Sharḥ al-ziyādāt
شرح الزيادات
Editor
قاسم أشرف نور أحمد
Publisher
المجلس العلمي وصَوّرتها دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1426 AH
Publisher Location
كراتشي
Genres
•Hanafi jurisprudence
Regions
•Uzbekistan
Empires & Eras
Seljuqs (Persia, Iraq, Syria), 431-590 / 1040-1194
تقريظ العلامة المحدث الفقية القاضي الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله
نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة ونائب رئيس جامعة دار العلوم كراتشي وشيخ الحديث بها
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الكتب الستّة للإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ رحمه الله تعالى أساس للمذهب الحنفيّ عوّل عليه فقهاء الحنفية في كل عصر ومصر إجماعًا منهم على أنه المصدر الموثوق لمعرفة المذهب، وأن ما جاء فيه يسمّى "ظاهر الرواية" ولفوق رتبة على ما جاء في الكتب الأخرى المنسوبة إلى الإمام محمّد أو غيره من أئمة المذهب الحنفيّ. ومن هُنا تناول الفقهاء الحنفية هذه الكتب دراسة وشرحًا، وتفريعًا وتأصيلا، حتى صارت شروحها مصدرًا لكلّ من قام بتدوين المذهب وتأليفه.
ومن المؤسف جدّا، أنّ هذه الكتب الستّة وشروحها الضافية افتقد اليوم معظمها فلا يوجد منها إلا الجامع الصغير والجامع الكبير وأبواب من المبسوط الذي يسمّى الأصل. وأمّا من الشروح الكبيرة فلا يوجد إلا شرح السير الكبير للسرخسى رحمه الله تعالى، والشروح الباقية لا يوجد منها إلا نسخ يسيرة خطية في بعض المكتبات.
وإن كتاب "الزيادات" من أهمّ الكتب الستّة التي تسمّى ظاهر الرواية ألّفه الإمام محمد رحمه الله تعالى بعد "الجامع الكبير" وجمع فيه المسائل التي فاتته فيه، ومن ثمّ سماها "الزيادات" لكون مسائلها زائدة على "الجامع الكبير". ولكن لا يوجد منه ولو نسخة واحدة حتى في المكتبات التي عُنيت بالحفاظ على تراثنا العتيق. ومن أهمّ شروح هذا الكتاب "شرح الزيادات" للقاضى خان رحمه الله تعالى، وإنّ اسم "القاضي خان" رحمه الله تعالى يُغنينا عن التنويه بأهمية هذا الكتاب، فإنه معروف في الفقهاء الحنفية
1 / 5
بتمكنه في الفقه، وتضلعه في المذهب، وكون فتاواه مصدرًا موثوقًا لفروع الحنفية. وبما أنه رحمه الله تعالى سلك في شرح الزيادات مسلك التأصيل، حيث بدأ في كل باب ببيان القواعد والضوابط الفقهية المتعلقة بذلك الباب، ثم فرّع عليها الأمثلة والتفاريع، فإنه مفيد للغاية لدارسى الفقه الحنفيّ.
وإن هذا الكتاب، على أهميته، لم يزل كنزًا مخبوءًا في صورة نسخ خطيّة في بعض المكتبات، لم يتوجّه أحد إلى تحقيقه وإخراجه إلى أن وفّق الله ﷾ ابن أختى الفاضل الدكتور الشيخ قاسم أشرف، حفظه الله تعالى، فاختار تحقيق هذا الكتاب والعمل عليه موضوعًا لرسالة الدكتوراه في كلية الشريعة لجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. ونظرًا إلى ضخامة الكتاب، كان بإمكانه أن يختار جزءا من الكتاب لتسجيله كرسالة الدكتوراه، ولكنه، حفظه الله تعالى، كان يرغب في خدمة العلم والفقه أكثر مما يرغب في الحصول على شهادة الدكتوراه فأثار همّته لخدمة الكتاب كلّه، حتى أنجز هذا العمل الجليل مشكورًا، على الرغم من العقبات الكؤودة في هذا السبيل، التي بيّنها في مقدمته، ولم تفتر همّته عن الرحلة إلى بعض البلاد الإسلامية التي رجا من مكتباتها أن يحصل على شئ يُعينه في إخراج الكتاب بشكل مقبول.
