Nuzhat al-afkār fī sharḥ qurrat al-abṣār

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار

Editor

جماعة من ذوي المؤلف

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار
تأليف
الشيخ الإمام المجدد عبد القادر بن محمد بن محمد سالم المجلسي الشنقيطي المالكي الأشعري المتوفى سنة ١٣٣٧ هـ
شرح به النظم المسمى قرة الأبصار في سيرة النبي المختار للشيخ عبد العزيز اللمطي المالكي الأشعري
حققه وصححه جماعة من ذوي المؤلف

Unknown page

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله تعالى وسلم على محمد نبيه الكريم صلاة نستجير بها من عذاب الجحيم وتنال بها في الدارين نحن وأحبتنا أرفع التكريم بجاه من قال توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم.
الحمد لله الذى من علينا بجزيل الانعام وأتحفنا بما لا نطيق شكره من أياديه الجسام وتفضل علينا بالتوفيق لأجل نعمائه فآمنا به وبكتبه وملائكته وجميع أنبيائه وخصنا بخيرته من خلقه ونخبته من أصفيائه. ومن يكون آدم فمن دونه من الأنبياء في القيامة تحت لوائه أرسله إلى كافة الثقلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وجعله للمقربين إماما وللأنبياء والمرسلين ختاما ولما به صلاح العباد في الدارين قواما ونظاما وخصه بالشفاعة الكبرى في الموقف الهائل حين تبرأ منها أكابر الرسل الأماثل صلى الله تعالى وسلم عليه وعليهم وعلى آله وأزواجه وأصحابه الأخيار ما همعت ديم معارفه على قلوب الأبرار وما تغنى الحمام بالأسحار وما دام النظر في سيره وشمائله قرة للأبصار وروضة تنزه للأفكار وعدد ما وصل إلى العباد من المواهب في هذه الدار وما يصل إليهم في تلك الدار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير وأن محمدا عبده ورسوله شهادة عبد معترف بالتقصير ونتوسل إلى ربنا اللطيف القدير أن يثبتنا عليها في الحياة الدنيا وبعد الممات وأن يبدل بمحض فضله وكرمه سيائتنا حسنات، إنه جواد كريم ورؤوف رحيم، له الفضل العظيم والطول العميم.
أما بعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة مولاه الحليم الكبير المجلسي المالكي الأشعري عبد القادر بن محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد بن عمر بن أبي السيد بن أبي بكر بن علي بن يمغدش ومعناه بالعربية السالم بن وديعة الله بن عبد الله بن أحمد بن يفت، ومعناه أخيار بن

1 / 1

يدر ومعناه بإعجام الدال الحسن وبإهمالها يعيش بن إبراهيم الأموي، وإبراهيم هذا يقال والله أعلم انه من ولد عمر بن عبد العزيز، لا يخفى أن الإشتغال بالعلوم من أشرف المكاسب والاعتناء بها من أفضل المراتب وشرف كل علم إنما هو بحسب شرف المعلوم فلهذا كان الإهتمام بعلم السيرة النبوية فضله عظيم وخطبه جسيم لأنه هو الكفيل ببيان أحوال نبينا العلية وأطواره الشريفة الزكية من لدن كان في بطن آمنة الشريفة حملا إلى انتقاله إلى دار كرامته ولحوقه بالرفيق الأعلى صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وعظم ولذا كان من أشرف العلوم قدرا وأرفعها منزلة وأطيبها ذكرا، فاليه ترتاح الأنفس والطباع وبه تلتذ الأفواه وتتشنف الأسماع وبرسمه ترشح المحابر والأقلام وباشادة ما اشتمل عليه تفرح الليالى واليام، فهو حديث لا يمل منه، يا ليتنا لم نله قط عنه، وقد اعتنى بالتأليف فيه من أهل الإسلام كثير من الأكابر الأجلة الأعلام فتبوؤوا من المجد السنام وحازوا من الشرف أعلى مقام وقربوا في تآليفهم للأنام ما كان من السيرة صعب المرام ما بين منثور يروق عند العيان ومنظوم يزري بالدر على نحور الخرد الحسان، جزاهم الله تعالى عنا أحسن الجزاء ومن علينا وعليهم بالعفو والإرضاء، ومن أجمع ما رأينا فيه كتاب "المواهب" وشرح الزرقاني عليه وفيه أنشد لسان الحال ما صدق المقال:
(هذا كتاب لو يباع بوزنه ... ذهبا لكان البائع المغبون)
ومن أشهر المختصرات المؤلفة فيه في هذه الأقطار النظم المسمى ب: "قرة الأبصار" فقد تداولته الكبار والصغار وهو كتاب قد طابق منه الإسم المسمى، فكم احتوى عليه من أخبار صاحب العز الأحمى والقدر المنيف الأسمى عليه أفضل السلام وأعلاه وأزكى الثناء وأعذبه وأحلاه، لكنه في هذه الناحية لا شرح له يحل رموزه ويفتح ألفاظه ويبرز كنوزه فحملني التطفل على الدخول في خدمة هذا الجناب العالي والانتماء إلى ظل حماه المتعالي على أن صرفت قصدي إلى شرح هذا الكتاب فشرحته بعون الملك الوهاب شرحا يبين ألفاظه لمن يتعاطاه من

