Nihāyat al-zayn fī irshād al-mubtadiʾīn
نهاية الزين في إرشاد المبتدئين
Publisher
دار الفكر
Edition
الأولى
Publisher Location
بيروت
كتاب نهاية الزين خطبة الكتاب الحمد لله الذي قوى بدلائل دينه أركان الشريعة وصحح بأحكامه فروع الملة الحنيفية أحمده سبحانه على ما علم وأشكره على ما أنعم وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين القائل من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تنشرح بها الصدور وتهون بها الأمور وتنكشف بها الستور وسلم تسليما كثيرا ما دامت الدهور
أما بعد فيقول العبد الفقير الراجي من ربه الخبير غفر الذنوب والتقصير محمد نووي ابن عمر التناري بلدا الأشعري اعتقادا الشافعي مذهبا هذا شرح على قرة العين بمهمات الدين للشيخ العلامة زين الدين ابن الشيخ عبد العزيز ابن العلامة زين الدين بن علي بن أحمد المليباري الفناني قصدت به نفع إخواني القاصرين مثلي وسميته
نهاية الزين في إرشاد االمبتدئين
Page 3
ولم يكن لي مما سطر في هذا الكتاب شيء بل جميعه مأخوذ من عبارات المؤلفين نفعنا الله بهم آمين وغالب ما فيه من نهاية الأمل للشيخ العلامة محمد بن إبراهيم أبي خضير الدمياطي فإنها عين غديقة ومن نهاية المحتاج وتحفة المحتاجللإكليلين محمد الرملي وأحمد بن حجر فإنهما عمدتان للمتأخرين من العلماء الشافعية ومن فتح الجواد والنهاية شرح أبي شجاع ومن الحواشي فما كان فيه من صواب فمنسوب إلى هؤلاء وما كان من خطأ فمن ذهني الكليل فالمرجو ممن اطلع عليه أن يصلحه بلطف واحتياط والله أسأل وبنبيه الكريم أتوسل أن ينفع به كما نفع بأصوله وأن يحله محل القبول إنه أكرم مسؤول
( بسم الله الرحمن الرحيم ) أقسام الاسم تسعة أولها الاسم الواقع على الشيء بحسب ذاته كسائر الأعلام نحو زيد فإنه ذات الشيء وحقيقته
ثانيها الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزاء ذاته كالجوهر للجدار والجسم له
ثالثها الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والأبيض والحار والبارد
رابعها الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية فقط كالمعلوم والمفهوم والمذكور والمالك والمملوك
خامسها الواقع على الشيء بحسب صفة سلبية كأعمى وفقير وسليم عن الآفات
سادسها الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كعالم وقادر بناء على أن العلم والقدرة صفة حقيقية لها إضافة للمعلومات والمقدورات
سابعها الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية مع صفة سلبية كقادر لا يعجز وعالم لا يجهل وكواجب الوجود
ثامنها الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية على صفة سلبية كلفظة أول فإنه عبارة عن كونه سابقا غيره وهو صفة إضافية وأنه لا يسبقه غيره وهو صفة سلبية وكالقيوم فإن معناه كونه قائما بنفسه أي لا يحتاج إلى غيره وهو سلب ومقوما لغيره وهو إضافة
تاسعها الواقع على الشيء بحسب مجموع صفة حقيقية وإضافية وسلبية كالإله فإنه يدل على كونه موجودا أزليا واجب الوجود لذاته وعلى الصفات السلبية الدالة على التنزيه وعلى الصفات الإضافية الدالة على الإيجاد والتكوين والله علم على الذات الواجب الوجود أي الذي لا يمكن عدمه لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال ولم يوجد نفسه ولم يوجده غيره
