Sharḥ kifāyat al-mutaḥaffiẓ taḥrīr al-riwāya fī taqrīr al-kifāya

شرح كفاية المتحفظ تحرير الرواية في تقرير الكفاية

Editor

جزء من رسالة دكتوراة في فقه اللغة من كلية دار العلوم بالقاهرة

Publisher

دار العلوم للطباعة والنشر

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م

Publisher Location

الرياض - المملكة العربية السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم
يا من التحفظ بذكره كافٍ عن كفاية المتحفظِ، والتلفظ بشكره إلى بدايته تنتهي نهاية المتلفظ، إذ القصور عن إدراك التخلق به قصارى كل عالمٍ، بشهادةٍ لا نُحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، في محامد سيد العوالم، صل وسلم على سيدنا ومولانا محمدٍ المخصوص بجوامع الكلم في جميع اللغات، المؤيد على سيدنا ومولانا محمدٍ المخصوص بجوامع الكلم في جميع اللغات، المؤيد بالمعجز العظيم، الجامع لإحكام الأحكام والحكم البالغات، وعلى آله وصحابته المستمدين من فيض سحابته، وبعد:
فهذا شرح تقر بتقرير تحريره عيون العيون، وتنشرح بتحرير تقريره صدور الصدور، ويستخرج كامل الغوص من عباب قاموس الرائق، من عقد صحاح جوهره المحكم الفائق، ما فيه غنية الفصيح المهذب في الورود والصدور، استخرت الله تعالى، وضبطت فيه ما يحتاج إليه المتلفظ من ألفاظ المختصر الموسوم بـ «كفاية المتحفظ»، بعد ما سألنيه جماعة من الأصحاب الجهابذة، الذين تكررت قراءتهم إياه كغيره عليّ، وطائفة من الشيوخ الأساتذة الذين كانوا يستندون في أمثاله من العلوم اللسانية إليّ، فلم يمكني إلا جبر خواطرهم بالمقابلة بالامتثال، والمساعفة بالمبادرة إلى جمع ما راموه من تقييد ما هو كالشرح لذلك الكتاب العزيز المثال، فجمعت لهم ما تاقت إليه أنفسهم

1 / 33

الأبية من تلك التحارير، وأضفت إليها من اللطائف الأدبية ما تتحلى بقلائد طرفه نحور النحارير، سائلًا من بحر كرم الله السائل، وفضله المبذول لكل قاصد وسائل، المأمول لتحصيل المقاصد وتوصيل الوسائل، أن يجعله من الذخائر المرجو نفعها في الدنيا والآخرة، والأعمال التي لا تنقطع بصيرورة الأجسام العظام عظامًا نخرة، وأن يعم بالنفع السائل والمسؤول، ويبلغ الجميع منا [غاية] السول، وأن يرزقنا الإخلاص فيه، وفي غيره من الأعمال، ويبلغنا بمحض فضله وكرمه جميع الآمال.
ولما اتسقت في سمط المصنفات الغريبة جواهره، وتألفت في أفق المؤلفات العجيبة زواهره، وتألقت في رياض التحقيقات أزاهره، خدمت به خزانة المولى، التي خلقت للرغبة في أنواع العلوم ذاته، وجعلت، في تحصيل عوارف المعارف طيباته ولذاته، وتوجهت همته الوجيهة إلى إدراك كل غريب، وفاق بين أرباب المناصب الشرعية في ذلك كل غريب، مولى الموالي، باتفاق الموالي والموالي، أقضى قضاة الزمان، وأجمعهم للمناقب، التي انتظمت له انتظام النجم الثاقب، فضلًا عن عقود الجمان:
علم إلى حلم إلى كرمٍ إلى ... عرفان أرباب المعارف والألى
وشريف أخلاق وأعراقٍ وأعـ ... ـلاق تجل عن العلا وعن العلا
ومناصب شرعية موروثة ... مبثوثة في الفرع عن أصل علا
ودقائق وحقائقٍ لا تنتهي ... غاياتها في كل تحقيقٍ إلى