ولم يألُ المحقّق جهدًا في تحقيق الكتاب ومقارنة مخطوطاته، وتصحيح عباراته، وشرح العويص منها، والتعليق على ما يحتاج إلى التعليق، وتنقيح مسائل الكتاب بمساعدة كتب المذهب الأخرى، لأن جُهده هذا يتجلّى في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي يقدّمه الآن بين أيدى أهل العلم بما تُقرّ الأعين وتبهج الصدور.
ولا أطيل في التعريف بالكتاب والثناء عليه، فإنه الآن بمتناول القارئ الكريم، والطِيب يُعرف بنفحاته غنيًا عن إطراء المادحين، وثناء المعرّفين.
وأدعو الله ﷾ أن يبارك في عمر المحقّق وعلمه وعمله، ويوفّقه لأضعاف أمثاله بصدق وإخلاص، ويجعل عمله هذا ثقلا في حسناته، ويتوجّه بالقبول في جنابه، وينفع به طلاب العلم في كل زمان ومكان. إنه ﵎ على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
محمد تقى العثمانى
دار العلوم كراتشى ١٤
ليلة الجمعة ١٧/ جمادى الأولى سنة ١٤٢١ هـ
1 / 6
تقريظ العلامة الفقيه الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلى حفظه الله
عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة ورئيس قسم الفقه الإسلامي بجامعة دمشق - كلية الشريعة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فمما لا شك فيه أنه لولا الإمام محمد بن الحسن الشيباني ﵀، وقيامه بتصنيف وجَمع فقهِ الإمام أبي حنيفة ﵀، لضاعَ الفقه الحنفي، وضياعه خسارة كبرى للثروة الفقهية الأصيلة، فكان من تقدير الله وإحسانه وفضله أن قيّض الله تعالى للأمة الإمام ابن الحسن، الشامي الأصل.
ويعدّ كتاب "الزيادات" أحد الكتب الستّة المعروفة بكتب ظاهر الرواية، أي الراجحة النقل، والثابتة النسبة للإمام محمد.
وتُوّج هذا الكتاب بالشرح النفيس والأصل للعلامة الحجة قاضى خان الذي نثَر دُررَه، وأحاط بمدلولات ومعاني هذا الكتاب، فتحقق الخير، واكتملت المعرفة بالشرح والمتن، مع التعليق وإبراز الفروق الفقهية، والاستدلال بالقواعد الفقهية، والتي أحسن المحقّق جمعَها وتصنيفها حتى بلغت (١٠٤٥) قاعدة فقهية، وهذا وحده استقراء وتتبع يانع، بالإضافة لفهارس علمية كثيرة أخرى.
والذي يلاحظ الإنسان على كتب ظاهر الرواية أنها انتقالا من الأصل أو
1 / 7
المبسوط، ومرورًا بالجامعين الصغير والكبير وبكتابي السير الصغير والكبير وتتويجها بالزيادات، تتناسب مع المبدأ والتحصيل العلمي الطبيعي في تلقي العلم شيئًا فشيئًا.
وسجّلت هذه الكتب هذه الظاهرة، بحسب ما تلقّاه الإمام محمد عن أستاذه أبي حنيفة، فدوّنه وأفرغته ذاكرته بدءًا من المعلومات الأولية، ثم الموسوعية.