قال البندنيجي الاسم الأعظم هو الله عند أهل العلم والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان من رحم بتنزيله منزلة اللازم بأن يبقى على صفته غير متعلق بالمفعول فيقال رحم الله أي كثرت رحمته أو بجعله لازما بأن يحول من فعل بكسر العين إلى فعل بضمها وقدم الله على الرحمن الرحيم لأنه اسم ذات وهما اسما صفة والذات مقدمة على الصفة وقدم الرحمن على الرحيم لأنه خاص إذ لا يقال لغير الله بخلاف الرحيم والخاص مقدم على العام ولأنه أبلغ من الرحيم والأبلغية توجد تارة باعتبار العدد ولهذا قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن وتارة باعتبار الصفة ولهذا قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة
Page 4
( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) أي دلنا لهذا العمل ( وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) وهذه الجملة مستأنفة أو حال لكنها في معنى التعليل وما نافية وكان فعل ناقص ونا اسمها وخبرها محذوف متعلق للام الجحود الزائدة أي ما كنا مرادا هدايتنا وأن هدانا الله مبتدأ والخبر محذوف وجوبا وجواب لولا محذوف دل عليه قوله وما كنا لنهتدي أي لولا هداية الله موجودة ما اهتدينا والحمد اللفظي لغة الثناء بآلة النطق لأجل الجميل الاختياري حقيقة أو حكما مع قصد التعظيم ظاهرا وباطنا سواء كان في مقابلة نعمة أم لا
( والصلاة والسلام ) أي الدعاء لله بالرحمة المقرونة بتعظيم والدعاء لله بالتحية بالسلامة من الآفات ( على سيدنا محمد رسول الله ) رسالة عامة للإنس والجن على وجه التكليف ولغيرهم على وجه التشريف وشرعه صلى الله عليه وسلم باق إلى يوم القيامة لا ينسخه شرع آخر لعدم وجوده بعده ووقع نسخ بعض شرعه ببعضه وهو صلى الله عليه وسلم أفضل المخلوقات جميعا ويليه سيدنا إبراهيم ثم سيدنا موسى ثم سيدنا عيسى ثم سيدنا نوح وهؤلاء أولو العزم ثم بقية الرسل ثم الأنبياء غير الرسل ثم الرؤساء الأربعة من الملائكة وهم جبريل ثم مكيائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم عوام البشر والمراد بهم غير الأنبياء من الأولياء كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأشباههم ثم عوام الملائكة والمراد من عدا الرؤساء الأربعة كحملة العرش وهم الآن أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة أخرى وكالكروبيين بفتح الكاف وتخفيف الراء وهم ملائكة حافون بالعرش طائفون به ( وعلى آله ) وهم المؤمنون ولو عصاة واعتقاد أهل السنة أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم أجمعين ( وصحبه ) اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم بعد نبوته في حال حياته ولو أعمى كابن أم مكتوم أو غير مميز ومن ثم عدوا محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما صحابيا مع ولادته قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر وأيام وعد بعض المحدثين من رآه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل صحابيا ( الفائزين برضا الله ) تعالى وخير الصحابة رؤوسهم الأربعة الذين تولوا الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فأفضليتهم على ترتيب الخلافة فأبو بكر مكث في الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام وعمر مكث في الخلافة عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام وعثمان مكث في الخلافة إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وتسعة أيام وعلي مكث في الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام ثم بعد هؤلاء الأربعة بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة عامر بن الجراح ثم بعدهم أهل دار الخيزران غير من ذكر وكلهم أربعون رجلا كملوا بعمر بن الخطاب
