عباد. (ت ٣٣٤ هـ).
- معز الدولة ابن بويه.
مؤلفاته:
١ - شرح شواهد سيبويه.
٢ - كتاب ألفات الوصل والقطع.
٣ - كتاب أخبار النحويين البصريين.
٤ - كتاب الوقف والابتداء.
٥ - كتاب صنعة الشعر والبلاغة.
٦ - الإقناع في النحو.
٧ - شرح مقصورة ابن دريد.
٨ - المدخل إلى سيبويه.

1 / 7

بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو سعيد: قال سيبويه:
هذا باب «علم ما الكلم من العربية»
هذا موضوع كتابه الذي نقله عنه أصحابه، ويسأل في ذلك عن أشياء:
فأولها: أن يقال: إلام أشار سيبويه بقوله: " هذا ". والإشارة بها تقع إلى حاضر؟
فالجواب عن ذلك أنه يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون أشار إلى ما في نفسه من العلم، وذلك حاضر، كما يقول القائل: " قد نفعنا علمك هذا الذي تبثه، وكلامك هذا الذي تتكلم به ". والثاني: أن يكون أشار إلى متوقّع قد عرف وانتظر وقوعه في أقرب الأوقات إليه. فجعله كالكائن الحاضر تقريبا لأمره، كقوله: " هذا الشتاء مقبل ". و" هذا الخليفة قادم "، ومثله قول الله ﷿: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (١).
والثالث: أن يكون وضع كلمة الإشارة غير مشير بها؛ ليشير بها عند الحاجة.
والفراغ من المشار إليه. كقولك: " هذا ما شهد عليه الشهود المسمّون في هذا الكتاب " وإنما وضع ليشهدوا وما شهدوا بعد.
وأما " علم " فمصدر، إما أن يكون مصدر أن تعلم أو أن يعلم، لأن المصادر العاملة عمل الأفعال تقدر بأن الخفيفة والفعل بعدها.
فإذا قدّر " علم " بأن تعلم، كان الكلام على " ما " من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون استفهاما، فإذا كانت كذلك كان لفظها رفعا، لو تبين الإعراب فيه، ويكون ارتفاعه بالابتداء، ويكون " الكلم " خبره، أو يكون " الكلم " الابتداء، و" ما " خبر مقدمة، ويكون موضع الجملة التي هي ابتداء وخبر نصبا، ويكشف هذا المعنى لك أنك لو جعلت مكانها " أيّا " لقلت " هذا باب علم أي شيء الكلم من العربية، فترفع " أيّ " ويكون موضعها مع الكلم نصبا، لأنك أردت: هذا باب أن تعلم.
فإذا لم تكن استفهاما قلت: هذا باب علم مسألتك، وتبين الإعراب فيه؛ لأنه ليس باستفهام يمتنع عمل ما قبله فيه، وإنما لم يعلم ما قبل " أيّ " و" ما " والأسماء التي يستفهم بها فيها، من قبل أن هذه الأسماء المستفهم بها نائبة عن ألف الاستفهام، متضمنة لمعناها،

(١) سورة الرحمن، آية ٤٣.

1 / 9

وليس بجائز أن يعمل ما قبل ألف الاستفهام فيما بعده؛ لأن حرف الاستفهام يقع صدر الكلام، كما تقع " ما " النافية، و" إنّ " المؤكدة، والحروف الداخلة على الجمل لها صدور الكلام.
والوجه الثاني من وجوه " ما " أن تكون بمعنى " الذي " ويكون صلتها هو " الكلم " و" هو " محذوفة، وحذفها جائز، كأنك قلت: هذا باب علم الذي هو الكلم " من العربية "، والدليل على جواز حذفها قول الله تعالى في قراءة بعضهم ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ (١) يريد الذي هو أحسن. وكما قرأ بعضهم: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها (٢) أراد ما هو بعوضة وكما قرأ بعضهم: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٣) أراد أيهم هو. بمعنى: الذي هو. وحكى " الخليل " (٤): " ما أنا بالذي قائل لك شيئا " أراد: بالذي هو قائل لك شيئا.
والوجه الثالث: أن تكون " ما " صلة، ويكون دخولها كخروجها في تغيير إعراب غيرها، إلا أنها تؤكد المعنى الذي تدخل فيه، فيكون اللفظ: هذا باب علم، ما الكلم من العربية.
وإذا كان " علم " مصدر " أن يعلم " كان الكلام فيه كالكلام في " أن تعلم " إلا في موضعين:
أحدهما: موضع " ما " إذا جعلناه منصوبا هناك جعلناه مرفوعا هاهنا.
والوجه الثاني: إذا جعلنا " ما " صلة هناك، فنصبنا الكلم رفعناه هاهنا.
ويجوز إضافة " علم " وترك التنوين منها، و" ما " محتملة لوجوهها الثلاثة، فإذا كانت استفهاما، كان لفظها رفعا على ما قلنا آنفا وموضعها بما بعدها خفضا، وإذا كانت بمعنى " الذي " كانت مخفوضة بالإضافة، وصلتها على ما وصفنا، وإذا كانت صلة كان " الكلم " خفضا، ولفظه: هذا باب علم ما الكلم من العربية.

(١) سورة الأنعام، آية ١٥٤.
(٢) سورة البقرة، آية ٢٦.
(٣) سورة مريم، آية ٦٩.
(٤) الخليل بن أحمد، أبو عبد الرحمن البصري، أخذ عنه سيبويه وهو واضع علم العروض. توفي سنة ١٦٠ هـ، وقيل: ١٧٠ هـ. نزهة الألباء: ٤٥.