والذي يسعد بحق أن هيّأ الله تعالى الأخ الفاضل السيد قاسم أشرف ليكون نشره لكتاب "شرح الزيادات" خاتمة لنشر كتب ظاهر الرواية المخطوطة تباعًا، حتى تعمّ الفائدة، وتكتمل المعارف الفقهية وعمله في تحقيق هذا الكتاب وفّى الغاية، وحقّق الأمل، وأجاد وأحسن في كل ما قام به من جهود مضنية، كان الصبر يحليها، والعلم والإتقان يجلّيها، والحب والإكبار للفقه يزيدها طلاوة وسعة، كما هو واضح في منهج التحقيق الذي أشار إليه في مقدمته الضافية، وتميّزت بالسعة والشمول، وبالأمانة العلمية الواضحة، وفّقه الله وأحسن إليه، وجعل جهده العلمي الطيب زيادة في حسناته، وسببًا لشهرته، وتثقيلا لميزان صفحته وعمله المبرور، فهو سليل العلم والفضل عن أبيه وأسرته في الباكستان.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
أ - د: وهبة الزحيلى
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه
بجامعة دمشق - كلية الشريعة
٨/ ١٠/ ١٩٩٨ م
1 / 8
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه العزيز: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (^١)، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين القائل "مَن يُرد الله به خيرا يُفَقّهه في الدين" (^٢). ورضي الله تعالى عن صحابته وآله أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان وسار على هَدْيهم وسَننهم إلى يوم الدين.
وبعد: فلقد كان الفقه الإسلامي من أهم الأسس والعوامل التي ساهمت في بناء الأمة الإسلامية، وتكوين حضارتها، لأنه فقه يقوم على العدالة، ويشرع الحقوق، ويصونها، ويكفل للإنسان السعادة في الدارين، ويحقق مصالحه في كل زمان ومكان ويرسم له النهج القويم في جميع مجالات حياته.
ومن هنا، ترى الفقه الإسلامي هو الأساس الذي تستند إليه الدولة الإسلامية وتستمدّ منه دستورها وأصولها.
وكان الفقه الإسلامي يمثّل في بداية التشريع مجموعة من الأحكام والفتاوى صدرت عن الرسول ﷺ في مناسبات كثيرة متجلّية في جانبي الإفتاء والقضاء.
ثم بدأت دائرة الفقه تتسع تدريجيا بعد وفاته ﷺ كما يبدو من فتاوى الصحابة ﵃ واستنباطاتهم فيما استجدّ من الحوادث، وما نزل بهم من
(^١) سورة التوبة: ١٢٢.
(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، الحديث ٧١، ومسلم في صحيحه الحديث ٢٣٨٩، وأحمد في مسنده ١/ ٣٠٦، ٤/ ٩٢.
1 / 9
وقائع ونوازل، وكانوا يعتمدون في كل ذلك على كتاب الله تعالى ويستهدون بهدي النبي ﷺ وفتاويه التي حفظوها عنه.
ثم جاء دور التابعين، فازدهر الفقه بمزيد من الأحكام والفتاوى التي صدرت عن تلاميذ الصحابة من التابعين، وازداد نشاطا في دور الفقهاء والأئمة المجتهدين، وتوسّعت دائرة الفقه والاحتهاد في ضوء الكتاب والسنة، وتشعّبت الفروع بشكل مدهش سدا لمتطلبات العصر.
وإن من سِمات الشريعة الإسلامية أن الله تعالى تكفّل بحفظها، ومِن حِفظِه لها أنه جعل العلماءَ ورثَةَ الأنبياء الذين لم يرثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، وجعل التفقّهَ في أمور الدين خيرا وأعظم قُربة. ولقد أدرك سلفنا الصالح هذا الفضل العظيم فشعروا بالمسئولية، ونذروا أنفسهم وأوقاتهم وكافة وسائلهم في سبيل العلم والتعلم، وحرصوا على حفظ علوم الدين بأساليب ونظم شتى من القضاء والإفتاء، والكتابة والإملاء، والتسجيل والتدوين، حتى تكوّنت للأمّة الإسلامية ثروة علميّة هائلة في كافّة مجالات علوم الدين.