Page 5
وقد كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه مستخفين في دار الخيزران وفي ساعة إسلام عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لا يعبد الله بعد اليوم سرا اخرج بنا إلى قريش إلا نخاف ونحن أربعون رجلا فخرجوا صفين يقدم أحدهما عمر والآخر حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حمزة قد أسلم قبله بثلاثة أيام ثم بعدهم أهل غزوة بدر وهو مكان بين مكة والمدينة وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أصحاب طالوت غزوا مع ألف من كفار قريش ومات من الصحابة أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ثم بعدهم في الفضيلة
أهل غزوة أحد وهو اسم جبل قريب من المدينة وهم سبعمائة غزوا مع ثلاثة آلاف من كفار مكة ومات من الصحابة سبعون ثم بعدهم في الفضيلة أهل الحديبية وهي بئر بقرب مكة على طريق جدة وهم الذين بايعوه صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان فهم ألف وأربعمائة وخرج صلى الله عليه وسلم بهم من المدينة عام ستة من الهجرة لزيارة البيت الحرام والاعتمار ولم يكن معهم سلاح إلا السيوف فنزلوا بأقصى الحديبية فصدهم المشركون عن دخول مكة ودعا صلى الله عليه وسلم الناس عند الشجرة للبيعة على الموت أو على أن لا يفروا بل يصبرون على الحرب فبايعوه على ذلك فمشت الوسائط في الصلح
تنبيه يندرج في إثبات الرسالة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مباحث علم الفقه وهي الأحكام الشرعية ومباحث علم التوحيد وهي ثلاثة إلهيات ونبويات وسمعيات
فالإلهيات هي المسائل المبحوث فيها عما يجب لله تعالى وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه
والنبويات هي المسائل المبحوث فيها عما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز في حقهم
والسمعيات هي المسائل التي لا تتلقى إلا عن السمع ولا تعلم إلا من الوحي وذلك كسؤال منكر ونكير لنا في القبر وعذاب القبر ونعيمه والبعث للحشر والشفاعة وكتب الأعمال والحساب والميزان والصراط والجنة والنار والإسراء والمعراج
وبعد أي بعد ما تقدم من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر ( فهذا ) المؤلف الحاضر في الذهن لا في الخارج ( مختصر ) أي قليل اللفظ ( في الفقه ) أي لتحصيل الفقه وهو لغة الفهم واصطلاحا ظن قوي بالأحكام الشرعية العملية مكتسب من أدلتها التفصيلية بأن يقال اقيموا من قوله تعالى
﴿أقيموا الصلاة﴾
أمر والأمر للوجوب فقوله أقيموا للوجوب
وموضوعه أفعال المكلفين من حيث عروض الأحكام التكليفية والوضعية لها
ومأخذه من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والاستحسان والاستقراء والاقتران فإن هذه أدلة ثم الاستحسان دليل ينقدح في نفس المجتهد كما استحسن إمامنا الشافعي التحليف على المصحف فإنه أبلغ في الزجر
وفائدته امتثال أوامر الله تعالى واجتناب مناهيه المحصلان للفوائد الدنيوية والأخروية وذلك كالبيع والشراء وكالصلاة
وفضله أنه من أشرف العلوم وهو من علوم الدين الشرعية
ونسبته أنه فرع علم التوحيد واسمه علم الفقه وعلم الفروع
والواضع له إجمالا الإمام أبو حنيفة النعمان بمعنى أنه أول مصنف فيه إلا باب التفليس والحجر والسبق والرمي فأول مصنف فيه إمامنا الشافعي
وحكم الشارع في تعلمه الوجوب العيني فيما يتلبس به الشخص والكفائي في غير ذلك
Page 6
