Sharḥ dīwān al-ḥamāsa
شرح ديوان الحماسة
Publisher
دار القلم
Publisher Location
بيروت
Regions
•Iraq
Empires & Eras
Seljuqs (Persia, Iraq, Syria), 431-590 / 1040-1194
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي يسبح كل شَيْء بِحَمْدِهِ
وَله سُبْحَانَهُ فِي كل شَيْء آيَة من الْهِدَايَة
ﷺ على نبيه الْأمين
الْمُرْسل بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين
وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَبعد فَمَا زَالَ الشّعْر فِي كل أمة جلاء الأذهان وصقل الخواطر بِحَيْثُ توفرت عَلَيْهِ الرغبات وَبعثت إِلَيْهِ الهمم وَأصْبح من لم يرو مِنْهُ
وَلم يصدر عَنهُ
كَأَنَّهُ أحَاط من اللُّغَة بالغلاف
وَتَنَاول الكأس من غير سلاف
وَإِن لهَذَا النَّوْع من الْكَلَام فِي لغتنا الشَّرِيفَة فضلا يبْقى بِهِ على الزَّمَان وَهُوَ مَا كَانَ الْعَرَب يجمعُونَ إِلَيْهِ من كل لَفْظَة ناصعة
وَكلمَة رائعة
بِحَيْثُ كَانَ الشّعْر من شَاعِرهمْ بِمَثَابَة خزانَة النفائس من صَاحب الْكُنُوز إِلَيْهِ مرجع كل نَفِيس وَفِيه مَوضِع كل جمال
بيد أَن مَا روى من شعر الْعَرَب شَيْء كثير لَا يحاط بِهِ وَإِن قصر عَلَيْهِ الْعُمر فَكَانَت الْحَاجة ماسة إِلَى مَجْمُوع يقوم مِنْهَا مقَام الْخُلَاصَة وَلم نجد من ذَلِك أحسن وَلَا أوفى من كتاب الحماسة الَّذِي اخْتَارَهُ ملك الْكَلَام أَبُو تَمام فقد كَانَ للرجل من المحفوظات مَا لَا يلْحقهُ فِيهِ غَيره قيل إِنَّه كَانَ يحفظ أَرْبَعَة عشر ألف أرجوزة للْعَرَب غير القصائد والمقاطيع هَذَا عدا مَا اطلع عَلَيْهِ فِي خزانَة كتب أبي الْوَفَاء الْعَظِيمَة الَّتِي جمع مِنْهَا هَذَا الْكتاب
1 / 2
وَعدا أَنه شَاعِر بَصِير بمحاسن الْكَلَام
وعيون النظام
خَبِير بِالنَّقْدِ ومطلع بِهَذَا الْفَنّ وَلِهَذَا عد جَمِيع الأدباء كتاب الحماسة الْمَذْكُور أفضل كتاب مَجْمُوع من شعر الْعَرَب
وَقد هبت بِنَا الرَّغْبَة من أجل ذَلِك فِي نشره وتوفير الْوَقْت على الْفُضَلَاء إِذْ يرجعُونَ فِي مثل هَذَا الْكتاب إِلَى الشُّرُوح الطوَال ومعاجم اللُّغَة وَغَيرهَا فضبطنا الْمَتْن وعلقنا عَلَيْهِ شرحا يحل كل مَا فِيهِ
وَيظْهر من خافيه
مَعَ الإيجاز الْوَاقِف عِنْد حد الْفَائِدَة وتراجم الشُّعَرَاء حَتَّى يكون الْكتاب غنية للمطلع وثقة للمراجع وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
مُحَمَّد عبد الْقَادِر سعيد الرَّافِعِيّ
١ - قَالَ قريط بن أنيف أحد بني العنبر
ــ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه ثقتي