1 / 10

وفي صحة إضافة " علم " إلى " ما " - وهي استفهام- نظر؛ لأنه يجوز أن يفرق بين وقوع الخافض على الاستفهام، وبين وقوع الناصب، وذلك أن الناصب قد يعلّق ويبطل عمله؛ ألا ترى أنّا نقول: قد علمت " أزيد في الدار أم عمرو " و" علمت أيهم في الدار "، " وأتيت أيهم في الدار "، ولا نقول: " أنبئت بأيّهم في الدار، وأنبئت أيهم في الدار ".
ويجوز تنوين " الباب "؛ فإذا نوّن جاز في " العلم " الرفع والنصب، فإذا نصبت فعلى التمييز، كأنك لما قلت: " هذا باب " احتمل أن يكون بابا من العلم وغيره، كما أنك إذا قلت: " أخذت عشرين " احتمل أن يكون من الدراهم وغيرها، فإذا ذكرت نوعا مما تحتمله نصبته، كذلك إذا ذكرت نوعا مما يحتمل " الباب " نصبته.
وإذا رفعته ففيه ثلاثة أوجه مرضيّة:
أحدها: أن يكون " هذا " مبتدأ، و" باب " خبره، و" علم " خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت: هذا باب، هذا علم، أو قلت: هذا باب هو علم ما الكلم.
والثاني: أن يكون " باب " خبر " هذا "، ويكون " علم " بدلا منه واقعا موقعه، كأنك قلت: هذا " علم " ما الكلم.
والثالث: أن يكون " باب " و" علم " جميعا خبرين ل " هذا " كما تقول: " هذا حلو حامض " تريد: قد جمع الطعمين، ومثله قول الشاعر:
من يك ذا بت فهذا بتي ... مصيّف مقيّظ مشتى
تخذته من نعجات ست ... سود جعاد من نعاج الدست (١)
ويجوز هذا بابا علم ما الكلم، فيكون " هذا " مبتدأ، وبابا منصوبا على الحال، والخبر علم، و" بابا " في معنى مبوّبا، والعامل في نصبه ما في هذا من التنبيه والإشارة، كقول الشاعر:
أترضى بأنا لم تجف دماؤنا ... وهذا عروسا باليمامة خالد (٢)
وأما " الكلم " فقد يسأل السائل فيقول: لم لم يقل: الكلام، أو الكلمات؟ لجواب أن الكلام يقع على القليل والكثير، والواحد والاثنين والجمع، والكلم: جماعة كلمة، كما

(١) الرجز لرؤبة بن العجاج، انظر ديوانه ١٨٩، والدرر اللوامع ١/ ٧٨؛ ٢/ ٨٤، والهمع ١/ ١٠٨.
(٢) البيت بلا نسبة، انظر تثقيف اللسان ١٠٣.

1 / 11

تقول: خلفة وخلف وخربة وخرب، وإنما أراد سيبويه أن يبين الاسم والفعل والحرف، وهي جمع، فأراد أن يعبر عنها بأشكل الألفاظ بها وأشبهها بحقيقتها، ولم يقل " الكلمات "؛ لأنها جمع مثل الكلم. والكلم أخف منها في اللفظ، فاكتفى بالأخف عن الأثقل، إذ لم يكن في أحدهما مزية على الآخر.
ووجه ثان: أن الكلم اسم ذات الشيء، والكلام اسم الفعل المصرّف من الكلم، كما أن النعل الملبوسة اسم ذات الملبوس، والانتعال والتنعيل والإنعال، وما أشبهه اسم الفعل المصرّف منها، والفعل قبل ما صرّف منها، فكذلك الكلم قبلما يصرّف منها، وأقدمها في الرتبة اسم الذات، فذكره دون اسم الحدث، والمصدر الذي هو فرع، ولو ذكر الكلام، ما كان معيبا، ولكنه اختار الأفصح الأجود لمعناه الذي أراده.
وفي ذكرنا هذا ونحوه، والبحث عنه، مما يدرّب به المتعلم، وينشرح به صدر العالم.
وللسائل أن يسأل فيقول: لم قال: " الكلم من العربية "، والكلم أعمّ من العربية، لأنها تشملها والعجمية، وبعض الشيء أقل من جمعه، والذي يتصل بمن هو المبعّض لا البعض، وهو الكثير الذي يذكر منه القليل؟ قيل له: في ذلك جوابان:
أحدهما: أنه ذكر " الكلم " التي هي شاملة على جميع موضع الكلام، وأراد بعضها، لأنه رائز سائغ ذكر اللفظ العام وإرادة البعض، ثم بيّن البعض المراد، خشية اللبس، فكأنه لما قال: " ما الكلم " وهو مريد لبعضها خشي ألا يفهم المعنى الذي هو مراده، فقال: " من العربية "، تبيينا لما أراد، وتلخيصا لما قص!، لئلا يبقى للسائل مسألة ولا
للطاعن متعلّقا، ومثله قوله ﷿: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ (١) لما كان الرجس يقع على الأوثان وغيرها بين الذي أراد بالنهي من ضروب الرجس.
والوجه الثاني: أن يكون أراد بالكلم الاسم والفعل والحرف الذي جاء لمعنى، وهو ما ضمنه هذا الباب الذي ترجمه به، وهذه الجملة هي اسم وفعل وحرف، هن بعض العربية؛ لأن العربية جملة وتفصيل، وليست هذه الجملة كل العربية، والدليل على ذلك أنه ليس من أحاط علما بحقيقة الاسم والفعل والحرف أحاط علما بالعربية كلها، والدليل

(١) سورة الحج، آية ٣٠.

1 / 12