ومسائله قضاياه التي يبحث فيه عنها كزكاة التجارة واجبة والحلف بغير الله مكروه وزيارة القبور مستحبة والأكل لا بقصد شيء مباح ( على مذهب الإمام ) المجتهد اجتهادا مطلقا أي على اختياره للأحكام ( الشافعي ) نسبة إلى شافع بن السائب نسب هذا الإمام إليه لأنه صحابي ابن صحابي ( رحمه الله تعالى ) والمجتهد المطلق هو من يقدر على استنباط الأحكام من الأدلة ومجتهد المذهب هو الذي يقدر على الاستنباط من قواعد إمامه كالمزني والبويطي ومجتهد الفتوى من يقدر على الترجيح لبعض أقوال إمامه على بعض كالنووي والرافعي لا كالرملي وابن حجر لأنهما مقلدان فقط ويجب على من لم يكن فيه أهلية الاجتهاد المطلق أن يقلد في الفروع واحدا من الأئمة الأربعة المشهورين وهم الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم والدليل على ذلك قوله تعالى
﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾
21 الأنبياء الآية 7 فأوجب الله السؤال على من لم يعلم ويلزم عليه الأخذ بقول العالم وذلك تقليد له ولا يجوز تقليد غير هؤلاء الأربعة من باقي المجتهدين في الفروع مثل الإمام سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي ولا يجوز أيضا تقليد واحد من أكابر الصحابة لأن مذاهبهم لم تضبط ولم تدون وأما من فيه أهلية الاجتهاد المطلق فإنه يحرم عليه التقليد ويجب على من لم يكن فيه الأهلية أن يقلد في الأصول أي العقائد للإمام أبي الحسن الأشعري أو الإمام أبي منصور الماتريدي لكن إيمان المقلد مختلف فيه بالنسبة إلى أحكام الآخرة أما بالنظر إلى أحكام الدنيا فيكفيه الإقرار فقط والأصح أن المقلد مؤمن عاص إن قدر على النظر وغير عاص إن لم يقدر ثم إن جزم بقول الغير جزما قويا بحيث لو رجع المقلد بالفتح لم يرجع هو كفاه في الإيمان لكنه عاص بترك النظر إن كان فيه أهلية النظر
وإن لم يجزم بقول الغير جزما قويا بأن كان جازما لكن لو رجع المقلد بالفتح لرجع هو لم يكفه في الإيمان ويجب على من ذكر أن يقلد في علم التصوف إماما من أئمة التصوف كالجنيد وهو الإمام سعيد بن محمد أبو القاسم الجنيد سيد الصوفية علما وعملا رضي الله عنه
والحاصل أن الإمام الشافعي ونحوه هداة الأمة في الفروع والإمام الأشعري ونحوه هداة الأمة في الأصول والجنيد ونحوه هداة الأمة في التصوف فجزاهم الله خيرا ونفعنا بهم آمين
Page 7
( وسميته ) أي هذا المختصر ( بقرة العين بمهمات الدين راجيا ) أي مؤملا ( من الرحمن ) أي كثير الرحمة جدا ( أن ينتفع به ) أي بهذا المختصر ( الأذكياء ) أي سراع الفهم ( وأن تقر ) أي تفرح ( به ) أي بسبب هذا المختصر ( عيني غدا ) أي في الجنة ( بالنظر إلى وجهه الكريم بكرة وعشيا ) ويجب اعتقاد أنه تعالى يرى بالأبصار في الآخرة للمؤمنين بلا تكيف للمرئي بكيفية من كيفيات الحوادث من مقابلة وجهة وتحيز وغير ذلك ومحل الرؤية الجنة بلا خلاف فيراه تعالى أهلها في مثل يوم الجمعة والعيد ويراه تعالى خواصهم كل يوم بكرة وعشيا
قال أبو زيد البسطامي إن لله خواص من عباده لو حجبهم عن الجنة عن رؤيته تعالى ساعة لاستغاثوا من الجنة ونعيمها كما يستغيث أهل النار من النار وعذابها
2 باب الصلاة 2
حقيقتها شرعا أقوال غالبا وأفعال ولو قلبية مفتتحة بالتكبير المقترن بالنية مختتمة بالتسليم على وجه مخصوص وهي أربعة أنواع فرض عين بالشرع وفرض عين بالنذر وفرض كفاية وسنة
فالفرض العيني بالشرع خمس صلوات في كل يوم وليلة
وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح لا غير
ووجوبها معلوم من الدين بالضرورة فيكفر جاحدها