وطالب العلم إذا أجال بصرَه فيما خلفة الأوائل من هذا، الكنوز العلمية الضخمة، التي لا تزال حبيسة في خزائن المخطوطات، دون أن يستفاد منها، أدرك عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، فجدير بكل طالب علم أن يطلع على هذا التراث العظيم المتمثل في ذلك الكمّ الهائل، ليرى قدر جهد المبذول فيها مع عدم توفر إمكانات الطباعة وقلة الوسائل في تلك العصور؛ لكي يحسّ بأهمية إبراز هذه الكنوز الدفينة إلى حيّز الوجود بعد إخراجها من الأدراج التي يعلوها الغبار وقاية من التلف والتآكل.
هكذا ترى أعظم ثروة علمية تناقلتها الشفاه، وتوارثتها الأجيال، وسجّلتها الأقلام في الإسلام هي الثروة الفقهية، لأنها تشكّل منهاجا يهيمن علي أفعال المكلفين، ويبيّن ما يتحتّم عليهم من دقيق وجليل.
وإن تحقيق كتب التراث - مع ما فيه من العناء - عمل ممتع ومفيد، مفيد للباحث نفسه حيث يساعد على تنمية قدراته العلمية، ويزيد في حصيلته الفقهية ويعوّده على ضبط
1 / 10
عبارات الفقهاء وفهم مسالكهم في الاستنباط وتأسيس القواعد الفقهية، ومفيد لأهل العلم عمومًا وطلاب العلم خصوصًا ليستفيدوا من ذلك النتاج الفكري الشامخ الذي خلفه أسلافهم الأوائل الذين طوّروا الفكر الإنساني، وشيّدوا حضارة رائدة، لا يمكن أن تصل إليها أيّ حضارة إنسانية أخرى، ومفيد للفنّ الذي يتطرق إليه الكتاب المراد تحقيقه، وخاصةً إذا كان هذا الكتاب لمن له باع طويل وملكة راسخة في ذلك الفن.
كما أن التواني والتساهل في أداء هذا الواجب يجعل هذه الذخيرة العلمية عرضة لمزيد من التلف والضياع، ويحرم الأمة من ثمراتها وتلك الأفكار العلمية الثمينة والاجتهادات الشرعية، كما تلف عمل كثير من جهابذة الفقهاء.
ومما لا شك فيه أن طلبَ العلمِ الشرعي ونشرَه من أفضل القربات ومن خير ما صُرفت له الجهودُ والأوقات، ولقد منّ اللهُ علي بفضله وهداني بتوفيقه فسَلَكتُ طريق طلب العلم الشرعي، وعزمتُ على أن أتابع التحصيلَ العلمي، حتى وقع اختياري من بين هذا التراث الغالي على تحقيق كتاب "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان، حيث تقدمت به إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض لتسجيل رسالةِ الدكتوراه في الفقه الإسلامي، فتمّت الموافقة بعنوان: "دراسة وتحقيق "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان البخاري" المتوفى سنةَ اثنتين وتسعين وخمس مائة الهجرية.
وهذا الكتاب يمثّل عملا متميزا مبتكرا بحيث نهج فيه المؤلف على منهج التأصيل، كما أنه إكمال لمصادر المذهب الأولية، فإن "الزيادات" للإمام محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله تعالى - من كتب ظاهر الرواية، أحد المراجع الأساسية المعول عليها في المذهب الحنفي، ولكن رغم أهميته ومكانته وحاجة العلماء والفقهاء والقضاة إليه، لم يحظ المتن والشرح بالعناية طباعة وتحقيقا، بل كان ومازال مخطوطا، بل إنه من الصعب العسير أن نطّلع على مسائل "الزيادات" لعدم وجود مخطوطات المتن مستقلة إلا ما تضمّن به شرحه (^١)، كما وصل إلينا "السير الكبير" للشيباني متمثلا في "شرح السير الكبير" للسرخسي.
(^١) انظر الفصل الثالث من القسم الدراسي.
