635

Shamāʾil al-Rasūl

شمائل الرسول ﷺ

Publisher

دار القمة

Edition

-

Publisher Location

الإسكندرية

أن يطلع عليها الناس، فقد تكون هذه من علامات الرياء.
الفائدة السّابعة:
الأخذ بالأسباب سنة الأنبياء، وهي لا تنافي التوكل على الله- ﷿، فالتوكل كما يعرّفه العلماء هو الأخذ بالأسباب مع قوة اليقين والثقة بالله، وغير ذلك لا يكون توكلا، ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في باب قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئا حتّى يأتيني رزقي. فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النّبيّ ﷺ: «إنّ الله جعل رزقي تحت ظلّ رمحي» «١» وقال: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا» «٢» . فذكر أنّها تغدو وتروح في طلب الرّزق قال: وكان الصّحابة يتّجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم) «٣» . انتهى.
وسنة نبينا كلها مملوءة بمظاهر أخذه بالأسباب، منها حديث الباب في قول عائشة:
(قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك)، والتزود هو استصحاب الزاد، أمرنا الله به في محكم التنزيل، قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [البقرة: ١٩٧] .
ومن أراد أن يأخذ الدروس والعبر في حرص النبي ﷺ على الأخذ بالأسباب، فعليه بقراءة ما جاء في الهجرة المباركة، فكل خطوة خطاها النبي ﷺ أخذ فيها بأحسن الأسباب، كأن الهجرة كانت لتعليم الأمة الأخذ بالأسباب. ومن لا يأخذ بالأسباب ويدعي أن هذا هو منتهى التوكل، أقول له: أأنت أعلم أم الرسول ﷺ؟! أأنت أشد توكلا أم الرسول؟، أقول له في النهاية: ماذا تقول في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧]، فأثبت الرماية لرسوله الكريم ﷺ، وكان التوفيق والتسديد منه- ﷿ ولكن جاء بعد الأخذ بالأسباب.
الفائدة الثّامنة:
ما كان عليه الصحابة من تعظيم أمر الوحي، وما أنزل من الله- ﷿، فكانوا يرون أنه الحق، والحق هو الصدق في الإخبار والعدل في الأحكام، ومن تلقى الوحي بهذا الاعتقاد، سارع في إقامة حدوده بتسليم وقبول، ورضي واطمئنان، لا

(١) البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: ما قيل في الرماح.
(٢) الترمذي، كتاب: الزهد، باب: في التوكل على الله، برقم (٢٣٤٤) وابن ماجه، كتاب: الزهد، باب: التوكل واليقين، برقم (٤١٦٤) .
(٣) فتح الباري (٦/ ١١٣) .

2 / 158