Shadharāt min kutub mafqūda fī al-tārīkh
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
Publisher
دار الغرب الإسلامي-بيروت
Publisher Location
لبنان ص.ب
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
هنالك كتب يقول من يجوس خلال رياضها: حقًا لقد وقعت على كنوز متعددة متنوعة، لا على كنز واحد. من تلك الكتب تاريخ دمشق لابن عساكر وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم. وقد عايشت هذا الكتاب الثاني سنوات طويلة وكنت في كلِّ مرة أكتشف فيه أشياء جديدة. ولا ريب في أنَّ كمال الدين ابن العديم كان يملك مكتبة نادرة، وحرصا على العلم، وخطًا جميلًا، بالإضافة إلى ما كان يعمر في قلبه من محبة لحلب، ولمعالمها وللقرى والدساكر والحصون التابعة لها. وفيه تتجلى إلى جانب ذلك كله دقة المعالم، وحصافة الناقل. وعلى مدى الأيام أصبح كتاب بغية الطلب صديقًا مؤنسًا، تارة أفهرس المواد التي أجدها فيه مفيدة لي في أبحاثي، وتارة أحاول ترتيب القرى المذكورة فيه؟ أرتبها على حروف المعجم وأعرِّف بها بالمقارنة مع المعاجم الجغرافية الأخرى؛ ولكن أكبر ما أقدمت عليه بوحي منه هو التعرف إلى مصادره الكثيرة، وكثير منها نادر. وكان أن أخذت أجمع النقول المأخوذة من كتاب واحد، وأضعها في نطاق، لكي يتمَّ لي تصوُّر المصدر الأصليّ الذي عنه أخذت، ومصادر بغية الطلب تعدّ بالعشرات، ولهذا كان عملي في البداية " ألهية " تؤدي إلى المعرفة وترسخها، ثم تطورت هذه الألهية حين حاولت أن أتجاوز بغية الطلب، وأبحث عما نقل في غيره من هذا المصدر أو ذاك. عندئذٍ اتسع نطاق العمل كثيرًا، وفي مدى سنوات ركَّزت على ثلاثين بابًا، وأهملت ما عداها، وراعيت أن تكون هذه الكتب في ميدانين أحببتهما وهما التاريخ والأدب.
1 / 1
وليكن القارئ على ثقة بأن ما لم أورده من الكتب أكثر بكثير من العدد الذي أوردته، لا استقلالًا من شأن ما أغفلت، وإنما لأنَّ العمل في ثلاثين كتابًا، وتحقيق حال مؤلفيها، كان عملًا مرهقًا، فكيف بطلب الشمول في إيرادها كلها. غير أن ما بقي مما لم يرد في هذا المجموع مثير للنزوع إلى الاطلاع بكثرته وتنوعه. فمن كتب الأنساب؟ وحدها؟ نجد ابن العديم يعتمد المصادر التالية:
١ - نسب بني العباس لأبي موسى هارون بن محمد بن إسحاق العباسي.
٢ - كتاب المعقبين من ولد الحسن والحسين للحسن بن جعفر النسابة.
٣ - أنساب بني صالح بن علي بخط القاضي أبي طاهر صالح بن [؟.] الهاشمي.
٤ - المجرد في النسب للشريف أبي الغنائم عبد لله بن الحسن بن محمد الزيدي.
٥ - نزهة عيون المشتاقين في النسب للشريف أبي الغنائم الزيدي.
٦ - المنصف النفيس في نسب بني إدريس لمحمد بن أسعد الجواني.
٧ - نزهة القلب المعنَّى في نسب بني المهنا لمحمد بن أسعد الجواني.
٨ - الجوهر المكنون لمحمد بن أسعد الجواني.
٩ - القرع والشجر في النسب لأبي الحسين محمد بن القاسم التميمي.
١٠ - ديوان العرب وجوهرة الأدب وإيضاح النسب لمحمد بن حمد بن عبد الله الأسدي.
١١ - مشجرة ولد العباس لبي المنذر علي بن الحسين بن طريف النسابة.
١٢ - الكتاب المجدي في أنساب الطالبيين لأبي الحسن علي بن محمد العلوي المعروف بابن الصوفي.
