Sharḥ ʿilal al-tirmidhī

شرح علل الترمذي

Editor

همام عبد الرحيم سعيد

Publisher

مكتبة المنار

Edition

الأولى

Publication Year

1407 AH

Publisher Location

الزرقاء

ـ[شرح علل الترمذي]ـ
المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥هـ)
المحقق: الدكتور همام عبد الرحيم سعيد
الناشر: مكتبة المنار - الزرقاء - الأردن
الطبعة: الأولى، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ومعه مقدمة المحقق د همام سعيد]

Unknown page

القسم الأول: مقدمة شرح علل الترمذي للدكتور همام عبد الرحيم سعيد
الباب الأول شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في العلة وميدانها وأشهر علماء العلل.
الفصل الثاني: في التعريف بأصل الكتاب وصاحبه، ومنهج ابن رجب فيه ومصادره في العلل.
الفصل الثالث: دراسة حول علم العلل، من خلال كتاب ابن رجب.
الفصل الرابع: دراسة في مصطلح الحديث، من خلال كتاب شرح علل الترمذي.

1 / 15

الفصل الأول مقدمة في العلة وميدانها وأشهر علماء العلل
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: العلة في اللغة والاصطلاح، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: العلة في اللغة.
المطلب الثاني: العلة في الاصطلاح.
المبحث الثاني: ميدان علم العلل، وغايته وأشهر علمائه ومصنفاته:
تمهيد،
المطلب الأول: ميدان علم العلل وغايته.
المطلب الثاني: أهميته واتساعه.
المطلب الثالث: أشهر العلماء المشتغلين بالعلل.

1 / 16

والثالث: العلة المرض، وصاحبها معتل، قال ابن الأعرابي: "عل المريض يعل فهو عليل".
وقال في القاموس: "اعتله وأعله الله - تعالى - فهو معل وعليل، ولا تقل: معلول والمتكلمون يقولونها، ولست منه على ثلج". وقال في اللسان: إنما هو أعله الله فهو معل، إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم مجنون ومسلول، من أنه جاء على جننته وسللته.
والمحدثون يطلقون على الحديث الذي في عله "معلول"، (وكذا وقع في كلام البخاري والترمذي الدارقطني والحاكم وغيرهم) . وقد أنكر بعض العلماء هذا، كما سبق في اعتراضهم على المتكلمين، (وقال إن المعلول في اللغة اسم مفعول من عله إذا سقاه السقية الثانية، وتعقبهم آخرون فقالوا: قد ذكر في بعض كتب اللغة: عل الشيء إذا أصابته علة فيكون لفظ معلول هنا مأخوذا منه.
قال ابن القوطية: (عل الإنسان: مرض، والشيء أصابته العلة فيكون استعماله بالمعنى الذي أرادوه غير منكر، بل قال بعضهم: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال ابن هشام في شرح بانت سعاد:
(تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنها منهل بالراح معلول»
والراجح في هذه المسألة أن "معلول" موفق للغة ومنسجم مع قواعدها إذا

1 / 20

كان مشتقا من عله بمعنى سقاه الشربة الثانية، وهو معنى "معلول" في الشاهد الذي ذكره ابن القوطية وليس كما أراده شاهدا للعلة بمعنى المرض، لأن "معلول" في البيت مرتبط بمنهل، والمنهل هو المورود في المرة الأولى، والمعلول هو المورود في المرة الثانية.
ولما كان من معاني "عل" في أصل اللغة الشربة الثانية، كما ذكر ابن فارس في معنى هذه المادة، فيكون هذا الاستعمال لا غبار عليه، لا في اللغة ولا في الاصطلاح، وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة.
وكما يقال "معلول" بهذا المعنى فإنه يقال "معل" لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض. وأما استعمال "معلل" فلا تمنعه القواعد إذا كان مشتقا من "علله" بمعنى ألهاه به وشغله، ويكون معنى "الحديث المعلل": هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحا للعمل به.
المطلب الثاني العلة في اصطلاح المحدثين
تقاربت عبارات أهل المصطلح في تعريفهم العلة في الحديث. وأول كتاب ذكر تعريفا للعلة هو "معرفة علوم الحديث" للحاكم، وقد قال فيه: "وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل". ويقول الحاكم أيضا: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل".
وهذا من الحاكم محاولة أولى لتحديد مفهوم عام للعلة، ولا يمكن أن نسميه حدا بما يحمله الحد من الضوابط. كما يلاحظ في كلام الحاكم قصر العلة على ما لا مدخل للجرح والتعديل فيه، وهو مخالف لمنهج كتب العلل التي احتوت على علل سببها جرح الراوي، وسيأتي الكلام على هذا.