الْحَمد لله على أفضاله
ﷺ على مُحَمَّد وَآله أما بعد فَهَذَا مَا أردته من وضع كَلِمَات على مَا اخْتَارَهُ أَبُو تَمام حبيب بن أَوْس الطَّائِي من شعر الْعَرَب المسمي بالحماسة راجيا من الله التَّوْفِيق وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
١ - هُوَ شَاعِر إسلامي وَالسَّبَب الَّذِي من أَجله قَالَ هَذَا الشّعْر مَا حدث بِهِ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ أغار نَاس من بني شَيبَان على رجل من بني العنبر يُقَال لَهُ قريط بن أنيف فَأخذُوا لَهُ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا فاستنجد قومه فَلم ينجدوه فَأتى مَازِن تَمِيم فَركب مَعَه نفر فأطردوا لبني شَيبَان مائَة بعير فدفعوها إِلَيْهِ فَقَالَ هَذِه الأبيات ومازن هُنَا هُوَ ابْن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم أخي العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم هَذَا وَقصد الشَّاعِر بِهَذِهِ الأبيات أَن يحمل قومه على الانتقام لَهُ من
1 / 3
(لَو كنت من مَازِن لم تستبح إبلي ... بَنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا)
(إِذا لقام بنصري معشر خشن ... عِنْد الحفيظة إِن ذُو لوثة لانا)
٣ - (قوم إِذا الشَّرّ أبدى ناجذيه لَهُم ... طاروا إِلَيْهِ زرافات ووحدانا)
ــ
أعدائه وَلم يقْصد إِلَى ذمهم وَكَيف يذمهم وعار الذَّم رَاجع إِلَيْهِ وَلكنه سلك طَرِيق كَبْشَة أُخْت عَمْرو بن معد يكرب فِي قَوْلهَا
(ودع عَنْك عمرا إِن عمرا مسالم ... وَهل بطن عَمْرو غير شبر لمطعم)
فَإِنَّهَا لَا تقصد إِلَى هجاء أَخِيهَا وَهُوَ الَّذِي كَانَ يعد بِأَلف فَارس وَلكنهَا تُرِيدُ تهييجه هَذَا وَلم يُوجد لقريط تَرْجَمَة فِي معاجم الأدباء
١ - هم بَنو مَازِن ابْن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم
الاستباحة الاستئصال وَعدم الاستبقاء وَقَوله بَنو اللقيطة هَكَذَا رَوَاهُ شرَّاح الحماسة قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي وَالصَّوَاب إِن شَاءَ الله مَا أنْشدهُ أَبُو الندى وَذكر أَنه لقريط بن أنيف
(لَو كنت من مَازِن لم تستبح إبلي ... بَنو الشَّقِيقَة من ذهل بن شيبانا)
قَالَ والشقيقة هِيَ بنت عباد بن يزِيد بن عَوْف بن ذهل بن شَيبَان وَأما اللقيطة فَهِيَ أم حصن بن حُذَيْفَة من بني فَزَارَة وَلَا اتِّصَال لَهَا بذهل بن شَيبَان
٢ - خشن بِضَمَّتَيْنِ جمع خشن وَقيل جمع أخشن الصعب الَّذِي لَا يلين
والحفيظة الْغَضَب فِي الشَّيْء الَّذِي يجب عَلَيْك حفظه
