(ومعك يا رسول الله) ولكن انظر كيف توسطت وتأدبت، مع مقام النبوة، حيث قالت:
(ومعك يا رسول الله) ولم تذكر في كلامها الشيطان ولم تنسبه إلى رسول الله ﷺ، مع أنه قال لها: «أوقد جاءك شيطانك» . وهذا الأدب ينبغي لنا أن نتحلى به عند الحديث عن رسول الله ﷺ. وكنت قد بوبت هذا الباب بعنوان: (إسلام شيطانه)، ثم رأيت أن هذا من سوء الأدب مع النبي ﷺ، حيث نضيف إليه الشيطان، فغيرت العنوان إلى: (إسلام قرينه)، ولما تدبرت الحديث؛ علمت أن هذا الأدب، قد سبقتني إليه أم المؤمنين ﵂ فسبحان من جعلهم يسبقوننا في كل خير، ولا نسبقهم في أي شيء.
الفائدة الثالثة:
بشرية النبي ﷺ، فهو بشر، يجري عليه كل ما يجري على البشر من سنن الله الكونية، ولا نثبت له ما يخالف البشرية، إلا بدليل من الكتاب أو السنة، حتى لا نقع في الغلو الذي نهينا عنه، والذي أهلك من كان قبلنا، فقد روى البخاري عن ابن عبّاس سمع عمر ﵁ يقول على المنبر: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» «١» .
فما كان لنا أن نحكم أو نعتقد بإسلام قرين النبي ﷺ إلا بعد ثبوت الدليل على ذلك، ويجب أن يكون الدليل صحيحا صريحا، حتى لا نقع في الكذب على الله ورسوله ﷺ، وقد أثبت الله- ﷿، في القرآن الكريم، بشرية النبي ﷺ في آية لا تحتمل التأويل قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الكهف: من الآية ١١٠] .
وهذه الآية أصل أصيل في إثبات كل الصفات البشرية للنبي ﷺ إلا ما ورد الدليل بغيره، وقد فهمت عائشة ﵂ ذلك، وأثبتته في الحديث؛ لأنه لما وضح لها أن الشيطان مع كل إنسان، وكانت عائشة تتيقن أن النبي ﷺ إنسان، له صفات كل إنسان، سألته فقالت: (ومعك يا رسول الله) . ولولا علمها بذلك، ما سألته عن القرين أو حتى كانت تستحي أن تسأله عن ذلك، ولولا أن النبي ﷺ بشر، فيه كل صفات الإنسان، لأنكر عليها السؤال، أو وجهها إلى الحق في المسألة، ولكنه ﷺ أقرها على سؤالها، وبين لها الإجابة غاية البيان.
وأنصح كل من يقرأ كتابي هذا- مع تواضعه-، في حق خير المرسلين ﷺ، ألايأخذ منه ما يشتهي، ويترك منه ما لا يعجبه، كإثبات بشرية الرسول، لأن من فعل ذلك، فقد
(١) البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، برقم (٣٤٤٥) .
2 / 108