Qūt al-qulūb
قوت القلوب
Editor
د. عاصم إبراهيم الكيالي
Publisher
دار الكتب العلمية - بيروت
Edition
الثانية
Publication Year
١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م
Publisher Location
لبنان
يَعْلَمُونَ) يونس: ٨٩، فأول الاستقامة صحبة العلماء بالله ﷿ وقال تعالى: (ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرنَا وَاتَّبَعَ هَواهُ) الكهف: ٢٨، وقال تعالى: (فلا يَصُدَّنَّك عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى) طه: ١٦، أي فتكون رديًا وقيل فتهلك وقال تعالى: (فأعْرِضَ عَمَنْ تَوَلّى عنْ ذِكْرِنا) النجم: ٢٩، ففي دليله الإقبال بالصحبة على من أقبل إلى ذكره تعالى، والإعراض عمن أعرض عن وجهه، فلا تصحبن إلاّ مقبلًا عليه كما قال الله ﷿: (واتَّبعْ سَبيلَ مَنْ أنابَ إِليَّ) لقمان: ١٥، وإياك أنْ تصحب من الناس خمسة: المبتدع والفاسق والجاهل والحريص على الدنيا والكثير الغيبة للناس، فإن هؤلاء مفسدة للقلوب مذهبة للأحوال، مضرة في الحال والمآل.
وقد كان سفيان الثوري ﵀ يقول: النظر إلى وجه الأحمق خطيئة مكتوبة وقال سعيد بن المسيب: لا تنظروا إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة، ولكن قد كان صعصعة بن صوحان يقول: إذا لقيت المؤمن فخالطه مخالطة، وإذا لقيت المنافق فخالفه مخالفة، وقد قال: أحسن الواصفين في وصف أوليائه المتّقين، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلامًا أي سلامة، الألف بدل من الهاء لازدواج الكلم، والمعنى، أي سلمنا من إثمكم وسلمتم من شرنا، وقد كان أبو الدرداء يقول في زمانه: كان الناس ورقًا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه، إنْ ناقدتهم ناقدوك، وإنْ تركتهم لم يتركوك، فأقرضهم من عرضك ليوم فقرك، وكان يقول: كل يوم أصبح لا يرميني الناس فيه بداهية أعده نعمة من الله تعالى عليّ، وقال حكيم الحكماء ﷺ: من خالط الناس وصبر على أذاهم، أفضل ممن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم، وقال العلام ذو الجلال والإكرام: (أُولَئِكَ يُؤْتْونَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسنَةِ السَّيئةِ) القصص: ٤٥، إي يدفعون بالكلام الحسن السيء وقال ﷿ في الكلام المفسر: (ادْفَعْ بالتي هي أَحْسَنُ) فصلت: ٣٤، يعني بالكلمة الحسنى: (فإذا الَّذي بَيْنكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كأنَّهُ وَليُّ حَميمٌ) فصلت: ٣٤ ثم قال ﷿ وما يلقاها يعني الكلمة: (إلاّ الَّذينَ صبَرُوا) فصلت: ٣٥، أي على أمر الله تعالى وعلى الغيظ، وعن الغضب: (وما يُلَقّاها إلاَّ ذُو حظٍّ عَظيمٍ) فصلت: ٣٥، أي من الحلم والعلم وقيل ذو حظ عظيم عند الله ﷿ من النصيب والجزاء وقد قال لقمان الحكيم قولًا متوسطًا: يا بني لا تكن حلوًا فتبلع، ولا مرًّا فتلفظ، المعنى: لا تمكن الناس من نفسك ولا تتابعهم في كل شيء فلا يبقوا عليك وينبسطوا إليك، ولا تنافرهم وتخالفهم في كل شيء فيجانبوك ويرفضوك فيقعوا فيك، وقال بعض السلف: لا تصحب إلاّ مريدًا، وكل خليل لا يريد ما تريد فانبذ عنك صحبته، وقال بعض علماء العرب: الصاحب كالرقعة في الثوب إنْ لم تكن من جنسه شانته، وقال بعض الحكماء: كل إنسان مع شكله كما أنّ كل طير مع جنسه، وقد كان
2 / 391