1 / 21

وجاءت عبارة أبي عمرو بن الصلاح أكثر تحديدا من عبارة الحاكم فقال: "المعلول هو الذي أطلع فيه على عله تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر"، وفي هذا التعريف دور لأنه أدخل "العلة" في تعريف المعلول إلى جانب أنه ذكر علة الإسناد، ولم يشمل هذا التعريف علة المتن، التي لا تقل أهمية عن علة الإسناد.
وأما الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٤هـ) فقد عرف العلة بقوله: "العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه، أي قدحت في صحته". ويلاحظ على هذا التعريف تكرار الألفاظ فيه، وقوله "طرأت" يشعر بأن الحديث كان في أصله صحيحا، وليس ذلك بلازم، إذ قد تدخل العلة على الحديث الصحيح، وقد يكون الحديث من أصله معلولا، كأن يظهر بعد البحث أن الحديث لا أصل له، وإنما أدخل على الثقة فرواه.
وقد نقل برهان الدين البقاعي (ت ٨٥٥هـ) في نكتة على ألفية العراقي، كلاما آخر للعراقي، جاء فيه: "والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح " وأما الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢هـ) فقد ذكر في تعريف المعلل أثناء كلامه على أنواع الضعيف فقال "ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فهو المعلل"، ولا يصلح هذا لأن يكون حدا للعلة، إذ هو بيان لطرق الكشف عن العلة.
وما نختاره من هذه التعاريف هو ما نقله البقاعي عن العراقي: "والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح". وهو تعريف جامع مانع.

1 / 22

وفيما يلي بيان لعناصر هذا التعريف يوضح أسباب اختياره:
(أ) في قوله "خبر" ذكر لعلة السند وعلة المتن لأن الخبر يشمل السند والمتن.
(ب) وفي قوله "ظاهرة السلامة" بيان أن العلة تكون في الحديث الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.
(ج) قوله "اطلع فيه بعد التفتيش" دليل على خفاء القادح، وعلى إمعان النظر ولا يكون ذلك إلا من الناقد الفهم العارف.
(د) وقوله "على قادح" تعميم لأسباب العلل لتشمل العلل التي مدارها الحرج، وتلك الناشئة عن أوهام الثقات وما يلتبس عليهم ضبطه من الأخبار. وبذلك يكون هذا التعريف مطابقا لواقع كتب العلل التي اشتملت على أحاديث كثيرة أعلت بجرح راو من رواتها.

1 / 23

ينتهي بكلمة أو سطر أو صفحة، أو مجموعة من الأقوال، في الرجل موضع الجرح أو التعديل، وأما هذا الذي معنا فإنه يواكب الثقة في حلة وترحاله، وأحاديثه عن كل شيخ من شيوخه، ومتى ضبط، ومتى نسي، وكيف تحمل، وكيف أدى. ولذلك نجد علي بن المديني يخرج علل ابن عيينة في ثلاثة عشر جزءا، وسفيان بن عيينة ثقة ثبت، ولكن هذا لا يعني سلامة أحاديثه كلها فهو بشر يخطئ ويصيب، وإن كان خطؤه نادرا، ولكن كم يكون حجم هذا النادر من بين ألوف الأحاديث التي يرويها؟
وهذا النوع من النقد أفرده الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ) في كتاب سماه "التمييز"، وقال في مقدمته: " فإنك يرحمك الله ذكرت أن قبلك قوما ينكرون قول القائل من أهل العلم، إذا قال: هذا حديث خطأ، وهذا حديث صحيح، وفلان يخطئ في روايته حديث كذا، والصواب ما روى فلان بخلافه، وذكرت انهم استعظموا ذلك من قول من قاله، ونسبوه إلى اغتياب الصالحين من السلف الماضيين، حتى قالوا: إن من ادعى تمييز خطأ رواياتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به، ومدح علم غيب لا يوصل إليه"
ويمضي الإمام مسلم فيقول:
"وبعد، فإن الناس متباينون في حفظهم لما يحفظون، وفي نقلهم لما ينقلون، فمنهم الحافظ المتقن الحفظ، المتوقي لما يلزمه توقيه فيه، ومنهم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه أو تلقين يلقنه من غيره، ومنهم من همته حفظ متون الأحاديث دون أسانيدها فيتهاون في حفظ الآثار يتخرصها من بعد فيحيلها بالتوهم على قوم غير الذين أدى إليه عنهم".
وأكثر من هذا فإن الإمام مسلما لا يبرئ أحدا من هذا وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا: "ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم

