Raḥma liʾl-ʿālamīn

رحمة للعالمين

Publisher

دار السلام للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publisher Location

الرياض

رحمة للعالمين
تأليف
القاضي محمد سليمان سلمان المنصور فوري
ترجمة
د. سمير عبد الحميد إبراهيم
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض
دار السلام للنشر والتوزيع الرياض

1 / 1

بسم الله الرحمن الرحيم

1 / 2

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
دار السلام للنشر والتوزيع الرياض

1 / 3

بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الناشر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
لقد قطعت دار السلام للنشر والتوزيع - منذ تأسيسها - على نفسها عهدا بأن تسعى جاهدة لنشر العقيدة الصحيحة والسنة الصحيحة، إيمانا - من القائمين على إدارتها - بأن هذا هو الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله لنا والمنهاج الذي تركه لنا رسوله ﷺ.
وكما نعلم أن المهتم بالسنة يجد في صحيحها كل خير وبركة وفي سيرة صاحبها المثل الأعلى، ومن هنا رأت دار السلام أن تقدم لقرائها هذا الكتاب في السيرة النبوية أي ـ[رحمة للعالمين]ـ من تأليف العالم الجليل القاضي محمد سليمان سلمان المنصوربوري ﵀.
ولا شك أن الراصد والمتابع لما كتبه العلماء المسلمون قديما وحديثا في ميدان السيرة النبوية يعجب من كثرة الكتب وتنوعها، مما يدل على أهمية الموضوع، والكتاب الذي نقدم اليوم ترجمته إلى اللغة العربية، كتاب فريد من نوعه، بقلم عالم من أكابر الدعاة إلى الله، والدعاة إلى اتباع سنة رسول الله ﷺ وعلم من أعلام جماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية الباكستانية.
ومما لا شك فيه أن قراء اللغة العربية أصبحوا يعرفون الكثير عن نشاط جماعة أهل الحديث قديما وحديثا، كما أنهم تعرفوا على مؤلفات بعض علماء الجماعة، سواء ما كتب منها بالعربية أو ما ترجم منها عن الأردية إلى العربية.
وكتاب ـ[رحمة للعالمين]ـ الذي نقدم ترجمته إلى قراء اللغة العربية، كتبه عالم جليل، استفاد من علمه الكثير من علماء شبه القارة الهندية الباكستانية وغيرها، ونذكر على سبيل المثال فضيله الشيخ أبا الحسن علي الحسني الندوي الذي قال عن الكتاب:
"تسلمت الكتاب، قرأته بشغف وشوق وانقطاع إليه وتفان فيه، وقل ما كان لكتاب آخر من التأثير على قلبي وعقلي مثل ما كان لهذا الكتاب، فكان إخلاص المؤلف وإيمانه،

1 / 5

وطرازه الخاص في الدعوة والتربية، وبساطة حوادث السيرة، وجمالها وتأثيرها الذي نفذ منه إلى جسمي وروحي تيار كهربائي، وأرى أن هذا الكتاب من الكتب التي لها منة جسيمة علي وأنا دائم الترحم على المؤلف والدعاء له بالقبول عند الله تعالى" [صفحة ٨١، ٨٢ أبو الحسن الندوي: في مسيرة الحياة المجلد الأول].
ولا شك أن الكتاب يعد درة فريدة بين مؤلفات القاضي محمد سليمان المنصوربوري الذي ألف في التفسير والتاريخ ومقارنة الأديان والرحلات، مما جعل جريدة "الوكيل" التي تصدر من أمرتسر في عدد لها عام ١٩١٤ م تشيد بالكتاب وتذكر أنه لم يعد في الإمكان صدور كتاب عن السيرة يحمل ما لكتاب ـ[رحمة للعالمين]ـ من محاسن، كما أشار العلامة سيد سليمان الندوي أيضا إلى أهمية الكتاب لما فيه من تحليل ونقد لاعتراضات أصحاب الديانات الأخرى، وبالإضافة إلى ما ورد فيه من دراسة مقارنة لما جاء في الكتب السماوية الأخرى وما جاء في تعاليم الإسلام، فأبطل دعاوى اليهود والنصارى. وفي تقريظه للكتاب ذكر الشيخ أبو الأعلى المودودي أن الكتاب يتميز عن كتب السيرة بما فيه من تحقيق للأحداث والوقائع، وأوضح المودودي أن كتاب ـ[رحمة للعالمين]ـ يأتي على قمة كتب السيرة من حيث هذا الأمر.
وهكذا جال بخاطري تقديم ترجمة جيدة لهذا الكتاب القيم، فتوكلت على الله، وناقشت الأمر مع صديقي الدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم أستاذ اللغة الأردية وآدابها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الذي رحب بالفكرة ووافق على ترجمة الكتاب.
وبتوفيق من الله تمت الترجمة والطباعة بصورة ترضي القارئ العربي ورأينا أن يصدر الكتاب في مجلد واحد رغم ضخامة حجمه، وكنا فكرنا في إصداره في ثلاث مجلدات كما هو في الأردية إلا أن الآراء اتفقت على أن تصدر الطبعة العربية في مجلد واحد.
نسأل الله العلي القدير أن يتقبل منا هذا العمل وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم القيامة إنه على كل شيء قدير.
عبدالمالك مجاهد
المدير المسئول
مكتبة دار السلام للنشر والتوزيع
ربيع الأول ١٤١٨ هـ

