459

Shamāʾil al-Rasūl

شمائل الرسول ﷺ

Publisher

دار القمة

Edition

-

Publisher Location

الإسكندرية

عنهما: (كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه)، وأعتقد أن هذه الشدة التي كان يعانيها ليست من مجرد تحريك الشفتين، بل مما كان يشعر به من خوف واضطراب من تفلت القرآن، بالإضافة إلى استجماع كل قوته الذهنية لتحصيل الحفظ من أول سماع للآيات، فمن الطبيعي حدوث مثل هذه المشقة ووجه بيان همته العالية هنا، أنه ﷺ حمل نفسه عملا فيه مشقة بالغة، مع أن الله- ﷿ لم يكلفه به.
الفائدة الثانية:
عناية الله- ﷾ بنبيه الكريم ﷺ، وتتبين مظاهر هذا الاعتناء في:
١- رؤية المولى- ﷾ لكل أحواله ﷺ وهي رؤية خاصة، أي رؤية عناية لا رؤية إحاطة، ودليله أن الله- ﷾ إذا رأى منه تحريك اللسان والشفتين، فمن باب أولى قد رأى ما هو أكثر من ذلك وأعظم.
٢- إنزال المولى- ﷿ قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يثبت للنبي ﷺ تلك المعالجة، والعجيب أن الآية الكريمة لا تثبت المشكلة- وهي استعجال النبي ﷺ حفظ القرآن- وحلها فحسب، بل تثبت قيام النبي ﷺ بتحريك لسانه، ولولا علو شأنه ﷺ عند ربه، ما ذكرت الآية أقل الأمور- في نظرنا-، وهو تحريك اللسان.
٣- إرادة المولى- ﷾ رفع تلك المشقة عن نبيه ﷺ قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
فلم يأمره- ﷾ أن يحفظ القرآن بعد انصراف جبريل ﵇ بل وعده أن يجمعه له في صدره ويقرأه كما قرأ جبريل ﵇ دون أدنى كلفة أو معاناة من النبي ﷺ، يقول ابن عباس ﵄: (فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذ آتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه النبي ﷺ كما قرأه) .
يتفرع على ذلك: عظيم عناية المولى- ﷾ بالقرآن العظيم حيث تكفل بحفظه في صدر النبي ﷺ ولم يوكل هذا الحفظ لمخلوق سواء من البشر أو من الملائكة لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
فالجمع في الصدر من الله، أو في أقل تقدير بأمر الله- ﷾ أما قوله: فَإِذا قَرَأْناهُ
، أي تلوناه، فالتلاوة قطعا من جبريل ﵇ وإن كان نسب القراءة إليه سبحانه، وذلك لبيان أنه سبحانه هو الآمر بها.
وبذلك ضمن الله- ﷿ لهذه الأمة عدم وجود أي اختلاف بين القرآن الذي في اللوح المحفوظ، وبين ما جمع في صدر النبي ﷺ فالذي نزل به من اللوح المحفوظ، هو

1 / 467