1 / 11
وأضِف إلى ذلك كله أن الإمام محمد بن الحسن الشيبانى ﵀ (١٣٢ هـ - ١٨٩ هـ) له مكانة عظيمة بين الفقهاء المجتهدين، وله آراء ذات قيمة فقهية، واجتمع فيه ما لم يجتمع لغيره من أصحاب أبى حنيفة، من خصائص فقه العراق وفقه الحجاز وفقه الشام فقد تلقّى فقه العراق عن شيخيه أبى حنيفة وأبى يوسف، وتلقى فقه الحجاز عن شيخ المدينة الإمام مالك، وتلقّى فقه الشام عن شيخ الشام الإمام الأوزاعى، ثم تولى القضاء الذي أفاده علما وتجربة، وقرّب فقهه من الناحية العملية الواقعية، وأثر عن الإمام الشافعي ﵀ ثناءٌ بالغ في حق شيخه محمدِ الشيباني، مدوّنٌ في كتب التاريخ، وحكى المورخ الشهير ابنُ العِمَاد الحنبلي قولَ الإمام الشافعي: "لو أنصَف الناس الفقهاءَ لَعَلموا أنهم لم يَروا مثلَ محمد بن الحسن، وما جالستُ فقيها قطُّ أفقَهَ من محمد، ولا فتق لساني بالفقه مثلَه، لقد كان يُحسن من الفقه وأسبابه شيئا يَعجِز عنه الأكابر" وقال أيضًا: "ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن" (^١).
وكتب "ظاهر الرواية" التي رويت عن الإمام محمد ﵀ برواية الثقات، هي: المبسوط والجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير والزيادات، وهي عماد النقل والمرجع الأساسي في الفقه الحنفي، ولذلك عُني بها الفقهاء من القديم، وشرح هذه الكتب عدد كبير من الأئمة والفقهاء في عصور متلاحقة، فشرحوها وخرّجوا مسائلها وأصّلوا أصولها وفرّعوا عليها، منهم الإمام الطحاوي والكرخي والجصاص الرازي وأبو الليث السمرقندي والسرخسي والبزدوي وصدر الشهيد ابن مازه وعلاء الدين السمرقندي وفخر الدين قاضي خان والحَصيري وشمس الأئمة الكردري وغيرهم، ولم تزل تلك الشروح محفوظة في خزانات العالم.
وقد نشرت كتب ظاهر الرواية كلها، كاملة أو ناقصة، محققة أو غير محققة، إلا "الزيادات"، فإنه لا يزال مخطوطا مخفيا في خزانات العالم، بعيدا عن متناول أهل العلم، وسبب تأليفه أن الإمام محمدا ﵀ لما فرغ من تأليف "الجامع الكبير" تذكّر فروعا آخر لم يذكرها فيه، فصنّف كتابا آخر ليذكر فيه تلك الفروع، وسماه "الزيادات"، ثم تذكّر
(^١) "شذرات الذهب" ٢/ ٣٢٣.
1 / 12
فروعا أخرى، فصنّف كتابا آخر وسمّاه "زيادات الزيادات".
تبين بذلك أن "الزيادات" يُعدّ بمثابة تكملة "الجامع الكبير"، و"الجامع الكبير" من أهمّ مصنفات الإمام محمد وأعمقها وأدقها فقها، لاحتوائه على مسائل عَويصة وفروق فقهية دقيقة وعلل خفية، وروى ابن أبي العوام بسنده عن الأخفش ثناء بالغا في حق هذا الكتاب (^١) الذي يعدّ معيارا لدى الفقهاء يختبر به تفاوت مداركهم ومبلغ يقظتهم في الفقه.
وكتاب الزيادات الذي ألّفه بعد الجامع الكبير استدراكا لما فاته، يُعدّ من أبدع كتب الإمام محمد، مروي عنه بطريق الشهرة، وعني كثير من الفقهاء بشرحه عناية كاملة، منهم الإمام السرخسي، وبرهان الدين بن مازه والإمام العتّابي، والإمام قاضي خان وشمس الأئمة الكَردري وغيرهم، إلا أننا لانجد الآن في خزائن مخطوطات العالم سِوى شرح العتابي وشرح قاضي خان.