1 / 34

فوحدة الوجود، ووجود الوحدة من دقائقه، ووجدان الجود، وجود الجود من دقائقه، فلا يقف عن بغية المعارف، التي يقف دونه فيها كل واقف عارف، فالانتساب إليه من جميع العوارض عاصم، لأنه أعظم المعاقل وأعصم المعاصم، والانسياب إلى حوزه سدته العلية، التي هي صون عن وصم الواصم، أغنى ما يدخره المنساب إلى سدة، وأعنى ما يعده الأنجاب إلى عدة أو عدة، لأنه يغنى عن العواظم والعواصم، مولانا العلم المفرد «جلبى زاده أفندي اسماعيل عاصم»:
أدام الله رفعته وأبقى ... علاها في علو وارتقاء
وأسمى قدره في كل أرضٍ ... سمو البدر في أفق السماء
ولا زال ملحوظًا بعين العناية، محفوظًا بواقية الوقاية:
من قال آمين أبقى الله مهجته ... لأن هذا دعاءٌ يشمل البشرا
كيف لا، وهو الذي عمت نعمه السوابغ ما بين الروم والحجاز، وبلغت آيات كرمه دلائل الإعجاز، وعجزت عن إدراك كمالاته الحقيقة والمجاز، فهو الجدير بأن تهدى تحف العلوم إليه، وتقصر الآمال العلمية عليه، ولعله يتلقاها بالقبول والإقبال فيحصل الحبر من ذلك الجبر لكسير البال، والله المسؤول أن يجعل إشاعته في ميزانه الراجح، وإذاعة النفع به في الأقطار من سعيه الناجح، بمنه وكرمه آمين:
آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ ... حتى أضيف إليها ألف آمينا

1 / 35

[شرح مقدمة كفاية المتحفظ]
وقد ابتدأ المصنف - رحمه الله تعالى - كغيره من المصنفين تبركًا بالتسمية، وتيمنًا بالبسملة السمية، فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) اقتداء بكتاب الله تعالى المجمع على ابتدائه بالتسمية، وإن وقع الخلاف بين الأئمة في كونها آية من الفاتحة، كما هو رأي الشافعي - رحمه الله تعالى - أم لا، كما هو رأي باقي الأئمة ﵃ وعملًا بما رواه الخطيب في الجامع وغيره من قوله ﷺ: «كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر». وقد اشتهر الكلام على البسملة ومباحثها في أول كل مصنف، ومبادئ كل مؤلف، فأغنانا ذلك عن تتبعها واستقراء ما يتعلق بها، إذ ليست مقصودنا في هذا المؤلف، وقد استوعبنا غالب ما يتعلق بها من المطالب، وأحطنا بما تقر به من ذلك عين الطالب في كتابنا الموسوم بـ «سمط الفرائد فيما يتعلق بالبسملة والصلاة من الفوائد»، فمن رام التوسعة في ذلك فليراجعه هنالك.
ويوجد في بعض النسخ الصحيحة، (يقول العبد الفقيد إلى الله تعالى ابراهيم بن اسماعيل الأطرابلسي المعروف بابن الأجدابي عفا الله عنه)،

1 / 36

أقول - مستمدًا من واهب العقول، - يقول مضارع قال الواوي، ومصدره القول، وهوموضوع لتحكى به الجمل أو ما في معناها كما في كتب العربية، والمحكي هنا قوله بعد الحمد لله رب العالمين ... الخ: «الكتاب».
و«العبد»: الإنسان، حرًا كان أو مملوكًا كما في القاموس وغيره، وله اثنان وعشرون جمعًا، مجموعة في قول ابن مالك:
عباد عبيد جمع عبدٍ، وأعبد ... أعابد معبوداء معبدة عبد
كذلك عبدان وعبدان أثبتا ... كذاك العبدى وامدد إن شئت أن تمد
وقول السيوطي:
وقد زيد أعباد عبود عبدة ... وخففت بفتح، والعبدان إن تشد
وأعبدة عبدون ثمت بعدها ... عبيدون معبودا بقصرٍ فخذ تسد
وقول شيخنا أبي محمد الفارسي:
وما ندسًا وازى، كذاك معابدٌ ... بذين تفي عشرين واثنين إن تعد