1 / 6

مقدمة المترجم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
حين أهداني الأخ العزيز الشيخ عبد المالك مجاهد المدير المسؤول لمكتبة دار السلام بالرياض كتاب العلامة القاضي محمد سليمان المنصوربوري ـ[رحمة للعالمين]ـ بأجزائه الثلاثة، رحت أتصفحه بداية، ثم غرقت في صفحاته، ولم أتركه لأيام، وبعدها طلبت منه الأصل بالأردية ورحت أطالعه أيضا، وبعد تفكير وتدقيق، رأيت أن أبدأ في إعداد ترجمة عربية ثانية لكتاب ـ[رحمة للعالمين]ـ وحين عرضت الأمر على الشيخ عبد المالك مجاهد وافق من فوره، وبدأت الترجمة التي استغرقت أكثر من سنتين نظرا لانشغالي بأعمال البحث في الجامعة إذ كنت أعكف على ترجمة الكتاب خلال الإجازات والعطلات الدراسية والصيفية.
وإذا كنت أدين بالشكر هنا للأخ العزيز الشيخ عبد المالك مجاهد الذي أهداني نسختي الكتاب: العربية والأردية، فإنني أدين بالشكر أيضا إلى الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري الذي اختار هذا الكتاب، ودفع به إلى الأخ مختار أحمد الندوي المدير العام للدار السلفية في بومباي، وحثه على نقله إلى العربية، وقد قام الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري بالإشراف على مراجعة الترجمة والمساهمة في طباعتها، فله فضل تعريف قراء العربية بهذا الكتاب القيم.
وأدين بالشكر الجزيل للأخوين العزيزين، صديقي الدكتور مقتدى حسن الأزهري، والأخ الفاضل عبد السلام عين الحق السلفي، فقد وضعت ترجمتهما القيمة أمامي دائما، وأنا أعد ترجمتي للكتاب، فاستفدت من ترجمتهما وتخريجهما لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وكذلك ما ورد من عبارات أصلية اقتطفاها من مراجعها العربية، ولولا ترجمتهما هذه لما تمكنت من الانتهاء من الترجمة الحالية هذه السرعة!! هذا بالإضافة إلى أنني كنت أرى ترجمتهما لبعض العبارات أدق من ترجمتي، فرحت أستفيد من أسلوبهما أيضا!!.

1 / 7

وأشير إلى أن الطبعة الأردية التي اعتمدت عليها في الترجمة صدرت عن " الفيصل " للنشر والتجارة في لاهور في مايو ١٩٩١ م (١) وبها مقدمة المؤلف للطبعة السادسة التي أضاف إليها بعض المعلومات، وربما اعتمد الدكتور مقتدي حسن الأزهري والشيخ عبدالسلام عين الحق السلفي على طبعة أخرى سابقة أو لاحقة لهذه الطبعة السادسة، ولهذا قد تختلف بعض العبارات بالزيادة أو بالنقص وذلك في مواضع قليلة إن لم تكن وقد أثبت هنا نبذة مختصرة عن حياة المؤلف وآثاره حتى يتعرف القراء العرب على مكانته ليكون إن شاء الله موضوع دراسات أهل العلم من المهتمين بالعلوم الإسلامية في البلاد العربية.
وقد يتعجب البعض من إقدامي على ترجمة الكتاب مرة ثانية، إلا أن الكثير من الكتب الأردية والدينية لكبار الأدباء والعلماء صدرت لها أكثر من ترجمة وهذا يرجع إلى أهمية الكتاب واهتمام الناس به، ولا مجالل هنا للتمثيل أو الإشارة، ومختصر القول إنني ما قصدت بعملي هذا إلا وجه الله وخدمة الدين وإضافة مصدر من مصادر السيرة والتاريخ الإسلامي ودراسة الأديان المقارنة إلى المكتبة العربية بعد أن شعرت بأهمية الكتاب وقيمته العظيمة للباحثين والدارسين العرب.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
٥ شعبان ١٤١٦ هـ
٢٨ ديسمبر ١٩٩٥ م
د. سمير عبد الحميد إبراهيم
أستاذ اللغة الأردية وآدابها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