وفرضت ليلة المعراج في السماء وهذه الصلوات تفرقت في الأنبياء فالفجر لآدم والظهر لإبراهيم والعصر لسليمان والمغرب لعيسى ركعتين عن نفسه وركعة عن أمه والعشاء خصت به هذه الأمة
وقيل الظهر لداود والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس وقيل لموسى والأصح أن العشاء من خصوصيتنا كما نقله الشبراملسي عن ابن قاسم
والغرض بالنذر هو ما يوجبه المكلف على نفسه بالنذر من النوافل ويسلك بالنذر مسلك واجب الشرع في العزائم كوجوب فعله دون الرخص كالقصر والجمع
وفرض الكفاية هو صلاة الجنازة
والسنة هي النوافل الآتي بيانها ( إنما تجب المكتوبة ) أي الصلوات الخمس ( على مسلم ) ولو فيما مضى ذكر أو غيره فلا تجب على كافر أصلي وجوب مطالبة بها منا في الدنيا لعدم صحتها منه لكن تجب عليه وجوب معاقبة عليها في الآخرة لتمكنه من فعلها بالإسلام ولا قضاء عليه إذا أسلم فإذا أسلم أثيب على ما فعله من القرب التي لا تحتاج إلى نية كصدقة وصلة وعتق
Page 8
وتجب على المرتد فيقضيها إذا أسلم حتى زمن الجنون في الردة تغليظا عليه ولأنه التزمها بالإسلام فلا تسقط عنه بالجحود كحق الآدمي بخلاف زمن الحيض والنفاس فيها فلا تقضي في ذلك ( مكلف ) أي بالغ عاقل سليم الحواس بلغته الدعوة فلا تجب على صبي ولا على مجنون لم يتعد بسبب جنونه كمن وثب وثبة لم يرد بها زوال عقله ولا على سكران بغير مؤثم لعدم تكليفهم
لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق
رواه ابن ماجه والحاكم
ومن نشأ بشاهق جبل ولم تبلغه دعوة الإسلام غير مكلف بشيء وكذا من خلق أعمى أصم فإنه غير مكلف بشيء إذ لا طريق له إلى العلم بذلك ولو كان ناطقا لأن النطق بمجرده لا يكون طريقا لمعرفة الأحكام الشرعية بخلاف من طرأ عليه ذلك بعد المعرفة فإنه مكلف ولو أسلم من لم تبلغه الدعوة وجب عليه القضاء لأنه منزل منزلة مسلم نشأ بعيدا عن العلماء بخلاف من خلق أعمى أصم فإنه إن زال مانعه لا قضاء عليه لأنه ليس فيه أهلية الخطاب ( طاهر ) من الحيض والنفاس فلا تجب على حائض ونفساء لعدم صحتها منهما فمن توفرت فيه هذه الشروط وجبت عليه الصلاة إجماعا
( ويقتل ) أي من ذكر بضرب عنقه بالسيف لا بغير ذلك ( إن أخرجها ) أي الصلاة ولو صلاة واحدة فقط ( عن وقت جمع ) لها إن كان فلا يقتل بترك الظهر كالعصر حتى تغرب الشمس ولا بترك المغرب كالعشاء حتى يطلع الفجر لأن وقت الجمع وقت الصلاة في العذر فكان شبهة في القتل ويقتل بترك الصبح بعد طلوع الشمس
أما الجمعة فيقتل بها إذا ضاق الوقت عن أقل ممكن من الخطبة والصلاة وإن قال أصليها ظهرا لأن الظهر ليس بدلا عنها ( كسلا ) أو تهاونا مع اعتقاده وجوبها ( إن لم يتب ) أي إن لم يفعل الصلاة بعد مطالبة الإمام أو نائبه بأدائها وتوعده بالقتل فلا يفيد طلب غيره وتوعده ثبوت القتل لأنه ليس من منصبه فيطالب ندبا الإمام أو نائبه في الحال بأدائها إذا ضاق وقتها عن فعلها بأن بقي من الوقت زمن يسع مقدار الفريضة والطهارة ويتوعده بالقتل إن أخرجها عن الوقت فيقول له صل فإن صليت تركناك وإن أخرجتها عن الوقت قتلناك
وعلم من ذلك أن الوقت وقتان وقت أمر ووقت قتل فلا يقتل عند ضيق الوقت بحيث يتحقق فوتها
ثم القتل بعد خروج الوقت ليس لمطلق كونها قضاء إذ لا قتل به وإنما هو للترك بلا عذر مع الطلب منه في الوقت وامتناعه من الفعل بعده وإن لم يصرح بقوله لا أفعل كما في فتح الجواد
Page 9