1 / 37

ويقال له «العبد» بزيادة اللام أيضًا، وقدمه لأنه أشرف أوصاف الإنسان عند الله تعالى، ولذلك قال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾، ﴿واذكر عبدنا﴾ و﴿نعم العبد﴾ وغير ذلك، وقال:
لا تدعني إلا بـ «يا عبدها» ... فإنه أشرف أسمائي
نسأل الله تعالى أن يحققنا بوصف العبودية له، ويجعلنا من المتسربلين بجلابيبها بجاه محمد وآله. و«الفقير»، المحتاج المضطر غاية الاضطرار، والفقر بالفتح والضم، والافتقار: الحاجة وعدم الغنى، وقد اختلفوا في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال حققتها في شرح نظم الفصيح وشرح القاموس وغيره. والفعل منه افتقر، وفقر كفرح وكرم، ومن هذا الثلاثي بناء قولهم: ما أفقره، وهو أفقر من زيد، لا من افتقر كما توهمه جمع من النحويين، وزعموا أنه شاذ، وقد بسطته في حواشي التوضيح، وشرح الكافية الكبرى، وشرح نظم الفصيح وغيرها بما لا مزيد عليه.
ووصف العبد بالفقر إظهارًا لكمال العبودية والاحتياج إلى الله تعالى، واستشعارًا لقوله تعالى: ﴿يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. وابراهيم اسمه، وهو بدل من العبد، وذكر اسمه أولًا للتحريض

1 / 38

على الاعتناء بكتابه، والاشتغال به، لأن العلوم النقلية المحضة، ومنها علوم اللغة تتوقف على معرفة الناقل، والإحاطة بأحواله، وكونه ثقة وهو إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الله الأطرابلسي، المعروف كما قال: بابن الأجدابي، كأنه نسبه إلى «أجدابية» بالفتح، وهي قرية عظيمة من بلاد أفريقية، قريبة إلى برقة، بينها وبين أطرابس نحو خمس عشرة مرحلة، وفيها آثار الأبنية العظيمة، والقصور الجسيمة، ورأيت من ضبطه في نسب المصنف بالذال المعجمة، وما إخاله إلا تصحيفًا، وكنيته أبو إسحق، وكان من صدور المائة السابعة وأئمتها الأعلام، أثنى عليه المجد اللغوي في بعض تصانيفه، وذكره الجلال السيوطي في البغية، ووصفه بالجلالة في العربية، واعتنى بهذا المختصر جمع من الأئمة المقتدى بهم واعتمدوه، وأكثر من النقل عنه الحافظ الثقة أحمد الفيومي في كتابه «المصباح المنير»، والإمام كمال الدين الدميري في «حياة الحيوان»، وغيرهما، وعدلوه بالمصنفات الكبار، كالصحاح والتهذيب والمجمل ونحوها، وربما اختار كلامه في المصباح عليهم أحيانًا، واعتنى بخدمته الإمام الأديب البارع قاضي الحرم، جمال الدين محمد بن أحمد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد الطبري، فنظمه في نحو ألف وثلاثمائة بيت نظمًا حلوا، على ارتكاب أوهام، وبعد أفهام. ومدحه

1 / 39

الفقيه الأديب العلامة جمال الدين علي بن صالح العدوي، فأجاد حيث قال:
من كان يطلب في الغريب وسيلةً ... من شاعرٍ أو كاتب متلفظ
أو كان يبغي في الكلام بلاغةٌ ... فليحفظن كفاية المتحفظ
وشهرته بين أهل الفن كافية، وإن كانت فيه مواضع تفتقر إلى ضبط، وكذلك تشكل مطالعته على غير المهرة بالفن، وقوله: عفا الله عنه، أي تجاوز عنه، وصفح عن سيئاته، جملة دعائية، اختارها اتهامًا للنفس، وتحذيرًا من دسائسها التي تسري إليها بالتأليف، كأنه عد تأليفه لهذا الكتاب مما يسأل لأجله العفو والصفح، حتى لا يحصل للنفس بالتصدي لذلك نوع افتخار واستكبار، والله أعلم.
ثم ثنى بالحمدلة، جمعًا بين الروايتين، واغتنامًا للبركتين، فقال: (الحمد لله رب العالمين) مؤثرًا للجملة الاسمية على الفعلية، ليوافق ابتداء الكتاب العزيز، الذي هو أفصح الكلام وأبلغه، ولذلك ختمه بـ «رب العالمين» حتى تتم الموافقة، وتكمل البركة، ولما في الجملة الاسمية من الدلالة على الثبوت والدوام، وقدم لفظ الحمد باعتبار أن المقام يقتضي أهمية تقديمه، وإن كان لفظ الجلالة أهم في نفسه كما ذهب إليه الزمخشري ومن وافقه من المحققين والحمد لغةً: الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا، والفرق بينه وبين الشكر، وكذلك النسب الستة التي بينهما مما اشتهر بين الطلاب، وحشي به أوائل كل كتاب، فلا حاجة