(١) وهي بحاجة إلى تصحيح ومراجعة وربما قام بهذا القائمون على دار السلام إن شاء الله.

1 / 8

القاضي محمد سليمان المنصور بوري
حياته وآثاره
بقلم المترجم
•---------------------------------•
مولده ونشأته:
ولد العلامة القاضي محمد سليمان المنصوربوري سنة ١٢٨٤هـ / ١٨٦٧م في بلدة منصوربور (بنجاب الهند) التي كانت آنذاك من المراكز التاريخية في رئاسة بتيالة، ويطلق عليها اليوم اسم "تشينتانوالة" نشأ العلامة الجليل في أسرة عمله بالقضاء منذ القديم، وأدت واجب الدعوة الإسلامية، فقد عمل جده الأكبر بير محمد بالقضاء في دهلي في عهد سلاطين المغول، وهكذا أطلق على الأسرة لقب " قاضي "، ولا يزال خاتم القضاء الخاص بجده سابق الذكر محفوظا لدى الأسرة حتى اليوم (١)، وقد ولي جده لأبيه قاضي معز الدين القضاء من بعد بير محمد، أما جده قاضي باقي بالله فقد عمل بتبليغ الدين وراح يكسب عيشه من الزراعة، وعرف في المنطقة كلها بورعه وتقواه والتفاف تلامذته من حوله. أما والد شيخنا الجليل قاضي أحمد شاه بن قاضي باقي بالله فقد عمل موظفا في ديوان المالية برئاسة بتيالة، وهو الذي استقبل سيد أحمد خان، حين ذهب لجمع التبرعات لبناء جامعة عليكره الإسلامية، وكان والد شيخنا الجليل عالما يعمل بعلمه، يقيم ليله في العبادة، ويقضي نهاره في العمل، أدى فريضة الحج مرة بعد مرة (عام ١٣١٣ هـ وعام ١٣٢٤ هـ، وانتقل من بلدة منصوربور إلى العاصمة بتيالة (على بعد ٢٣ ميلا) وتوفي بها، وقام شيخنا الجليل العلامة القاضي محمد سليمان المنصوربوري فأهدى معظم مؤلفاته إلى أبيه (٢).
اهتم الأب بتربية ولديه قاضي محمد سليمان، وقاضي عبد الرحمن تربية دينية، وكانت الأمم أحيانا ترفض أن ترضع ابنيها حتى تتوضأ، فقد كانت سيدة تقية ورعة تقضي معظم أوقاتها في عبادة الله.

(١) قاضي عبد الباقي. سيرت سليمان سفرنامه حجاز (تاريخ الحرمين) سلمان آرت بريس: ط ٢ لاهور ١٩٨٦م / ١٤٠٤هـ[ص:٢٦١].
(٢) قاضي عبد الباقي منصوربوري. سيرت سليمان ملحق بكتاب سفرنامه حج (تاريخ حرمن) ط لاهور.

