السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١] إلا أنه ﷺ من كمال أدبه ورفيع خلقه لم يلتفت يمنة أو يسرة للنظر في هذا الملكوت العظيم، والذي ليس به موضع شبر واحد، إلا وفيه آية من آيات الرب- ﵎، ولكنه ﷺ لم يمتد بصره إلا لما أذن الله له أن يرى، ولن يستطيع أحد مهما أوتي من علم وحكمة أن يتصور مثل هذا الخلق الرفيع أو يقيمه أو يقدره، وليس هذا من باب المبالغة، والسبب في ذلك أن أحدا منا لن يستطيع أن يتصور بعقله عظيم ملكوت الله وما به من آيات كبيرة، والتي استطاع النبي ﷺ بخلقه أن يقصر نظره عنها، فهو خلق عظيم يتناسب مع ما في ملك الله من آيات، فهل بعد هذا الخلق من خلق.
وتصور أخي القارئ أنك دخلت قصرا لملك من ملوك الدنيا تعلم أن فيه ما لم تره عينك ولم تسمع به أذنك ولم يخطر من قبل على قلبك، فكم من أدب تحتاج أن يكون معك حتى لا تنظر يمنة أو يسرة، وشتان شتان بين ما عند الله- ﵎ من آيات وما عند الملوك، والفارق بينهما كالفارق بين الثرى والثريا، بل الفارق أعظم من ذلك بكثير، ولولا أن هذا الفعل من النبي ﷺ كان خلقا رفيعا منه، ما ذكره الله- ﷾ في القرآن العظيم في سياق الثناء والمدح.
وأقول: إذا كان هذا خلقه ﷺ فيما لا يقدر عليه غيره، فكيف يكون خلقه فيما يقدر عليه غيره، وإذا كان هذا الأدب منه ﷺ فيما لم يؤمر، فكيف يكون أدبه ﷺ فيما أمر به أو نهي عنه. قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: (قال ابن عباس- ﵄: ما ذهب يمينا ولا شمالا وما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة فإنه ما فعل إلا ما أمر به ولا سأل فوق ما أعطي، وما أحسن قول الناظم:
رأى جنة المأوى وما فوقها ولو ... رأى غيره ما قد رآه لتاها «١»
وقال الشيخ السعدي ﵀: (وهذا كمال الأدب منه ﷺ أن قام مقاما أقامه الله فيه، ولم يقصر عنه ولا تجاوزه ولا حاد عنه، وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور إما ألا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط أو على وجه الإفراط، أو على وجه الحيدة يمينا وشمالا وهذه الأمور كلها منتفية عنه ﷺ «٢» .
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٥٣) .
(٢) تيسير الكريم الرحمن (٨١٩) .
2 / 148