هذه اثنا عشر كتابًا في علم واحد، لا أحسب أن واحدًا اطلع عليها أو اهتمَّ بالبحث عنها؛ فماذا أذكر من كتبٍ في علوم أخرى؟ بل إن التاريخ الذي استغرق معظم هذا المجموع أرجأت الحديث عن كثير من مصادره، وعرض نصوصه: مثل تاريخ الفرغاني وتاريخ ثابت بن سنان وتاريخ السليل بن أحمد بن عيسى ومختصره
1 / 2
للشمشاطي، وتاريخ جمعة أبو إسحاق ابن حبيب السقطي، وتاريخ لعمر بن محمد ابن عبد الله العليمي، وتاريخ الرئيس حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي، وتاريخ جمعة الرئيس أبو علي الحسن بن علي بن الفضل الرازي، وتاريخ يحيى بن علي ابن عبد اللطيف بن زريق، والتاريخ المحدد لأبي الحسين محمد بن العباس بن محمد بن الحسن الكتاني الدمشقي، وغير ذلك كثير.
إن هذه الكثرة الهائلة من المؤلفات التاريخية وحدها؟ سواء منها ما عرضت له وما لم أعرض له؟ تجعل من المحتوم إعادة النظر في " تاريخ التاريخ " وعدم الاكتفاء في تصور تاريخ التأليف التاريخي على ما هو مطبوع.
فهذا الكتاب ليس سوى معرض لثلاثين كتابًا أكثرها في حكم المفقود، فهي على ما تقدمه من فوائد للباحثين كانت دفينة، تفتح المجال أمام المهتمين بالتراث، لكي يضيفوا إلى كل كتاب فيها ما يجدونه من نصوص فاتتني، ولا ريب في أنه فاتتني نصوص كثيرة، ولكي يضيفوا إلى الكتب الثلاثين كتبًا أخرى ذات قيمة. وهذا " المعرض الجديد " مؤشر على شيئين: أولهما على كثرة الكتب المهمة التي ضاعت أو ما تزال مختفية، وثانيهما على مبلغ النقص في بعض الكتب التي نشرت.
ويؤكد هذا الكتاب أن القرن السابع الهجري قد رزق ثلاثة رجال كبار متقاربين لأنهم جميعًا كانوا يأوون إلى حلب وهم ياقوت والقفطي وابن العديم، ويتميز الأول بأنه كتبي " مثقف " لا يكتفي أن يكون نسخه للكتب مصدر رزق، بل أن يكون أيضًا مصدر ثقافة، ولذلك فإن إطلاعه لا يقل عن إطلاع زميليه الثريين اللذين يملك كل منهما مكتبة تضمَّ مئات من الكتب، وتتضح صورة هؤلاء الثلاثة في هذا الكتاب، لأنهم جميعًا اشتركوا في الاطلاع على مصادر بأعيانها وأفادوا منها في ما ألفوه من الكتب.
وأنا على يقين من أن الدارسين من ذوي الجد والحرص على العلم سيجدون في فهرس هذا الكتاب ما يسعفهم على الإفادة منه في دراساتهم وبخاصة لأنه يضم ثلاثين كتابًا، وذلك عدد غير قليل في شموله وتنوع مادته.
1 / 3
ولا يفوتني في خاتمة هذه الكلمة المجزة أن أتوجه بالشكر الجزيل لدار الغرب الإسلامي، وأخص بذلك صديقي الصدوق الحاج الحبيب اللمسي الذي استطاع في مدةٍ تعد قصيرة في عمر نشر الكتب أن يصدر عددًا من أروع كتب التراث وأهمها، وأن يعيد إلى الناشر العربي الذي تغوّل على حقله زمرة من الأدعياء، الثقة التي فقدها، باحترامه للكتاب؟ مادة وصفًّا وورقًا وتجليدًا وفهرسةً؟ وباحترامه للكتاب والمحقق، على كل صعيد. وفقه الله في خدمة التراث العربي الإسلامي، وكلأه برعايته، وشملني برحمته، وجعل الخير لي منهجًا وغاية، إنه سميع مجيب.
في ٢٠ أيلول (سبتمبر) ١٩٨٧
الجامعة الأردنية
إحسان عباس
1 / 4
أخبار البرامكة
لأبي جعفر
عمر بن الأزرق الكرماني
1 / 9
فراغ
1 / 10
لم أجد له ترجمة، ولكن يؤخذ من المعلومات التي نقلت من كتابه أنه عاصر الجاحظ، وسمع منه بعض أخبار البرامكة، كما أنه التقى رجلًا معمرًا شهد عصر هشام أو جانبًا منه، وكان الرجل لدى لقائه للكرماني قد زرَّف على المائة (تقديرًا حوالي ٢٢٥) كذلك أدرك الكرماني بعضًا من مشايخ الدعوة العباسية.