1 / 2

الطلاب وذكرت فيه الغزوات النبوية وجل ما اطعلت عليه من بعث وسرية ولم آل جهدا في تبيين ما يحتاج إليه من البيان لكن من هو مثلي عرضة للذهول والنسيان وسميته "نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار" وإلى الله تعالى الضراعة في أن يجعله لوجهه الكريم وأن يحمينا نحن وأحبتنا من عذاب الجحيم وأن ينيلنا بمحض فضله رفيع الدرجات وأن يحلنا من الفردوس أعالي الغرفات. وجعلت اعتمادي في هذا الشرح على الزرقاني وشروحه وسيرة العراقي وشرح المناوي عليها وعيون الأثر وغير ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال الناظم رحمه الله تعالى وهو الشيخ العابد الحافظ الفائق لأقرانه عبد العزيز اللمطي نسبا المالكي مذهبا الأشعري اعتقادا المدني دارا وقد ألف كتابه هذا في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، كذا قاله شارح لهذا النظم رأيته ولم يعرف بنفسه والله تعالى أعلم.

1 / 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكلام على البسملة هنا من ثمانية أوجه: معنى مفرداتها ومعنى تركيبها وإعرابها وسبب الإبتداء بها وحكمها وفضلها وقرآنيتها وكتابتها وأذكر جميعها إن شاء الله تعالى على طريق الاختصار وبالله تعالى التوفيق.
أما معنى مفرداتها فالباء يصح أنها للمصاحبة والمصطحبان هما العمل المبدو بها أو البادي ومدخول الباء والمراد منها التبرك والتبرك منسحب على جميع العمل فكأن المبتدئ بها يقول أفعل كذا متبركا فيه ببسم الله ويصح أن الباء للاستعانة وباء الاستعانة هي الداخلة على آلة الفعل، فكأن باسم الله هي الواسطة في حصول الفعل ببركة الإسم الشريفة فعآل المعنيين هنا واحد وقيل الباء للالصاق وقيل للاستعلاء المجازي والإسم هو اللفظ الدال بالوضع على معنى ما فيتناول الإسم النحوي وقسيميه وقوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها يعم جميع ذلك وهو هنا اسم جنيس أضيف إلى معرفة فيعم جميع أسماء الله تعالى فالتبرك بجيع الأسماء.
والله علم خاص بالذات الموصوفة بكل كمال المنزهة عن كل ما يتصف به الحوادث والأكثر على أنه غير مشتق وعلى أنه مشتق قال الإمام السنوسي الأقرب أنه مشتق من أله بالمكان إذا أقام به.
قال:
(ألهنا بدار لا تبين رسومها ... كأن بقاياها وشام على اليد)
وقيل مشتق من أله إلهة كعبد عبادة وزنا ومعنى فإله بمعنى مالوه أي معبود وقيل من لاه بمعنى ارتفع ومنه قيل للشمس إلهة، قال:
(تروحنا من اللهباء قسرا ... واعجلنا الإلهة أن تغيبا)
أو بمعنى احتجب، ومنه:
(لاهت فما عرفت يوما بخارجة ... يا ليتها برزت حتى عرفناها)
وقيل من وله غذا تحير لأنه تتحير في عظمته العقول ومذهب سيبويه أنه هو أعرف المعارف وحكي أنه ريئ في النوم فأخبر ان الله

