Sharḥ jālīnūs li-kitāb abiqrāṭ al-musammā ifīdhīmiyā
شرح جالينوس ل كتاب أبقراط المسمى افيذيميا
[book 1]
[chapter 1]
شرح جالينوس للمقالة الثانية من كتاب أبقراط المسمى إفيذيميا
المقالة الأولى
المقالة الأولى من تفسير جالينوس للمقالة الثانية من كتاب أبقراط المسمى إفيذيميا. ترجمة حنين بن إسحق.
قال أبقراط: الجمر الصيفي الذي كان بقرانون: جاءت أمطار جود مع حر الصيف كله وكان أكثر ما يكون مع الجنوب ويصير تحت الجلد صديد فإذا احتقن سخن وولد حكة ثم كانت تخرج فيه نفاخات شبيهة بحرق النار وكان يخيل إليهم أن ما دون الجلد يحترق احتراقا.
قال جالينوس: إن أبقراط وصف في المقالة الأولى أمر ثلاث حالات من حالات الهواء حدثت عنها أمراض ووصف في المقالة الثالثة من هذا الكتاب بعينه أمر حال واحدة وبائية. فقدم أولا في وصف تلك الحالات كلها صفة تغير الهواء المحيط بالأبدان وخروجه عن طبيعته ثم أتبع ذلك بصفة طبائع الأمراض التي حدثت لكثير من الناس عن تلك الحالات.
Page 76
ولم يفعل ذلك في هذه المقالة على هذا المثال لكنه ذكر أولا المرض الذي حدث ثم ذكر الوقت الذي حدث فيه من أوقات السنة ثم ذكر البلد الذي حدث فيه ثم ذكر مزاج ذلك الوقت والخلط الذي تولد في أبدان الناس عن ذلك المزاج ثم وصف طريق فعل ذلك الخلط الذي به حدث السبب المولد للجمر ثم ذكر العرض الذي تقدم ذلك والعرض الذي كان معه في تلك الحال والعرض الذي حدث فيه بعد تزيده والعرض الذي حدث فيه عند بلوغه منتهاه.
والسبب في تقديمه ذكر المرض على خلاف عادته ثم ثنى به فذكر حال الهواء قصده للإيجاز فقد نجد الواضع لهذه المقالة أبقراط نفسه كان أو ثاسالوس ابنه حريصا على الإيجاز. ولا فرق عندي فيما نحن بسبيله بين أن يقال إن هذا الكتاب لأبقراط وبين أن يقال إنه لثاسالوس.
وأنا ملخص هذه الأشياء التي ذكرتها مجملا فأقول إن فاتحة هذه المقالة كأنه جعلها شبيهة بما تقدم من الرسم قبل الشيء الذي يقصد لصفته كأنه قال: «إن الجمر الذي حدث في الصيف بمدينة قرانون» ثم تقطع إذا قرأت هذا وتبتدئ من الرأس وتقرأ: «جاءت أمطار جود» حتى تفهم في هذا الكلام الأول من عندك أنه كان على هذه الجهة كأنه قال: «إن الجمر الصيفي الذي كان بقرانون كان على هذه الجهة: جاءت أمطار جود مع حر الصيف كله وكان أكثر ما يكون تلك الأمطار مع الجنوب».
Page 78
«والجمرة» هي قرحة تكون من تلقاء نفسها وعليها خشكريشة في أكثر الأمر سوداء وربما كانت بلون الرماد. ويكون معها في المواضع التي تحيط بها حرارة شديدة حتى يحس من يلمسها منها بحرارة كثيرة فضلا عن أن يحسها صاحب القرحة. والمواضع أيضا التي حول الخشكريشة ليست بصادقة الحمرة كما يكون في الورم الحار الذي يسمى «فلغموني» لكنه يكون مائلا إلى السواد والصلابة أيضا فيه أزيد كثيرا.
وعلى هذه الصفة رأينا نحن الجمر الذي حدث بكثير من الناس بمدينة برغامس ورآه غيرنا في سائر مدن آسيا كلها إلا الخطاء كالذي خبرنا به من رآه. ولهذا منذ كان أربعون سنة لم ير فيها حدوث عام آخر شبيه بذلك من هذا الجمر. وكان ذلك الجمر الذي كان بعقب حال من الهواء جنوبية رطبة مع سكون من الرياح. وهذه هي جملة صفة الحال التي وصفها أبقراط أيضا فإنه قال: «إنه جاءت أمطار جود مع حر الصيف كله».
Page 80
وحدوث المطر «في الصيف كله» خارج عن المجرى الطبيعي ولا سيما إذا كان المطر «جودا». فإن ذلك لو كان في الشتاء لجعل مزاجه مزاجا رديئا فإن كان مع ذلك حرا أعني ألا تهب رياح قوية فإن الحر لا يكون في الصيف إلا بهذا السبب فإن الآفة تكون أعظم. وذلك أمر قد كان عرض بقرانون فإنه قد كانت الرياح في ذلك الوقت وإن هبت في الأحايين فإنها إنما كانت تكون «جنوبية». وهذه الريح من أعون الرياح على إرخاء قوة البدن كما وصف أبقراط في كتاب الفصول وعلى أن تحدث أمراض العفونة. وقرانون أيضا هي مدينة من بلاد ثساليا من قبل أنها في وهدة وهي أيضا مع ذلك في ناحية الجنوب توافق ما كانت عليه تلك الحال من الإفراط.