واللوثة الضعْف يَقُول لَو كنت من هَذِه الْقَبِيلَة لما أغار بَنو ذهل على إبلي واستأصلوها أخذا ونهبا وَلَو كَانَ ذَلِك لقام بنصري قوم صعاب أشداء يدْفَعُونَ عني وَيَأْخُذُونَ بحقي مِمَّن اعْتدى عَليّ وظلمني إِذا لَان ذُو الضعْف لم يدْفع ضيما وَلم يحم حَقِيقَة
٣ - إبداء الشَّرّ ناجذيه مثل لِشِدَّتِهِ وصعوبته
والزرافات الْجَمَاعَات يصفهم بالإقدام على
1 / 4
(لَا يسْأَلُون أَخَاهُم حِين يندبهم ... فِي النائبات على مَا قَالَ برهانا)
(لَكِن قومِي وَإِن كَانُوا ذَوي عدد ... لَيْسُوا من الشَّرّ فِي شَيْء وَإِن هانا)
٣ - (يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغْفرَة ... وَمن إساء أهل السوء إحسانا)
٤ - (كَأَن رَبك لم يخلق لخشيته ... سواهُم من جَمِيع النَّاس إنْسَانا)
٥ - (فليت لي بهم قوما إِذا ركبُوا ... شدوا الإغارة فُرْسَانًا وركبانا)
٦ - قَالَ الفند الزماني فِي حَرْب البسوس
ــ
المكاره والإسراع إِلَى الشدائد لَا يتواكلون وَلَا يتخاذلون وَلَا ينْتَظر بَعضهم بَعْضًا بل كل يرى أَنه حقت عَلَيْهِ الْإِجَابَة فيسرعون مُجْتَمعين وَمُتَفَرِّقِينَ
١ - يندبهم أَي يَدعُوهُم
يَقُول إِذا دعاهم أحد لينصروه على أعدائه أَسْرعُوا إِلَى الْحَرْب وَلَا يسْأَلُون عَن سَببهَا وَلَا يتعللون كَمَا يتعلل الجبان
٢ - يصف قومه بِأَنَّهُم يهابون الْحَرْب لعدم حماستهم وَإِن كَانُوا ذَوي عدد كثير
٣ - يَقُول إِن قومه لم يكن فيهم حماسة حَيْثُ بلغ بهم الْجُبْن إِلَى أَنهم يسامحون من ظلمهم ويحسنون إِلَى من أَسَاءَ إِلَيْهِم
٤ - هَذَا الْبَيْت وَمَا قبله نبه بهما على أَن احتمالهم الْمَكْرُوه إِنَّمَا هُوَ لاحتساب الْأجر فِي زعمهم فَكَأَن الله لم يخلق لخوفه غَيرهم
٥ - قَوْله شدوا الإغارة ويروى شنوا الإغارة أَي فرقوها والفرسان الراكبون على الْخَيل والركبان على الْإِبِل يتَمَنَّى الشَّاعِر أَن يكون لَهُ قوم بدل قومه إِذا ركبُوا لمحاربة الْأَعْدَاء مزقوهم كل ممزق حَالَة كَونهم فُرْسَانًا وركبانا
٦ - الفند اسْمه شهل بن شَيبَان بن ربيعَة ابْن زمَان الْحَنَفِيّ فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى جده وَهُوَ شَاعِر جاهلي كَانَ الفند أحد
1 / 5
(صفحنا عَن بني ذهل ... وَقُلْنَا الْقَوْم إخْوَان)
(وَعَسَى الْأَيَّام أَن يرجعن ... قوما كَالَّذي كَانُوا)
(فَلَمَّا صرح الشَّرّ ... فأمسى وَهُوَ عُرْيَان)
(وَلم يبْق سوى الْعدوان ... دناهم كَمَا دانوا)
(مشينا مشْيَة اللَّيْث ... غَدا وَاللَّيْث غَضْبَان)
ــ
