780

Al-Rūḥ ṭ. Dār al-Fikr al-ʿArabī

الروح ط دار الفكر العربي

Editor

محمد أجمل أيوب الإصلاحي

Publisher

دار عطاءات العلم (الرياض)

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

Publisher Location

دار ابن حزم (بيروت)

وقال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣] فذكر القلبين المنحرفين عن الاعتدال. هذا بمرضه، وهذا بقسوته. وجعل إلقاءَ الشيطان فتنةً لأصحاب هذين القلبين، ورحمةً لأصحاب القلب الثالث. وهو القلبُ الصافي الذي ميَّز بين إلقاء الشيطان (^١) وإلقاء الملك بصفائه، وقبِلَ الحقَّ بإخباته ورقَّته، وحارب النفوسَ المبطلةَ بصلابته وقوته. فقال تعالى عقبَ ذلك: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].
فصل
والفرق بين العفو والذلِّ: أنَّ العفوَ إسقاطُ حقِّك جُودًا وكرمًا وإحسانًا، مع قُدرتك على الانتقام، فتؤثر التركَ رغبةً في الإحسان ومكارم الأخلاق. بخلاف الذُّلِّ، فإن صاحبَه يترك الانتقامَ عجزًا وخوفًا ومهانةَ نفس، فهذا مذموم غير محمود. ولعل المنتقمَ بالحق أحسنُ حالًا منه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، فمدَحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك، حتى إذا قدروا على من بَغَى عليهم، وتمكَّنوا من استيفاء ما لهم عليه، ندَبهم إلى الخلُق الشريف من العفو والصَّفح، فقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. فذكر المقامات الثلاثة: العدل

(^١) في الأصل زيادة «فيه». وكذا في (غ).

2 / 678