ولذلك وقت تلك الحال من أوقات السنة الذي دل عليه بقول «الجمر الصيفي» يعني الجمر الذي كان حدث في الصيف على أن قوما فهموا من قوله هذا لا أنه كان في ذلك الوقت بل أنه يكون كذلك دائما وأن هذا أمر خاص لتوليد الجمر. ولا فرق في ذلك الجمر الذي كان في ذلك الوقت إذا كان تولد الجمر إنما شأنه أن يكون في الصيف أو كان إنما حدث بقرانون في الصيف.
Page 82
فإن الذي يكتفي به هذا فقط أن تعلم من أمر حدوثه أن مزاج الهواء الذي حدث فيه كان حارا عديما للرياح رطبا. فقد نرى عيانا أن جميع الأجسام تعفن عند هذه الحال وإن لم نعلم السبب في ذلك. إلا أن أبقراط قد بين السبب في ذلك بقوله «ويصير تحت الجلد صديد فإذا احتقن سخن». فإن معنى قوله «احتقن» إنما هو أنه بقي في البدن داخلا فلم يستفرغ استفراغا ظاهرا للحس ولا استفراغا خفيا لكنه لبث داخلا فعفن ومن قبل ذلك سخن سخونة خارجة عن الأمر الطبيعي.
فلما كان ذلك «ولد» أولا «حكة» والحكة تكون من أخلاط لم تسخن سخونة شديدة جدا لكنها قد ابتدأت أن تسخن. فلما تمادى به الزمان ونفذ أرق ما كان في ذلك الخلط الذي عفن من أسخف أجزاء الجلد بسهولة واجتمع تحت الصفيحة الخارجة منه لكثافتها ولد «النفاخات». فأما الشيء الأغلظ من ذلك الخلط فإنه لم ينفذ إلى أن يبلغ إلى الصفيحة الخارجة من الجلد لكنه احتقن داخلا تحت الجلد واجتمع هناك فعفن وسخن سخونة شديدة حتى «كان يخيل إلى صاحبه أن ما دون الجلد يحترق احتراقا». ثم من بعد هذا فإن النفاخات كانت تتمدد من كثرة الرطوبة التي فيها وتتأكل من حدتها فتنقص. والجلد الذي من تحتها كان يحترق من ذلك الخلط المفرط الحر فيحدث منه فيه شبيه بالخشكريشة التي تحدث من الكي. وهذه الأشياء أشياء تعم جميع الجمر.
Page 84
وأما الأشياء التي خصت ذلك الجمر الذي حدث في ذلك الوقت فكانت شدة إفراط الحرارة التي فيما دون الجلد وتولد النفاخات. وإنه ليس يجب ضرورة أن يتقدم حدوث الجمر حدوث النفاخات ولذلك عبر أبقراط عن هذه المعاني بألفاظ مختلفة الأزمان. فوصف الأعراض التي تعم الجمر بحدوثها دائما بألفاظ تدل على الوقت الحاضر منها قوله «ويصير تحت الجلد صديد» وقوله «فإذا احتقن سخن وولد حكة». فأما الأعراض التي خصت ذلك الجمر الذي كان في ذلك الوقت فلم يعبر عنها بمثل هذه الألفاظ لكنه عبر عنها بألفاظ تدل أنها إنما عرضت مع ذلك الجمر فقط من ذلك أنه قال في النفاخات: «كانت تخرج فيه نفاخات» وقال في الحرارة الخارجة عن الأمر الطبيعي: «وكان يخيل إليهم أن ما دون الجلد يحترق احتراقا.»
والعجيب أن هذه النسخة يعرفها جميع القدماء ولا يزال من فسر هذا الكتاب يبحث عن السبب الذي دعا أبقراط إلى أن يستعمل ألفاظا تدل على أزمان مختلفة. وتقدم أرطاميدوروس وأصحابه على أن غيروا هذه الألفاظ فجعلوها كلها تدل على زمان واحد على هذا المثال: «وكان يصير تحت الجلد صديد وكان إذا احتقن سخن وولد حكة».
Page 86
وأنا مجمل قولي من أوله ثم أقطعه فأقول إن أبقراط دل بقوله «جاءت أمطار جود مع حر الصيف كله وكان أكثر ما يكون مع الجنوب» على السبب الذي يسمى «البادئ» الذي منه يكون تولد الجمر وهذا السبب هو سبب خارج عن الأبدان التي نالتها الآفة. ودل بقوله «ويصير تحت الجلد صديد» على السبب الذي يسمى «المتقادم» الذي منه يكون تولد الجمر وهو السبب الذي يحدث في البدن أولا. ودل بقوله «فإذا احتقن سخن» على الجهة التي بها يحدث ذلك السبب الجمر وذلك هو إفراط حرارة الخلط الغالب في البدن وغليانه بسبب العفونة. وسماه «صديدا» من قبل أنه كان خارجا عن الطبيعية خروجا رديئا خبيثا. فأما قوله «وولد حكة» فهو عرض يتقدم حدوث الجمر.