1 / 40

إلى التطويل والإسهاب. والفعل منه: حمد، بالكسر. يحمد كسمع، حمدًا، ومحمدًا ومحمدًا [ومحمدة] ومحمدةً. وأحمد: صار أمره إلى الحمد، أو فعل ما يحمد عليه، قاله في القاموس، وقد أوردته وأشبعت الكلام عليه في شرح نظم الفصيح. د
و«الله»: علم على ذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، دال عليه تعالى دلالة جامعة لمعاني أسمائه الحسنى كلها، ما علم منها وما لم يعلم، ولذلك يقال في كل اسم من أسمائه الكريمة: هو من أسماء الله ولا ينعكس، وقد أوضحت الفرق بينه وبين الإله في «شرح نظم الفصيح»، وصححت الفرق بينهما لفظًا ومعنى، ونقلت كلام ابن مالك في شرح التسهيل، وكلام شارح اللب، على صحة التفرقة، ورددت ما أجمله الشمني في حواشي المغني من الميل إلى موافقتهما، بما لا يزيد عليه، وأشرت هنالك إلى الخلاف في كونه مشتقًا، كما هو مذهب علماء الأدب والاشتقاق، أو غير مشتق كما هو الأصح من مذهب الجمهور، وعلى القول باشتقاقه، هل مشتق من أله، أو من وله، أو من لاه يلوه، أو من لاه يليه، أو من غير ذلك من الأقوال التي استقصيتها في «سمط الفرائد»، وأوردت في اشتقاقه نيفًا وثلاثين قولًا، وبينت أن اقتصار المجد الشيرازي في «المباسيط» على عشرين قولًا قصور، وأن تبجحه بذلك في القاموس وغيره من كتبه غير

1 / 41

جارٍ على قوانين المتبجح باستقصاء غرائب الأمور، وصححت أنه علم غير مشتق كما هو قول أكثر أئمة المحققين من الأصوليين والفقهاء. والله أعلم.
و«الرب»: في الأصل معناه التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وصف به للمبالغة كالعدل، وهو نعت من ربه يربه فهو رب، كما قالوا نمة ينمه فهو نم، ثم سمي به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويريبه، كما أشار إليه الزمخشري والبيضاوي والتفتازاني وغيرهم. قالوا: ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدًا نحو: ﴿ارجع إلى ربك﴾. ويطلق الرب بمعنى الملك، والسيد، والمبعود، والمالك، والخالق، والمربي، والقائم بالأمور، والمصلح لما يفسد منها، ومستحق الشيء، وصاحبه، قاله ابن عطية في تفسيره، وذكر مثله عياض، وابن الأثير وغيرهم. قال ابن عطية: وهذه الإطلاقات قد تتداخل، فالرب على الإطلاق هو رب الأرباب على كل جهة، وهو الله تعالى. ووقع في القاموس: الرب باللام لا يطلق لغير الله ﷿، وقد يخفف. قلت: التخفيف، مع انفراده به لا يدرى مرجعه، وقد ناقشته في حواشيه، وأشرت له في شرح نظم الفصيح وغيره، ولجواز إطلاق الرب على هذه المعاني كلها، وصحة معناها في وصف الله تعالى، حسن إيثار وصف الجلالة به دون المالك ونحوه، كما نبه عليه

1 / 42