1 / 4

فعل به خيرا كثيرا لقوله إنه هو أعرف المعارف والرحمن هو المنعم بالنعم التى لا تدخل تحت كسب العباد كبعث الرسل والرحيم المنعم بالنعم التى تدخل تحت كسبهم وغيرها فهو أعم من الرحمن على هذا ولهذا صح إطلاقه على غيره تعالى.
أو الرحمن ذو الرحمة العامة في الدنيا على جميع الخلق والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الآخرة أو الرحمن المنعم بجلائل النعم كمية وكيفية والرحيم المنعم بدقائقها كمية وكيفية وأخر عن الرحمن لاختصاص الرحمن به تعالى وأما معنى تركيبها فاعلم أنها نقلت من الخبر إلى الإنشاء في لإنشاء التبرك لأنه يحصل عند النطق بها واما اعرابها فالمجرور متعلق بمحذوف والمختار كونه فعلا ويقدر مؤخرا ليدل على الحصر والرد على الكفار في ابتدائهم بأسماء آلهتهم خاصا كأولف هنا لا عاما كأبدأ والعمل المشروع فيه يعين العامل المحذوف فكل فاعل يمر أي يقدر في ضميره عاملا مناسبا لما شرع فيه من أكل أو قراءة مثلا، وقيل المجرور خبر مبتدء محذوف واسم الجلالة مضاف إليه وليست إضافته بيانية لأن المقصود من الأول الأسماء ومن الثاني الذات ولذا وصف بما بعده على طريق النعت أو البيان أو البدل وقيل الأول بدل من الجلالة والرحيم نعت للرحمن. وأما سبب الابتداء بها فالاقتداء بالقرآن العظيم وسنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وقد أجمع علماء كل أمة أن الله افتتح كل كتاب بها وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يبدأ بها في رسائله وكان أولا يكتب باسمك اللهم حتى نزلت باسم الله مجريها فكتب بسم الله فلما نزل قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن كتب بسم الله الرحمن فلما نزلت بجملتها في سورة النمل كتبها.
وفي الحديث: "كل امر ذي بال لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقطع" وفي رواية "أبتر"، وفي رواية "أجذم" أي ناقص البركة وإن تم حسا، وأما حكمها فتجب مرة في العمر وتسن في الأكل والشرب وتندب في سوى ذلك مما تشرع فيه وتكره في المحرم والمكروه وقيل تحرم في

1 / 5

المحرم، وذكر غير واحد أنها تجب في الذكاة، وقال الأمير: ان الواجب في الذكاة مطلق ذكر اسم الله تعالى ومما تشرع فيه: الشعر المحتوي على علم أو وعظ أو مدحه ﷺ.
فائدة:
نظم بعضهم ما يج مرة في العمر من الكلام فقال:
(هاك جميع ما من القول يجب ... في العمر مرة وما زاد استحب)
(بسملة حمدلة والهيلله ... استغفر الله كذا والحوقله)
(والحكم في التسبيح والتكبير ... كذا وتعويذ بذي التقدير)
(ثم الصلاة معها السلام ... على الذي اقتدى به الأنام)
وأما فضلها فصحح الحاكم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة محى عنه أربعة آلاف سيئة ورفع له أربعة آلاف درجة". وقال: "من قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم صرف الله عنه سبعين بابا من البلاء أدناها الهم والغم واللمم". وقال: "ستر ما بينكم وبين الجن أن تقولوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". وقال: "خير الناس وخير من مشى على الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فإن المعلم إذا قال للمعلم قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فقالها كتب الله للصبي ولوالديه وللمعلم براءة من النار".
وأما قرآنيتها فمذهبنا أنها ليست من القرآن وإنما هي رقية تنزل مع كل نبي وتتفع معه إلا نبينا محمدا ﷺ بقيت رحمة لأمته. ومذهب الشافعي أنها آية ن الفاتحة فمن تركها بطلت صلاته. وقيل آية من كل سورة وقيل بعض آية ن كل سورة وقيل آية في الفاتحة وجزء آية في غيرها وقيل بالعكس وقيل آية فذة. ومحل الخلاف في غير التى في "النمل" وأما هي فلا خلاف أنها من القرآن.
وأما كتابتها فعن معاوية أنه ﷺ قال: "ألق الدواة

1 / 6

وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك" اهـ يقال لاق الدواة ثلاثيا كباع وألاقها رباعيا أصلحها فلاقت هي أي صلحت والمراد أن يلزق مدادها على صوفة ونحوها، وتحريف القلم جعل أحد شقيه أطول من الأخر قال بعضهم الأقصر هو الأيسر وهو الذى يلي الكاغد، وإقامة الباء جعلها غير منعطفة، وتفريق السين إبعادها من الميم أو تفريق رؤوسها، ومعني لا تعور الميم اتركها مفتوحة، ومعنى حسن الله، اكتبها بخط حسن وقلم حسن ومداد حسن، ومد الرحمن أن يمد بين الميم والنون، وتجويد الرحيم كتابتها كتابة جيدة. والباء ترسم قدر نصف الألف فالقدر الذى جرى عرفك في كتابة الألف اجعل الباء نصفه وحروفها الرسمية تسعة عشر عدد الزبانية فمن ذكرها نجا منهم.
(الحمد لله الذى بأحمدا ... هدى إلى أقوم نهج من هدى)
قوله الحمد لله مبتدأ وخبره، والذى نعت لله وهو موصول وصلته قوله هدى، ومن مفعوله، وبأحمدا يتعلق بهدى، وكذا إلى أقوم. ونهج بالتنوين مضاف إليه ما قبله ومعناه أن الوصف بكل كمال ثابت ومستحق لله تعالى الذى هدى أي أرشد من أراد هدايته إلى أقوم الطريق وهي طريق الإسلام بسبب نبينا أحمد صلى الله تعلى عليه وسلم. والنهج الطريق الواضح وهذا المعنى أخذه من قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ وقوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾. قال صاحب الأنوار: الهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير. وقوله تعالى: ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ وارد على التهكم، وهداية الله تعالى تتنوع أنواعا: الأول إفاضة القوى التى يتمكن بها المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالعقل والحواس، والثاني نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل وإليه أشار تعالى حيث قال: ﴿وهديناه النجدين﴾ وقال: ﴿فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾، والثالث الهداية بإرسال الرسل ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾، ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. والمستقيم المستوي يعنى طريق الخير أو