فرسَان ربيعَة الْمَشْهُورين الْمَعْدُودين شهد حَرْب بكر وتغلب وَقد قَارب الْمِائَة سنة وَهَذِه الأبيات من قصيدة قَالَهَا فِي حَرْب البسوس الَّتِي كَانَت بَينهمَا وَذَلِكَ أَن بكر بن وَائِل بعثوا إِلَى بني حنيفَة فِي حَرْب البسوس يستنصرونهم فأمدوهم بِهِ وبقومه بني زمَان وعدادهم فِي بني حنيفَة
١ - صفحنا عَن بني ذهل ويروى عَن بني هِنْد وَهِي هِنْد بنت مر بن أد وَهِنْد هَذِه أُخْت تَمِيم يَقُول أعرضنا عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم المتحاربين وضربنا عَنْهُم صفحا لِأَن بَينهم رحما وقرابة فَعَسَى أَن تردهم الْأَيَّام إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ من قبل من التوافق والتوادد
٢ - صرح بِمَعْنى انْكَشَفَ وَقَوله وَهُوَ عُرْيَان مثل لظُهُور الشَّرّ ووضوحه ويروي فأضحى الخ وَهِي أحسن لِأَن الشَّيْء فِي الضُّحَى أظهر وَأبين
٣ - الْعدوان الظُّلم الصَّرِيح وَالدّين الْجَزَاء
يَقُول لما أصروا على الْبَغي وأبوا أَن يدعوا الظُّلم وَلم يبْق إِلَّا أَن نقاتلهم ونعتدي عَلَيْهِم كَمَا اعتدوا علينا جازيناهم بفعلهم الْقَبِيح كَمَا ابتدؤنا بِهِ
٤ - هَذَا تَفْصِيل لما أجمله فِي قَوْله دناهم وَتَفْسِير لكيفية المجازاة وَكرر اللَّيْث وَلم يَأْتِ بِهِ مضمرا تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ وتفخيما لَهُ وَغدا بالغين الْمُعْجَمَة ابتكر وكنى بِالْغَضَبِ عَن الْجُوع لِأَنَّهُ يَصْحَبهُ يَقُول مشينا إِلَيْهِم مشْيَة الْأسد ابتكر وَهُوَ جَائِع
1 / 6
(بِضَرْب فِيهِ توهين ... وتخضيع وإقران)
(وَطعن كفم الزق ... غذا والزق ملان)
٣ - (وَبَعض الْحلم عِنْد الْجَهْل ... للذلة إذعان)
٤ - (وَفِي الشَّرّ نجاة حِين ... لَا ينجيك إِحْسَان)
٥ - وَقَالَ أَبُو الغول الطهوي
٦ - (فدت نفس وَمَا ملكت يَمِيني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني)
ــ
١ - التوهين التَّضْعِيف والتخضيع التذليل والإقران قيل مَعْنَاهُ الاسترخاء وَقيل التَّتَابُع وَالْمعْنَى بِضَرْب فِيهِ تَضْعِيف لَهُم وتذليل واسترخاء
٢ - شبه الطعْن فِي اتساعه وَخُرُوج الدَّم مِنْهُ بِفَم الزق إِذا سَالَ بِمَا فِيهِ وَهُوَ مَمْلُوء وغذا بِمَعْنى سَالَ
٣ - الإذعان الانقياد يُقَال فلَان أذعن لكذا إِذا انْقَادَ لَهُ اعتذر فِي هَذَا الْبَيْت عَن تَركهم التحلم مَعَ الأقرباء بِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الذل
٤ - قَوْله وَفِي الشَّرّ على حذف مُضَاف أَي وَفِي دفع الشَّرّ وَيجوز أَن يكون فِي عمل الشَّرّ كَأَنَّهُ يُرِيد وَفِي الْإِسَاءَة مخلص إِذا لم يخلصك الْإِحْسَان