1 / 9

تعليمه:
درس القاضي محمد سليمان القرآن الكريم واللغة العربية على يد والده، واستفاد في دراسته للغة العربية من الشيخ العلامة عبد العزيز الذي كان يقطن بلدة كوم القريبة من لدهيانه، كما درس اللغة الفارسية على يد منشى سكهن لال أستاذ الفارسية في كلية مهندرا في بتيالة.
نال القاضي المنصوربوري درجة منشي فاضل من كلية مهندرا سنة ١٣٥٢ هـ / ١٨٨٤م وكان الأول على جميع طلاب الجامعة، وتقلد وظيفة في إحدى إدارات التعليم، وترقى في منصبه وعمل بالقضاء، وقد تقاعد سنة ١٣٤٣ هـ / ١٩٢٤ م.
بعض صفاته الطيبة:
أدى شيخنا الجليل ﵀ فريضة الحج لأول مرة سنة ١٣٣٩ هـ / ١٩٢١ م، ويحكى أن والي كابل أمير حبيب الله حين صلى الجمعة أثناء وجوده في مدينة بومباي أسندت مهمة ترتيب هذا الأمر إلى القاضي محمد سليمان النصور بوري الذي قام بفرش المسجد بالسجاد على نفقة حكومة الهند، وتحير مسلمو بومباي.
لقد أحبه المسلمون، وأحبه غير المسلمين أيضا، أحبه من غير المسلمين عدد كبير من الشخصيات المرموقة في الهند مثل مستر دانلوب سميث واللورد منتو واللورد كرزن الحاكم العام للهند، وجوكندرسنكه، الذي حزن كثيرا حين سمع نبأ وفاته، وأمر بصرف راتب تقاعد لابنته طوال الحياة واهتم بترقية ولده قاضي عبد العزيز، الذي تخرج في جامعة عليكره، إلى وظيفة مفتش عام المدارس.
كان القاضي سليمان ﵀ أسمى وأرفع من كل ما كان يثار من خلافات طائفية، كان يخدم جميع الأئمة وجميع الفقهاء وجميع العلماء، وأكبر دليل على ذلك أنه رغم حبه لجماعة أهل الحديث، ورغم أنه دعي لرئاسة مؤتمر جمعية أهل الحديث لعموم الهند، إلا أنه حين قدم العلامة أسلم جيراجبوري (مرشد غلام أحمد برويز قائد جماعة إنكار السنة المسماة بأهل القرآن) إلى بتيالة لجمع التبرعات لبناء الجامعة الملية نزل ضيفا في بيت قاضي سليمان الذي أكرمه وزاد في إكرامه وبالغ في ذلك كثيرا!!

1 / 10

القاضي سليمان المنصوربوري والعلامة محمد إقبال:
كان القاضي سليمان طوال حياته ملاذا لجميع أصدقائه ويحكى أنه جمع كل المجوهرات في بيته وباعها ليشد من أزر صديقه محمد حياة، الذي احترق مصنعه وهذه حكاية من حكايات عديدة، وقد ربطت أواصر المحبة بين العلامة محمد إقبال والقاضي سليمان المنصور بوري، ولا عجب في ذلك فكلاهما أديب، وكلاهما شاعر، وكلاهما عمل بالقضاء، وكلاهما حمل مسئولية الدعوة إلى الله، وكلاهما عمل على خدمة المسلمين في كل مكان.
كان القاضي سليمان المنصوربوري يحب إقبال ويقدره، وكان إقبال يحمل للقاضي سليمان احتراما خاصا، وحين توفي قاضي منصور بوري، عقدت جلسة في "صالة حبيب" لقبول العزاء ترأسها حاجي شمس الدين (جمعية حماية الإسلام) اشترك فيها الشيخ أحمد علي والشيح محمد بخش مسلم والعلامة محمد إقبال.
وقف إقبال وتحدث وأشاد بالقاضي سليمان المنصور بوري وامتدح شعره وأسمع الحاضرين بعضا من أشعار القاضي سليمان:
" يا شيخ! ماذا رأيت في الكعبة! بالله أرأيت بيت الله ...؟!
لقد رأينا حمام الحرم وكفى ماذا يحدث لو لم نر العنقاء؟! " (١)
كانت " جمعية حماية الإسلام " تعرف قدر القاضي سليمان وتحمل له كل الحب، فكانت تحرص على دعوته لحضور جلساتها كل عام والمشاركة بإلقاء كلمة مع الأعضاء، ويحكى أنه راح مرة يلقي كلمة عن " محامد الإسلام " استمرت لست ساعات!! وقال الشيخ محمد شفيع: إنني سأعطي للجمعية هدية " مبلغ ٣ آلاف روبية " عن كل ساعة من الساعات التي ألقى فيها القاضي سليمان كلمته في جلسة الجمعية وهكذا نالت الجمعية مبلغ ١٨ ألف روبية، وتعد هذه واقعة لا مثيل لها في تاريخ الخطابة في الهند قبل التقسيم (٢).

(١) العنقاء طائر خرافي يزعم قدماء المصريين أنه يعمر خمسة قرون أو ستة وبعد أن يحرق نفسه ينبعث من رماده وهو أتم ما يكون شبابا وجمالا، ويكنى به عن الشخص أو الشيء ذي الجمال الذي لا يضارع ويزعم أهل شبه القارة الهندية أنه طائر إذا ما أظل أحدا بجناحيه رفعه إلى العرش.
(٢) سيرت سليمان [ص:٢٦٨].

1 / 11