والإمام فخر الدين قاضي خان أحد الأعلام المجتهدين البارزين، له مكانة سامية بين الفقهاء الحنفية حيث يُعدّ من "طبقة المجتهدين في المسائل"، وكبار الفقهاء المتأخرين من ابن الهمام وابن نجيم والزيلعي والحصكفي وابن عابدين كلهم يعتمدون على تصحيحه وترجيحه. وفتاواه الشهيرة نالت أسمى مكانة في الإفتاء، وتداولتها أيدي الفقهاء في كل زمان ومكان.
ويعتبر "شرح الزيادات" لقاضي خان أقوم وأنفس شرح للكتاب، والمزية الجلية المنفردة التي يتحلّى بها هذا الكتاب وتزيد قيمتَه العلمية هي أن الإمام قاضي خان سلَك فيه على "مسلك التأصيل"، ويراد به الاعتناء بتمهيد الأصول من القواعد العامّة والضوابط الفقهية أوّلا ثم التفريع عليها ثانيا، حيث التزم في مستهلّ الأبواب من بداية الكتاب إلى نهايته، بوضع تمهيد يشتمل على بيان القواعد والضوابط الفقهية التي تنبني عليها الفروع التي ذكرها الإمام محمد في الباب، وبذلك تسهل معرفة وجوه التفريعات.
ولا شك أن هذا المسلك - أي "مسلك التأصيل" - يقرّب المسائل إلى الأذهان وينمّي عقلية الباحث ويروض فكره، ويربّى ملكته الفقهية المؤهلة للاستدلال والترجيح، القادرة
(^١) انظر مقدمة "الجامع الكبير" ص ٢ للأستاذ أبي الوفاء الأفغاني.
1 / 13
على تفريع المسائل من القواعد العامة.
يقول الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي في كتابه "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير في شرح الجامع" الكبير للإمام الحصيري تلميذ قاضي خان:
"عرف الإمام قاضي خان بمكانته المرموقة عند الحنفية وبفتاواه الشهيرة بالفتاوى الخانية كما تقدم، ولكنك تجد جهوده في جانب التأصيل مغمورة إلى الآن، وذلك يرجع إلى عدم ظهور كتابه "شرح الزيادات"، فإنه يمثل ظاهرة تقعيد الأصول ثم التفريع عليها خيرَ تمثيل، ويضع لبنة جديدة في هذا المجال، رغم وجود محاولات سابقة أخرى، بما يتميز من الدقة والثقة والإحكام" (^١).
فهو كتاب فقه وتفقيه، وحافل بالنفائس ومتميز بخصائص علمية، ويضمّ كمًا هائلا من القواعد والضوابط الفقهية، ومنها ما لا يتوافر في كتب القواعد المتداولة، ولا شك أن هذه القواعد ثروة ثمينة للتراث الفقهى، والكتاب حقيق بأن يعدّ مصدرا هامًا في مجال علم القواعد.
أهميّة وأسباب تحقيق هذا الكتاب باختصار:
ولقد دعاني لتحقيق هذا الكتاب الجليل أسباب عديدة، أهمها ما يلي:
١ - خدمة الفقه الإسلامي وطلابِه بإحياء كتب الفقهاء السابقين للاستفادة من علمهم وجهودهم، فإن تحقيق كتب فقهية يساعد على تنمية قُدرات الباحث العلمية، ويزيد في حصيلته الفقهية، ويعوّده على ضبط عبارات الفقهاء وفهم مسالكهم في الاستنباط.
١ - إنه إكمال كتب ظاهر الرواية، المرجع الأول والمصدر الأساسي للفقه الحنفي الذي لا يمكن الغناء عنه، فإخراجه إتمام لمصادر المذهب الأولية.
٢ - إحياء المتن والشرح مع التحقيق والدراسة، فكلاهما مخطوط لم يتيسر الوصول إليهما.
٣ - علُوّ منزلة الكتاب الفقهية فإنه كتاب ثاني يظهر في شروح كتب "ظاهر الرواية" بعد "شرح السير الكبير" للسرخسي.
(^١) "القواعد والضوابط" ص ١٧٠.
1 / 14