وينقل الطبري في تاريخه (٣: ٥٧٢، ٥٧٣، ٥٧٥، ٦٠٣، ٦١٣، ٦٨٣) عن شخص يدعى أبا حفص الكرماني، فالكنية والنسبة تطابقان ما لدينا هنا، ومما يرجح أن الذي ينقل عنه الطبري هو أبن الأزرق نفسه اتصال المادة التي ينقلها بالبرامكة، وهنالك نجد أن أكثر أعتماد الكرماني المؤرخ على الرواية عن محمد بن يحيى بن خالد، فهو قد لحق الجيل الثالث من بني برمك ولعله لم يدرك تاريخ النكبة نفسها.
ولسنا نجد معظم الرواة الذين يرفع إليهم الكرماني أسانيده، فمثلًا لا نجد ذكرًا لبشر بن حرب بن يزيد الطالقاني بين مشايخ الدعوة لدى الطبري، إلا أن الطبري يذكر علي بن عصمة الذي يروي عنه بشر بن فاسنك. ومن المهم أن نجد الخبر الذي يرويه الطبري عن علي بن عصمة متصلًا بخالد بن برمك، إذ جاء فيه (فذكر عن علي بن عصمة أن خالد بن برمك خط مدينة أبي جعفر له وأشار بها عليه؟)، ثم ذكر أن المنصور استشاره في نقض الإيوان فحاول أن يثنيه عن ذلك، والقصة مشهورة تتردد في مصادر كثيرة (١)، على أية حال لا يخفى مما دونه ابن
(١) الطبري ٣: ٣٢٠.
1 / 11
الأزرق ذلك الميل لإعطاء خالد بن برمك دورًا كبيرًا في الدعوة العباسية يمهد لتلك المكانة التي بلغها ابنه وحفدته من بعد في بنية الدولة نفسها.
- ١ - (١)
حدثني إسحاق البلخي الشاعر، وكان معمرًا قد زرَّف على العشرين والمائة السنة، أي أرمى عليها، أنه رأى برمك قدم على هشام بن عبد الملك في خمسمائة شاكريٍّ فأكرمه وأعلى منزلته وأعجب به ثم أسلم، فرأيته جليل القدر عنده عظيم الموقع منه.
- ٢ - (٢)
وحدثني سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وكان يحمل الحديث عنه قال: حدثتني رضوى حاضنة أبي أن خالد بن برمك (٣) كان يبيت مع مسلمة في لحاف واحد وهما صبيان، وأنه نشأ معه في موضع واحد، قال سعيد: وكان مسلمة أبي لا يولد له فوصف له برمك دواء فتعالج فولدتُ له، فكانوا يسموني البرمكي على عهد هشام؟
وحدثني شيخ قديم قال: وكان برمك واقفًا بباب هشام فمرَّ به محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس فأعجبه ما رأى من هيئته، فسأل عنه فأخبر بقرابته من النبي ﷺ فقال لابنه خالد بن برمك: يا بني إن هؤلاء أهل بيت النبي ﷺ وهم ورثته وأحق بخلافته، والأمر صائر إليهم، فإن قدرتَ يا بنيَّ أن يكون لك في ذلك أثر تنال به دينًا ودنيا فافعل. قال: فحفظ خالد ذلك عنه وعمل عليه عند خروجه في الدعوة، وكان خالد بن برمك أحد العشرين الذين اختارهم الشيعة لإقامة الدعوة بعد النقباء الاثني عشر. .
سار برمك (يعني من عند هشام بن عبد الملك) حتى قدم جرجان فنزل على
(١) بغية الطلب ٣: ٢٢.
(٢) بغية الطلب ٥: ٣٣٧.
(٣) ولد خالد سنة تسعين وتوفي سنة ١٦٥.