وحكمه بعد قتله حكم باقي المسلمين في وجوب الدفن والغسل والتكفين والصلاة عليه كغيره ممن قتل حدا من المسلمين ولو زعم زاعم أن بينه وبين الله حالة أسقطت عنه الصلاة وأحلت له شرب الخمر كما زعمه بعض الصوفية فلا شك في وجوب قتله وإن كان في خلوده في النار نظر وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر لأن ضرره أكثر ( ويبادر بفائت ) من فرض صلاة أو غيرها متى تذكره وجوبا إن فات بغير عذر تعجيلا لبراءة الذمة فلا يجوز لغير المعذور أن يصرف زمنا في غير قضائه كالتطوع وفرض الكفاية وفرض عين موسع إلا فيما يضطر إليه كالنوم وتحصيل مؤنة من تلزمه مؤنته وكالصور المستثناة من وجوبها الفورية وهي مسائل منها ما إذا خاف فوت أداء حاضرة بأن علم أنه لو اشتغل بقضاء الفائتة لم يدرك من وقت الحاضرة ما يسع ركعة فيبدأ بالحاضرة وجوبا وخرج بفوت أداء الحاضرة فوت جماعتها فإذا خاف فوتها بدأ بالقضاء وظاهر هذا أنه يبدأ بالفائتة ولو بعذر وأنه لا فرق بين أن يرجو جماعة غير هذه أو لا
ومنها ما إذا لم يوجد إلا ثوب واحد في رفقة عراة أو ازدحموا على بئر أو مكان للصلاة فلا يقضي حتى تنتهي النوبة إليه
ومنها فاقد الطهورين إذا صلى لحرمة الوقت ثم وجد خارج الوقت ترابا لا يسقط به الفرض كأن كان بمحل يغلب فيه وجود الماء فلا يقضي به إذ لا فائدة فيه
ومنها ما إذا وجد غريقا يجب إنقاذه فيحرم اشتغاله بالقضاء ويبادر بفائت استحبابا مسارعة لبراءة ذمته إن فات بعذر فإن وجوب قضائه على التراخي والعذر كنوم لم يتعد به بأن كان قبل دخول الوقت أو فيه ووثق بيقظته قبل خروجه بحيث يدرك الصلاة فيه فإن كان متعديا به كأن نام بعد دخوله ولم يثق بيقظته فيه وجب القضاء فورا وحيث لم يكن متعديا بالنوم واستيقظ من نومه وقد بقي من وقت الفريضة ما لا يسع إلا الوضوء أو بعضه فحكمه حكم ما فاته بعذر فلا يجب قضاؤها فورا
ومن الأعذار نسيان لم ينشأ عن تقصير فإن كان عن تقصير كاشتغال بلعب فليس عذرا واشتغال بما يلزمه تقديمه على الصلاة كدفع صائل وتقضي الجمعة ظهرا
ويندب قضاء النوافل المؤقتة دون النفل المطلق وذي السبب ولو كان عليه فوائت لا يعلم عددها قضى ما تحقق تركه فلا يقضي المشكوك فيه على ما قاله القفال والمعتمد ما قاله القاضي حسين أنه يقضي ما زاد على ما تحقق فعله فيقضي ما ذكر ( ويسن ترتيبه ) أي الفائت في القضاء على ترتيب أوقات الفوائت وأيامها خروجا من خلاف من أوجبه فيبدأ بالفائت أولا ولو بعذر ويؤخر عنه الفائت ثانيا ولو بلا عذر فلو فاته ظهر هذا اليوم مثلا بعذر وعصره بلا عذر قدم في القضاء الظهر مراعاة للترتيب
وفهم من هذا المثال أنه لو فاته عصر الأمس وظهر اليوم قدم في القضاء عصر الأمس على ظهر اليوم مراعاة للترتيب ( و ) يسن ( تقديمه ) أي الفائت ( على حاضرة ) على تفصيل في ذلك
Page 10
حاصله أنه إن كان يعلم أنه بعد فراغه من الفائتة يدرك الحاضرة كلها في الوقت بدأ بالفائتة وجوبا إن فاتته بلا عذر وندبا إن فاتته بعذر وإن كان يعلم أنه بعد فراغه منها لا يدرك من الحاضرة إلا ركعة في الوقت بدأ بالفائتة ندبا مطلقا ولو كان الباقي من الوقت ما يسع الوضوء ودون ركعة قدم الحاضرة على الفائتة لئلا تصير صاحبة الوقت فائتة أيضا ولو تذكر فائتة بعد شروعه في حاضرة أتمها ضاق الوقت أو اتسع وسواء كانت الفائتة يجب قضاؤها فورا أو لا ولو شرع في فائتة معتقدا سعة الوقت فبان ضيقه وجب قطعها والأفضل قلبها نفلا مطلقا حيث فعل منها ركعة فأكثر لا أقل
