764

Shamāʾil al-Rasūl

شمائل الرسول ﷺ

Publisher

دار القمة

Edition

-

Publisher Location

الإسكندرية

أما عن علمه ﵁ فإنه ما حرص هذا الحرص الشديد على مجاورة النبي ﷺ إلا بعلمه بمدى البركة التي ستناله من هذا الجوار المبارك، وهذا، والحمد لله، مشاهد لكل أحد.
كما تبدو حكمة عمر ﵁ أنه لما أراد أن يستأذن عائشة ﵂ قال لابنه: (ثم سلها أن أدفن مع صاحبيّ)، فأراد بأسلوب فيه الأدب واللطف، أن يبرر لها طلبه، ويستحثها على الموافقة، بأن يذكرها بمكانته من النبي ﷺ فقال: (صاحبيّ) فلما كان له شرف مصاحبتهما الشديدة في الدنيا، رأى أنه له الحق في مثل هذا الشرف بعد الموت، ولو قال لها: أريد أن أدفن مع رسول الله ﷺ لاستوى هو وغيره من عموم المسلمين، الذين لهم جميعا الحق في هذا الطلب، لكونه ﷺ رسولا إليهم جميعا، ولكن من يسامي الصديق والفاروق في شرف الصحبة الخاصة؟ ... لا أحد.
الفائدة الثانية:
في مناقب أم المؤمنين عائشة ﵂ ويتبين ذلك من:
١- إرادتها أن تدفن بجواز النبي ﷺ وما قلته عن عمر ﵁ في هذه المسألة، ينطبق هنا أيضا، فلا داعي للإعادة، قالت أم المؤمنين: (كنت أريده لنفسي) .
٢- إيثارها عمر بن الخطاب ﵁ في المضجع الذي كانت تتمناه لنفسها، قالت:
(فلأوثرنه اليوم على نفسي)، مع أن أحدا لا ينكر أحقيتها بهذا المكان، حيث إنه بيتها، والمدفون فيه زوجها ﷺ الذي كان لا يحب أحدا مثلها، ثم أبوها، الصديق ﵁ وأعتقد أنها آثرت عمر ﵁ اعترافا بفضله وحسن صحبته للرسول ﷺ فكأن هذا رد منها للجميل.
الفائدة الثالثة:
بل هي الفائدة الأولى في الأهمية، وهي أن عظيم بركة النبي ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، كعظيم بركته وهو حي ﷺ سواء بسواء فالمكان الذي يضم جسد النبي ﷺ قطعا لا يستوي مع غيره من الأمكنة، وإلا ما حرص عمر ﵁ أن يدفن في هذا المكان، ويكون ذلك هو كل شغله الشاغل، وكذا عائشة ﵂، ولا يخفى على أحد ما للاثنين من علم وفقه واتباع للسنة، فاق الجميع، ويتفرع على ذلك مسألتان:
المسألة الأولى: ما خص الله ﷾ به أبا بكر وعمر، ﵄ من فضل، إذ لم يكن لأحد من هذه الأمة شرف جوار الرسول ﷺ بعد موته إلا لهما، فسبحان الله الذي جعل الجزاء من جنس العمل، وهذا واضح في هذا الأمر وضوح الشمس في رابعة النهار، وصدق الله الذي قال: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠)، وما أجمل عطاء الله الجواد الكريم، الذي يكافئ على القليل بالكثير، فالعبد إذا قام بعبادة الله. ﷾. طوال

2 / 288