1 / 12
يزيد بن البراء وأعلمه ما صار إليه من الخليفة، وزوج ابنه خالد بن برمك من أم خالد بنت يزيد، وكان خالد أحبّ ولده أليه، وكان يقول له فيما ذكر المشايخ عنه: به يجبر الله ولدي وأهل بيتي؟
وحدثني عمروا بن بحر الجاحظ قال، حدثني ثمامة بن أشرس قال: كان أصحابنا يقولون: لم يكونوا يرون لجليس خالد بن برمك دارًا إلا وخالد قد بناها له، ولا ضيعة إلا وخالد ابتاعها له، ولا ولدًا إلا وخالد وهب له أمه، ولا دابة إلا وخالد وهبها له إمّا من نتاجه أو غير نتاجه؟
وحدثني بشر بن حرب بن يزيد الطالقاني وغيره من مشايخ الدعوة أنهم يسمون خالد بن برمك أمين آل محمد؟
وحدثني بشر بن فاسنك، شيخ من أهل الباميان، عن علي بن عصمة قال: كان يقال: ما أحد من أهل خراسان إلا ولخالد بن برمك عله منِّة، وذاك أنه قسّط الخراج عليها فأحسن فيه إلى أهلها؟
وكان خالد بن برمك سمع من أبيه ذلك القول في محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس وحفظ عنه، وبحث عن الأمور بعد أبيه حتى انكشف له، فكاتب الإمام وراسله، وكانت رسل الإمام تأتيه وأمره ونهيه يرد عليه، وصير من الدعاة الذين يتلون النقباء، فكان اسمه في كتاب الدعوة فيهم مع نظرائه من الدعاة حتى حدث من أمر البرامكة في أيام الرشيد ما حدث، فأسقطه منه أبو عصمة وغيره من الشيعة تقربًا إلى الرشيد بذلك، فهو يوجد في خواصَّ الكتب؟
فحدثني أبو يحيى الخليل الشيعي قال: قدم عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك على الإمام، فقال لعبد الملك: نعم العون أنت لنا فأنت أبو عون، وأنت يا خالد فإنك ستصير وزيرًا لولد العباس فأنت أبو العباس، فهو الذي كنّاهما، قال: وكان خالد بن برمك فيما بين جرجان وطبرستان والريّ وتيك النواحي فيدعوا لبني هاشم ويظهر أنّ اختلافه في التجارة، فيجلب معه الدواب والرقيق إلى تلك الكور على خوف شديد ومخاطرةٍ عظيمة لم يكن يظن بأحد هذا الرأي فضلًا
1 / 13
عن الدعاء إليه إلا أتى عليه وعلى أهل بيته، وقد أُخِذَ خالد في ذلك غير مرة فتأتَّي واحتال حتى تخلص؟
[وبعد ذكر البيعة للسفاح قال]: وأدني خالد بن برمك إلى الإمام أبي العباس وهو في محملٍ من الجراحة التي كانت به، فظن أبو العباس أنه من العرب لما رأى من فصاحة لسانه وهيئته فقال: من الرجل؟ قال: مولاك يا أمير المؤمنين، قال: فمن أنت رحمك الله؟ قال: أنا من العجم، قال: فمن أنت منهم؟ قال: أنا خالد ابن برمك. ووصف له حالهم التي كانت بخراسان قبل الإسلام، وأن الله هداهم بهم أهل البيت وأنه في محبتهم والتشيع لهم كما قال الكميت:
وما ليَ إلا آلَ أحمدَ شيعةٌ ... وما ليَ إلا مَشْيَعَ الحقِّ مشعب قال: فأعجب به أبو العباس، وأقر خالد بن برمك على ما كان يتولى في المعسكر من الغنائم، ثم جعل ديوان الخراج وديوان الجند إليه. ولما صار الديوانان إلى خالد بن برمك حسن فيهما مذهبه وكثر حامده، وعلى يديه جرت قطيعة العكي وقطيعة أبي حميد وقطائع كثيرة غير ذلك. وكانت الدفاتر في ديوان الجند صحفًا مدرجة فجعلها خالد بن برمك دفاتر، فهو أول من فعل ذلك، وأول من جعل ديوان الجند على ما هو عليه اليوم. وحسن حال خالد بن برمك عند أبي العباس وجلَّ قدره عنده ووضعه في موضع المشاورة في الأمور وحلَّ محلَّ الوزير؟
ودفع أبو العباس إلى خالد بن برمك ابنته ريطة بنت أبي العباس فأرضعتها زوج خالد وربتها، وأرضعت أم سلمة زوج أبي العباس أمير المؤمنين أم يحيى بنت خالد بلبان ابنتها ريطة؟
وحدثني إسحاق بن إبراهيم عن هارون بن ديزويه قال: دخل خالد يومًا على أبي العباس فقال له: يا ابن برمك، أما رضيتَ حتى استعبدتني؟ قال: ففزع خالد لذلك وقال: وكيف يا أمير المؤمنين؟ بل أنا عبدك، فضحك أبو العباس وقال: ريطة بنت أمير المؤمنين وأم يحيى بنت خالد تبيتان في فراش واحد، فاتعارّ من
1 / 14