Qūt al-qulūb
قوت القلوب
Editor
د. عاصم إبراهيم الكيالي
Publisher
دار الكتب العلمية - بيروت
Edition
الثانية
Publication Year
١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م
Publisher Location
لبنان
ولم يزل الحجازيون عندنا يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام التي أمر الله عباده أن يذكروه فيها، أيام التشريق من وقت عطاء بن أبي رباح إلى يومنا، هذا ما أنكره عالم، وقد كان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما، ويحمل القول في السماع أنّ من سمع فظهرت عليه صفات نفسه وذكرته حظوظ دنياه فالسماع عليه حرام، ومَنْ سمع فظهر له به ذكر ربّه، وتذكر به أجل ما شوّقه الله إليه وأعده لأوليائه، فهو له ذكر من الأذكار، وسئل عالمنا ﵀ فقيل له: بلغنا أنك تنكر السماع، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون فقال: كيف أنكر السماع وقد سمعه عبد الله بن جعفر الطيار، يعني ابن أبي طالب، وإنما أنكر اللهو وأنكر اللعب في السماع، ولعمري أنّ هؤلاء الأشياخ الذين ذكروا قد كانوا يسمعون، ولكن كان منهم مَنْ سمع السرّ دون العلانية، ومنهم مَنْ كان يسمع مع إخوانه ونظرائه دون الأتباع والأصحاب، وكانوا يقولون: لا يصحّ السماع إلا لعارف مكين، ولا يصلح لمريد مبتدىء وكان بعض العلماء قد ترك السماع فقيل له، فقال: ممن؟ فقيل له: فأنت، فقال: مع مَنْ كانوا لا يسمعون إلا من أهله ومع أهله.
وحدثونا عن يحيى بن معاذ قال: فقدنا ثلاثًا فما نراها ولاأراها تزداد إلا عزة، حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الديانة، وحسن الأخاء مع الوفاء، وقد سمع من الصحابة غير عبد الله بن جعفر أربعة منهم: ابن الزبير والمغيرة بن شعبة وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم قال: طفت ذات ليلة بالبيت، وكانت ليلة مظلمة ذات مطر ورعد، فخلا الطواف، فلما انتهيت إلى الباب قلت: اللهم اعصمني حتى لا أعصيك أبدًا، قال: فسمعت قائلًا يقول: من جوف البيت يا إبراهيم أنت تسألني أن أعصمك وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلى مَنْ أتفضل ولمن َأغفر؟ وفي خبر وهب بن منبه أوحى الله تعالى إلى داود ﵇ أنك تكثر مسألتي ولا تسألني أن أهب لك الشوق، قال: يا رب وما الشوق؟ قال: إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني، وأتممتها بنور وجهي، فجعلت أسرارهم موضع نظري إلى الأرض، وقطعت من قلوبهم طرقًا ينظرون به إلى عجائب قدرتي فيزدادون في كل يوم شوقًا إليّ، ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا أتوني خرّوا لي سجّدًا فأقول: إني لم أدعكم لعبادتي، ارفعوا روؤسكم أُرِكُمْ قلوب المشتاقين إليّ فوعزّتي وجلالي إنّ سمواتي لتضيء من نور قلوبهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، معنى قول لداود ﵇: ولا تسألني الشوق ليس أنه قد يعطي الأولياء ما لا يعطي الأنبياء كما غلط في هذا بعض الناس، ففضّل العارف على النبي، ولكنه ذكر ذلك لداود ﵇ ليسأله إياه فيعطيه، فلما أخبره به أعطاه مقام الشوق إليه، فجاوز مقامات المشتاقين من العارفين، وإنما أراد أن يجعل ذلك على لسانه ليريه فضل مكانه، ويظهر له ذلك عن مسألته ليفضله ويشرفه بسرعة إجابته، كما أنّ قول داود ﵇: وماالشوق؟ ليس أنه لم يعرف الشوق وقد اتاه
2 / 102