٥ - هُوَ كَمَا قَالَ الْآمِدِيّ فِي الْمُخْتَلف والمؤتلف من قوم من بني طهية يُقَال لَهُم بَنو عبد شمس بن سود وَكَانَ يكنى أَبَا الميلاد وَلم أَقف على كَونه إسلاميا أَو جاهليا وَأَبُو الغول الطهوي غير أبي الغول النَّهْشَلِي فأعرف ذَلِك والطهوي بِالْفَتْح وَالضَّم مَنْسُوب إِلَى طهية كسمية هِيَ بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مَنَاة وَهِي أم قَبيلَة من الْعَرَب نسب إِلَيْهَا الشَّاعِر
٦ - فدت نَفسِي جملَة دعائية وَخص الْيَمين لفضلها وَقُوَّة التَّصَرُّف بهَا ويروى صدقُوا فيهم الخ يُرِيد أَن ظَنّه لم يخطيء فِي هَؤُلَاءِ الفوارس يطْلب من الله أَن يكون لهَؤُلَاء الْقَوْم فدَاء من مصائب
1 / 7
(فوارس لَا يملون المنايا ... إِذا دارت رحى الْحَرْب الزبون)
(وَلَا يجزون من حسن بسيئ ... وَلَا يجزون من غلظ بلين)
٣ - (وَلَا تبلى بسالتهم وَإِن هم ... صلوا بِالْحَرْبِ حينا بعد حِين)
٤ - (هم منعُوا حمى الوقبى بِضَرْب ... يؤلف بَين أشتات الْمنون)
٥ - (فنكب عَنْهُم دَرْء الأعادي ... وداووا بالجنون من الْجُنُون)
ــ
الدَّهْر وحوادثه الَّذين كَانُوا عِنْد ظَنّه بهم فِي الْحَرْب
١ - مللت الشَّيْء بِالْكَسْرِ سئمته ورحى الْحَرْب حومتها ومعظمها وَهَذَا على الْمجَاز لِأَن الْحَرْب تحطم الرِّجَال وتكسرهم كَمَا تفعل الرَّحَى والزبون بِفَتْح الزَّاي فِي الأَصْل النَّاقة الَّتِي تزبن حالبها وتدفعه شبهت الْحَرْب بهَا لِأَنَّهَا تدفع الرِّجَال لشدَّة هولها يصفهم بممارسة الحروب ومزاولتها فهم لَا يسأمون مِنْهَا وَلَا يهابونها وَإِن اشْتَدَّ أمرهَا
٢ - وَصفهم بِالْعَدْلِ وَالْقَصْد فَإِنَّهُ لما أخبر أَنهم بلغُوا من الشجَاعَة غايتها رُبمَا كَانَ يظنّ فيهم الْجور وَالظُّلم فنفاه بِهَذَا
يَقُول إِذا أحسن إِلَيْهِم محسن كافؤه على إحسانه وَإِن أَسَاءَ إِلَيْهِم مسيء قابلوه بِمثل إساءته وَقَوله بسيىء مخفف من سيىء بِالتَّشْدِيدِ كَمَا خفف هَين ولين
٣ - البسالة الشجَاعَة يَقُول إِنَّهُم لَا يضعفون عَن الْحَرْب وَإِن تَكَرَّرت عَلَيْهِم زَمَانا بعد زمَان
٤ - الوقبى كجمزى اسْم مَاء لبني مَازِن والأشتات جمع شت وَهُوَ المتفرق والمنون الْمَوْت وَفِي مَعْنَاهُ ذكرُوا وُجُوهًا مِنْهَا أَن هَذَا الضَّرْب يجمع بَين منايا قوم متفرقي الْأَمْكِنَة لَو أَتَتْهُم مناياهم فِي أمكنتهم لأتتهم مُتَفَرِّقَة فَاجْتمعُوا فِي مَوضِع وَاحِد فأتتهم المنايا مجتمعة
٥ - فنكب مَعْنَاهُ نحى وحول والدرء أَصله الدّفع ثمَّ اسْتعْمل فِي الْخلاف لِأَن الْمُخْتَلِفين يتدافعان يَعْنِي أَن الضَّرْب نحى وحول
1 / 8
(وَلَا يرعون أكناف الهوينى ... إِذا حلوا وَلَا أَرض الهدون)