فأما ما بعد هذا فأعراض لزمت ذلك الجمر خاصة الذي حدث في ذلك الوقت وهي حدوث «النفاخات الشبيهة بحرق النار» وإحساس من الحرارة الشديدة فيما دون الجلد حتى «يخيل» إلى صاحب القرحة «أن ذلك الموضع منه يحترق احتراقا». وقد تقدم فدل على أنه يحدث منه إذا قرحة ذات خشكريشة منذ أول كلامه حين قال: «الجمر الصيفي الذي كان بقرانون». فإن اسم «الجمر» إنما يدل على قرحة هذه حالها مع التهاب يكون حولها كما قلت.
[chapter 2]
قال أبقراط: إذا كان حر ولم يكن معه مطر لم يحدث في الحميات عرق في أكثر الأمر. فإن جاء شيء من المطر في الحر ولو يسير كان العرق في الحميات أكثر.
Page 88
قال جالينوس: إن هذا القول من أبقراط قول ينتفع به من علمه مفردا على حدته في أن يتقدم فينبئ بالعرق الحادث فإن تقدمة المعرفة بالعرق الكائن في الأمراض تكون من أعلام كثيرة وأحد تلك الأعلام هو الذي وصف.
وفي هذا القول أيضا دليل شاهد على صحة القول المتقدم الذي قال فيه: «ويصير تحت الجلد صديد فإذا احتقن سخن». وذلك لأنه متى كان مزاج الهواء يابسا انفشت ونفدت الرطوبات التي في البدن ومتى كان مزاج الهواء رطبا اجتمعت تلك الرطوبات فلم تنحل. وتلك الرطوبة تخرج من البدن في أوائل الحميات لا على طريق البحران فإن البحران لا يكون دون أن تنضج الأخلاط التي في البدن لكنها إنما تخرج من قبل أن البدن لا يطيق أن يحويها لكثرتها حتى تفيض وتندفق. ولذلك أضاف قوم إلى هذا القول شيئا مما يتلوه وهو قوله «في أوائل الأمر» فجعلوه آخر هذا الكلام وقوم جعلوا ذلك أول الكلام الذي يتلو هذا على هذا المثال:
[chapter 3]
قال أبقراط: منذ أوائل الأمر البحران يكون مع هذا أعسر مما يكون مع غيره إلا أنه على حال يكون أقل عسرا متى كان بسبب هذا ولم يكن بسبب حال المرض.
Page 90
قال جالينوس: يعني أن أمراض من يصيبه العرق «منذ أول» مرضه يكون البحران فيه لا محالة عسرا إلا أن ما كان منها كذلك «بسبب حال المرض» «فعسر» البحران فيه «أزيد» وما كان إنما يحدث فيه منها العرق «في أوله » من قبل الهواء «فعسر» البحران فيه «أقل» يعني أن مدة هذه الأمراض وتطاولها تكون أقل.
[chapter 4]
قال أبقراط: الحميات المحرقة تكون في الأوقات الحارة أكثر وقد تكون في سائر الأوقات إلا أنها في الصيف تتزيد يبسا.
قال جالينوس: إنا نجد في بعض النسخ «⟨في⟩ الأوقات الحارة» ونجد في بعضها «في الأوقات الصيفية» ولا فرق بين الأمرين لأن المعنى في هذا القول معنى واحد وهو المعنى الذي وصفه في كتاب الفصول كليا وجزئيا أما الكلي فقوله: «والأمراض كلها تحدث في أوقات السنة كلها إلا أن بعضها في بعض الأوقات أحرى أن يحدث ويهيج» وأما الجزئي فقوله: «فأما في الصيف فيعرض بعض هذه الأمراض ومحرقة».
Page 92
فأما ما قاله في آخر هذا الكلام وهو قوله: «إلا أنها في الصيف تتزيد يبسا» فهذا معناه لقول إن الحمى المحرقة أبدا حارة يابسة إلا أنها في الأوقات الحارة الصيفية تكون أزيد يبسا لأن الرطوبة التي في أبدان أصحابها من حرارة تلك الأوقات تنفش وتنفد.
[chapter 5]
قال أبقراط: أكثر ما يتولد السبعي ووجع الفؤاد في الخريف.
قال جالينوس: إن في وقت الفواكه خاصة يتولد من فساد ما يؤكل منها ومعها من الأطعمة أنواع الدود في البطن وهي ثلاثة أحدها رقيق يكون فيما يلي الدبر شبيه بدود الخل والآخر غليظ مستدير شبيه بالحيات يكون في الأمعاء الرقاق والآخر عريض في جوفه قطع شبيه بحب القرع يكون في الأمعاء الغلاظ.
Page 94