313

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya

شرح العقيدة الطحاوية

Editor

أحمد شاكر

Publisher

وزارة الشؤون الإسلامية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٨ هـ

Publisher Location

والأوقاف والدعوة والإرشاد

اعْتِقَادٍ. وَالْقَائِلُونَ بِتَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، ضَمُّوا إِلَى هَذَا الْأَصْلِ أَدِلَّةً أُخْرَى، وَإِلَّا فَقَدَ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الْإِيمَانَ عَنِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ وَالْمُنْتَهِبِ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ زَوَالَ اسْمِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ، اتِّفَاقًا.
وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ مِنَ الْعِبَادِ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ، وَأَعْنِي بِالْقَوْلِ: التَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ، وَهَذَا الَّذِي يُعْنَى بِهِ عِنْدَ إِطْلَاقِ قَوْلِهِمُ: "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، لَكِنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ مِنَ الْعِبَادِ: هَلْ يَشْمَلُهُ اسْمُ"الْإِيمَانِ"؟ أَمِ الْإِيمَانُ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْقَوْلُ وَحْدَهُ وَالْعَمَلُ مُغَايِرٌ لَهُ لَا يَشْمَلُهُ اسْمُ"الْإِيمَانِ"عِنْدَ إِفْرَادِهِ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا كَانَ مَجَازًا؟ هَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَأَقَرَّ بِلِسَانِهِ، وَامْتَنَعَ عَنِ الْعَمَلِ بِجَوَارِحِهِ: أَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مُسْتَحِقُّ الْوَعِيدِ، لَكِنْ فِيمَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَعْمَالَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مُسَمَّى"الْإِيمَانِ"مَنْ قَالَ: لَمَّا كَانَ"الْإِيمَانُ"شَيْئًا وَاحِدًا فإيماني (١) كإيمان أبي بكر الصديق وعمر! بل قال: كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل وميكائيل!! وَهَذَا غُلُوٌّ مِنْهُ. فَإِنَّ الْكُفْرَ مَعَ الْإِيمَانِ كَالْعَمَى مَعَ الْبَصَرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبُصَرَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي قُوَّةِ الْبَصَرِ وَضَعْفِهِ، فَمِنْهُمُ الْأَخْفَشُ والأعشى، و[من] يَرَى الْخَطَّ الثَّخِينَ، دُونَ الدَّقِيقِ إِلَّا بِزُجَاجَةٍ ونحوها، ولا يَرَى عَنْ قُرْبٍ زَائِدٍ عَلَى الْعَادَةِ، وَآخَرُ بِضِدِّهِ.
وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ الشَّيْخُ ﵀: "وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ"، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّسَاوِيَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَصْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ تفاوت [درجات] نُورِ"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"فِي قُلُوبِ أهلها لا يحصيها إلا الله تعالى؛ فمن الناس من نور"لا إله إلا الله"فِي قَلْبِهِ كَالشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهَا فِي قَلْبِهِ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ، وَآخَرُ كَالْمِشْعَلِ الْعَظِيمِ، وَآخَرُ كَالسِّرَاجِ الْمُضِيءِ، وَآخَرُ كَالسِّرَاجِ الضَّعِيفِ. وَلِهَذَا تَظْهَرُ الْأَنْوَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَيْمَانِهِمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ عَلَى هذا

(١) في المطبوعة «فإيمان». وما أثبتنا هو الصواب، الذي يقتضيه السياق

1 / 316