٢ - وَقَالَ جَعْفَر بن علبة الْحَارِثِيّ
٣ - (ألهفا بقري سحبل حِين أحلبت ... علينا الولايا والعدو المباسل)
٤ - (فَقَالُوا لنا ثِنْتَانِ لَا بُد مِنْهُمَا ... صُدُور رماح اشرعت أَو سلاسل)
ــ
عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم اعوجاج الأعادي وخلافهم وَقَوله وداووا بالجنون من الْجُنُون أَي داووا الشَّرّ بِالشَّرِّ كَمَا قَالُوا إِن الْحَدِيد بالحديد يفلح فالجنون كِنَايَة عَن الشَّرّ
١ - الا كناف النواحي والهوينى الدعة والخفض تَصْغِير الهونى مؤنث الأهون والهدون السّكُون وَالصُّلْح قَالُوا فِي معنى هَذَا الْبَيْت إِنَّهُم لعزهم وجرأتهم لَا يرعون النواحي الَّتِي أباحتها المسالمة ووطأتها المهادنة وَلَكِن يرعون النواحي المحمية
٢ - ابْن علبة بِضَم فَسُكُون وباء مُوَحدَة يَنْتَهِي نسبه إِلَى كَعْب بن الْحَارِث شَاعِر مقل غزل فَارس مَذْكُور فِي قومه وَكَانَ من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية وَقتل فِي قصاص اخْتلف فِي سَببه النَّاس
٣ - يُرِيد يَا لهفى والتلهف التوجع على الْفَائِت بعد الإشراف عَلَيْهِ وقرى اسْم مَوضِع وسحبل اسْم وَاد بِعَيْنِه وأحلبت اجْتمعت والولايا جمع ولية وَهِي فِي الأَصْل البرذعة كنى بهَا عَن النِّسَاء والضعفاء الَّذين لَا غناء عِنْدهم والمباسل المستبسل المستميت يتوجع مِمَّا كَانَ بقرى سحبل حِين اجْتمع عَلَيْهِم النِّسَاء والضعفاء الَّذين لَا دفاع بهم وَنزل الْعَدو بِسَاحَتِهِمْ فَلم يتمكنوا من مقاومتهم
٤ - ثِنْتَانِ لُغَة فِي اثْنَتَانِ وَمعنى أشرعت صوبت لِلطَّعْنِ مَعْنَاهُ إِمَّا أَن تصبروا على الْقِتَال فنلقاكم بِالرِّمَاحِ وَإِمَّا أَن تستأسروا فنأخذكم فِي السلَاسِل
1 / 9
(فَقُلْنَا لَهُم تلكم إِذا بعد كرة ... تغادر صرعى نوؤها متخاذل)
(وَلم ندر إِن جضنا من الْمَوْت جيضة ... كم الْعُمر بَاقٍ والمدى متطاول)
٣ - (إِذا مَا ابتدرنا مأزقا فرجت لنا ... بأيماننا بيض جلتها الصياقل)
٤ - (لَهُم صدر سَيفي يَوْم بطحاء سحبل ... ولي مِنْهُ مَا ضمت عَلَيْهِ الأنامل)
وَقَالَ أَيْضا
٥ - (لَا يكْشف الغماء إِلَّا ابْن حرَّة ... يرى غَمَرَات الْمَوْت ثمَّ يزورها)
ــ
١ - الْإِشَارَة إِلَى وَاحِدَة من الثِّنْتَيْنِ والكرة الْمرة من الْكر وتغادر تتْرك ومفعوله مَحْذُوف أَي تغادركم وصرعى جمع صريع وَهُوَ الطرح والسقوط على الأَرْض والنوء النهوض بِجهْد ومشقة والمتخاذل المتداعي وَاخْتَارَ هَذَا الْبناء لِأَنَّهُ يخْتَص بِمَا يحدث شَيْئا بعد شَيْء فَكَأَن أَجزَاء النهوض يخذل بَعْضهَا بَعْضًا يَقُول فأجبناهم بِأَن ذَلِك الْخِيَار بَين هَاتين الثِّنْتَيْنِ لَا يكون إِلَّا بعد كرة عَلَيْكُم تغادركم مصرعين وَيكون نهوضكم مِنْهَا متخاذلا متداعيا
