مذاهبهم ومشاربهم ولغاتهم، لأنه لو لم يكن صالحا لكل أحد لوجب الاستحداث فيه لجبر عدم الصلاح، فمنع الشارع الحكيم للاستحداث دلّنا على صلاحه ومناسبته، ويتبين من ذلك ضلال من يستحدث في العبادات- خاصة الذكر والأوراد- بدعا بحجة مناسبتها للعوام من المسلمين، وأن تلك الأذكار ترقق قلوبهم وهي على قدر عقولهم، وهذا منكر من القول، بل طعن في كما لهذا الدين، فهل نسي الشارع الحكيم أو غفل- حاشا لله- أن يشرع للعوام ما يناسب عقولهم ويفي بحاجاتهم، أم أن هناك قصورا في الشرع الحنيف في هذا الأمر، فجاء من يتمه ويكمله؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
الفائدة الثالثة:
في الحديث بيان ما أوتيه النبي ﷺ من جوامع الكلم، حيث إن أعمال العباد لا تخرج عن قسمين: قسم دل عليه الكتاب والسنة، وقسم ليس له أصل من كتاب أو سنة، فحكم ﷺ على القسم الثاني من الأعمال بالرد وعدم المشروعية بجملة في غاية القصر «فهو رد»، وحكم ﷺ على القسم الأول من الأعمال بالقبول بمقتضى مفهوم المخالفة.
الفائدة الرابعة:
الخير كل الخير في اتباع السنة، بل هو مدار الأمر كله، وهو الأحب إلى الله ﷿، فمن أتى باتباع مع قصد العبادة، فهو أحب إليه- ﷾ ممن أتى بكثرة في العبادة مع ابتداع فيها، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قد غضب ممن أخذ بالعزيمة في بعض الأمور التي أخذ فيها النبي ﷺ بالرخصة، روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: صنع النّبيّ ﷺ شيئا فرخّص فيه، فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فخطب فحمد الله ثمّ قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» «١» .
قال الحافظ ابن حجر- ﵀: (والمراد هنا أن الخير في الاتباع سواء كان ذلك في العزيمة أو الرخصة، وأن استعمال الرخصة بقصد الاتباع في المحل الذي وردت أولى من استعمال العزيمة بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحا كما في إتمام الصلاة في السفر، وربما كان مذموما إذا كان رغبة عن السنة كترك المسح على الخفين، وأومأ ابن بطال إلى أن الذي تنزهوا عنه القبلة للصائم، وقال غيره: لعله الفطر في السفر، ونقل ابن التين عن الداودي أن التنزه عما ترخص منه النبي ﷺ من أعظم الذنوب لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله ﷺ وهذا إلحاد) «٢» .
(١) البخاري، كتاب: الأدب، باب: من لم يواجه الناس بالعتاب، برقم (٦١٠١) .
(٢) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٢٧٩) .
2 / 17