1 / 7

الإسلام، والرابع كشف السرائر على القلوب وإراءة الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام. وهذا يختص به الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده﴾ وقوله: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ نقله الزرقاني في شرح المواهب.
فائدة:
لم يتسم أحد بأحمد قبله، ﷺ قال ابن حجر: والمشهور أن أول من سمي به بعده، ﷺ، والد الخليل بن أحمد لكن زعم الواقدي أنه كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد وحكى ابن فتحون في ذيل الاستيعاب ان اسم أبي حفص بن المغيرة الصحابي أحمد، ويقال في والد أبي السفر إن اسمه أحمد. قال الترمذي: أبو السفر هو سعيد بن محمد ويقال ابن أحمد، اهـ من الزرقاني في موضع آخر.
والحمد لغة هو الوصف بالجميل على الجميل الاختياري أو القديم، والوصف ذكر الصفة منسوبة الى المتصف بها فلا يكون إلا بالكلام، وبالجميل مخرج للوصف بالقبيح بذم وبما ليس جميلا ولا قبيحا كزيد تميمي غذا قصد مجرد الإعلام بنسبه، وعلى الجميل مخرج للوصف بالجميل لأجل قبيح كقولك للبخيل ما أجوده في مقام التهكم ومجموع الإختياري أو القديم مخرج للوصف برشاقة الخد. والحمد عرفا الثناء باللسان أو القلب أو غيرهما من الأركان بسبب ما أسدى إلى الحامد فالأول أخص موردا لأنه لا يكون إلا بالكلام وأعم متعلقا لأنه يكون في مقابلة نعمة وغيرها، والثاني أعم موردا لحصوله بالكلام وغيره وأخص متعلقا إذ لا يكون إلا في مقابلة نعمة فبينهما عموم وخصوص من وجه. (حمدا جديدا دائم البقاء)
قوله حمدا منصوب بفعل محذوف أي أحمده حمدا، ولا يصح أن يعمل فيه قوله الحمد لأن المصدر لا يخبر عنه إلا بعد تمام معمولاته. وقوله جديدا أي طارئا بعد الحمد الأول مع أنه دائم البقاء والظاهر أن الحمد

1 / 8

الأول حمد منه لله تعالى لأنه يستحق الحمد لذاته والثاني حمد له لإنعامه فلا يتكرر مع الأول كما يرشد له قوله: (مكافيا) أي مساويا، (ترادف) أي تتابع، (الآلاء) أي النعم. فكلما تجددت لى نعمة منه تعالى تجدد مني حمد له تعالى. واعلم أن مقابلة الحمد لجميع النعم يعجز عنها الخلق غاية العجز لأن التوفيق للحمد نعمة جليلة تقتضي حمدا وهلم جرا .. قال:
(لك الحمد مولانا على كل نعمة ... ومن جملة النعماء قولي لك الحمد)
(فلا حمد إلا أن تمن بنعمة ... تعاليت لا يقوى على حمدك العبد)
تنبيه:
اختلف في تعيين الفاضل من الحمد، فقيل: الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم على جميع نعمه كلها ما علمت منها وما لم أعلم، وقيل: اللهم لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وقيل: الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. قال الشيخ يوسف بن عمر وينبني على ذلك مسالة فقهية فيمن حلف ليحمدن الله تعالى بأفضل محامده، فمن أراد أن يخرج من الخلاف فليحمد بجميعها، اهـ نقله الحطاب.
وأتى الناظم ﵀ بالحمدلة بعد البسملة اقتداء بالقرآن العظيم وعملا بقوله، ﷺ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" أو قال: "أبتر" أو قال: "أجدع" أو قال: "أقطع" أي ناقص الشرف.
(ثم الصلاة والسلام تترا ... على أجل المرسلين قدرا)
أردف الحمد بالصلاة والسلام على من وصلت النعم المحمود عليها بواسطته، ﷺ، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ وعملا بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ بذكر الله ثم بالصلاة علي فهو أقطع". والصلاة من الله تعالى انعامه، ومن العبد طلبه منه تعالى كانت على

1 / 9