٢ - إِن جضنا أَي إِن عدلنا وانحرفنا عَن الْمَوْت يَقُول فَلم ندر إِن حدنا عَن الْقِتَال الَّذِي فِيهِ الْمَوْت وعدلنا عَنهُ كم يكون بقاؤنا لم نحيد ونرتكب الْعَار ولعلنا إِن تركنَا الْقِتَال لم نعش إِلَّا قَلِيلا
٣ - المأزق مضيق الْحَرْب وَالْبيض السيوف والصياقل جمع صيقل صانع السَّيْف
يَقُول إِذا استبقنا إِلَى مضيق فِي الْحَرْب وسعته لنا سيوف مصقولة بأيماننا
٤ - سحبل اسْم مَوضِع أضيف الْبَطْحَاء إِلَيْهِ مَعْنَاهُ أَن لَهُم صدر سَيفي يعْمل فيهم وَلَيْسَ لي مِنْهُ إِلَّا مقبضه
٥ - الغماء الْأَمر الشَّديد الَّذِي لَا يدْرِي من أَيْن يُؤْتى يَقُول لَا يكْشف
1 / 10
(تقاسمهم أسيافنا شَرّ قسْمَة ... ففينا غواشيها وَفِيهِمْ صدورها)
وَقَالَ أَيْضا
(هواي مَعَ الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بِمَكَّة موثق)
٣ - (عجبت لمسراها وأنى تخلصت ... إِلَيّ وَبَاب السجْن دونى مغلق)
٤ - (ألمت فحيت ثمَّ قَامَت فودعت ... فَلَمَّا تولت كَادَت النَّفس تزهق)
٥ - (فَلَا تحسبي أَنِّي تخشعت بعدكم ... لشَيْء وَلَا أَنِّي من الْمَوْت أفرق)
ــ
الشدائد وَلَا يزيلها إِلَّا أَبنَاء الْأَحْرَار لأَنهم هم الصَّابِرُونَ على المكاره فِي ابْتِغَاء الْمجد واكتساب الشّرف
١ - شَرّ قسْمَة أَي شَرّ قسْمَة لَهُم وَخير قسْمَة لنا وغاشية السَّيْف مقبضه وَقيل غمده وَمَعْنَاهُ قاسمناهم سُيُوفنَا ففينا مقابضها وَفِيهِمْ مضاربها
٢ - الركب الركْبَان الْإِبِل خَاصَّة واليمانون جمع يمَان الْمَنْسُوب إِلَى الْيمن والمصعد المبعد من الأصعاد أَي الأبعاد وجنيب بِمَعْنى مجنوب مستتبع والجثمان الْبدن والموثق الْمُقَيد
يَقُول هُوَ أَي مَعَ ركبان الْإِبِل القاصدين نَحْو الْيمن مقود وبدني مأسور مُقَيّد بِمَكَّة
٣ - عجبت طسراها أَي مسرى خيالها نزل خيالها منزلتها على الْعَادة ليَصِح التَّعَجُّب وَمعنى الْبَيْت ظَاهر
٤ - ألمت من الْإِلْمَام بِمَعْنى الزِّيَارَة وحيت من التَّحِيَّة بِمَعْنى السَّلَام وتزهق أَي تذْهب يَقُول حاكيا لحَال الخيال جاءتنا فَسلمت علينا ثمَّ لم تلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى قَامَت وأعرضت فَلَمَّا تولت كَادَت النَّفس تخرج فِي أَثَرهَا
٥ - تخشعت أَي تكلفت الْخُشُوع وأفرق من الْفرق وَهُوَ الْخَوْف وَإِنَّمَا ناسبت هَذِه الأبيات الحماسة وَدخلت فِيهَا لاستهانته بِمَا اجْتمع عَلَيْهِ من الْحَبْس والقيد
1 / 11