1 / 26

فيه فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل - إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله".
وهكذا فإن الإمام مسلما يكشف لنا بجلاء ووضوح عن مجال هذا النوع من النقد فمجاله أحاديث الثقات وهدفه تنقيتها من الأوهام والأخطاء، وعلى لوحات كتابه نجد تطبيقات كثيرة لهذا النقد، وسنختار مثالا منها يدور حول وهم رجل من أكابر المحدثين الثقات الأثبات وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤هـ) قال الإمام مسلم: "حدثنا الحسن الحلواني (ثنا) يعقوب بن إبراهيم (ثنا) أبي عن صالح عن ابن شهاب: أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره أنه بلغه أن النبي ﷺ صلى ركعتين ثم سلم، فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ "لم تقصر الصلاة، ولم أنس" قال ذو الشمالين: فقد كان ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، وقال: أصدق ذو اليدين قالوا: نعم، فقام رسول الله ﷺ فأتم ما بقي من الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين يسجدان إذا شك الرجل في صلاته.
قال ابن شهاب: "وأخبرني ابن المسيب عن أبي هريرة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله. سمعت مسلما يقول: وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين. وهم غير محفوظ، لظاهر الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ في هذا".
حدثنا أبو كريب (ثنا) أبو أسامة (ثنا) عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ثنا) إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن

1 / 27

أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمر، وأن كل هؤلاء ذكروا في حديثهم أن رسول الله ﷺ حين سها في صلاته، يوم ذي اليدين، سجد سجدتين بعد إذ أتم الصلاة.
المطلب الثاني أهميته واتساعه
بالرغم من أن علم العلل قسم من أقسام علم الحديث دراية، إلا أن العلماء ركزوا عليه وأعطوه الأهمية القصوى حتى قال الحاكم: "معرفة علل الحديث. وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل".
وحقا إن هذا العلم رأس علوم الحديث وأوسعها وأخفاها وأدقها وأهمها ولولاه لاختلط الصحيح بالسقيم لأن الأصل في أحاديث الثقات الاحتجاج بها والالتزام بقبولها وما يدخل عن طريق الثقات والحفاظ لا يدخل عن طريق الضعفاء والمجروحين، لأنه كما يقول الحاكم أبو عبد الله: "فإن حديث المجروحين ساقط واه وعلة الحديث تكثر في حديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولا".
وأما اتساع هذا العلم فسنرى - بعون الله ومشيئته - في مباحث أنواع العلل أن معظم علوم الحديث يدخل في العلل، فقد يعلل الحديث بالانقطاع أو الإرسال أو الأعضال أو الإدراج أو القلب، أو الاضطراب، ولكن الذي يميز علم العلل عن هذه الفروع، هو ما تتضمنه العلة من الخفاء إذ يقع الإرسال أو الانقطاع أو الإدراج في حديث الثقات ويصعب تمييزه والحكم عليه، وينطلي على أكثر المحدثين، حتى يتنبه جهابذتهم ونقادهم إلى هذا القادح الذي يتصف بالخفاء.
وخلاصة القول أن القادح منه الخفي ومنه الجلي، ومنه ما كان في حديث الثقات، ومنه ما كان في حديث المجروحين والضعفاء. فما كان خفيا وفي حديث

1 / 28