( ويؤمر ) صبي ذكر وأنثى ( مميز ) بأن يصير أهلا لأن يأكل وحده ويشرب ويستنجي كذلك ( بها ) أي الصلاة ولو قضاء أي يجب على كل من أبويه وإن علا ثم الوصي أو القيم وكذا نحو الملتقط ومالك الرقيق والوديع والمستعير أن يأمر الطفل بالصلاة ( لسبع ) من السنين أي بعد استكمالها فلا يجب الأمر قبل اجتماع السبع والتمييز ولا يقتصر الولي على مجرد الأمر بل مع التهديد على ترك الصلاة كأن يتوعده بما يخوفه إذا تركها ( ويضرب ) أي المميز وجوبا على من ذكر ( عليها ) أي على تركها ضربا غير مبرح ( لعشر ) لأنه مظنة البلوغ فيجوز ضربه في أثناء العاشرة
والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع ( كصوم أطاقه ) بأن لم تحصل له به مشقة لا تحتمل عادة وإن لم تبح التيمم
ويجب على من مر نهيه عن المحرمات وتعليمه الواجبات وسائر الشرائع كالسواك وحضور الجماعات ثم إن بلغ رشيدا انتفى ذلك عن الأولياء أو سفيها فولاية الأب مستمرة فيكون كالصبي وأجرة تعليمه الواجبات في ماله فإن لم يكن فعلى الأب ثم الأم ويخرج من ماله أجرة تعليم القرآن والآداب كزكاته ونفقة ممونه وبدل متلفه فمعنى وجوبها في ماله ثبوتها في ذمة الصبي
( وأول واجب ) من المقاصد على كل مكلف من ذكر وأنثى معرفة كل عقيدة بالدليل الإجمالي ويقوم مقام ذلك معرفته بالكشف
والمعرفة جزم بالعقائد مطابق للواقع ناشىء عن دليل فخرج بها الظن والشك والوهم في العقائد فإن صاحبها كافر
Page 11
وأول واجب من الوسائل النظر وهو أن يتأمل بفكره في المصنوعات فيستدل بها على وجود الصانع وصفاته فينظر في أحوال ذاته وما اشتملت عليه من سمع وبصر وكلام وطول وعمق ورضا وغضب وبياض وحمرة وسواد وعلم وجهل ولذة وألم وغير ذلك مما لا يحصى وكلها متغيرة من عدم إلى وجود وبالعكس فتكون حادثة وهي قائمة بالذات لازمة لها وملازم الحادث حادث وذلك دليل الافتقار إلى صانع حكيم واجب الوجود عام العلم تام القدرة والإرادة فاعل بالاختيار يفعل ما يشاء ثم يتأمل في العالم العلوي وهو ما ارتفع من الفلكيات من سموات وكواكب وغيرها فإنه يجد بعض ذلك ساكنا وبعضه متحركا وبعضه نورانيا وبعضه ظلمانيا وذلك دليل حدوثها وافتقارها إلى صانع حكيم ثم يتأمل في العالم السفلي وهو ما نزل من الفلكيات كالهواء والسحاب والأرض وما فيها من المعادن والبحار والنبات وغير ذلك فإنه يجد في ذلك صنعا بديع الحكم من ألوان مستحسنة في الحيوانات والنباتات وغيرهما واختلاف بقاع وأصوات وألوان ومقادير ولغات إلى ما لا يحصى من الصفات ولا يحيط به إلا خالق الأرض والسموات وجميع ذلك ملازم للأعراض الحادثة وذلك يدل على حدوثه فيكون دالا على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته وحياته لأن ذلك لا يصدر إلا عمن اتصف بما ذكر
وقال السمعاني يجب ( على الآباء ) ثم على الوصي أو القيم ( تعليمه ) أي المميز ( أن نبينا ) محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وسلم بعث بمكة ) إلى كافة الثقلين ( ودفن بالمدينة ) وأنه واجب الطاعة والمحبة انتهى
واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ من العمر أربعين سنة نبأه الله تعالى في يوم الإثنين في شهر ربيع الأول وأرسله لكافة الناس بشيرا ونذيرا ولما بلغ صلى الله عليه وسلم من العمر إحدى وخمسين سنة ونصفا أسرى بجسده وروحه يقظة من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج منه إلى السموات السبع إلى سدرة المنتهى إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام إلى العرش إلى مكان الخطاب مع ربه
وفرض في ذلك الوقت عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته خمس صلوات
ولما كمل له صلى الله عليه وسلم من العمر ثلاث وخمسون سنة أمره الله تعالى بالهجرة من مكة إلى المدينة فخرج من مكة يوم الخميس هلال ربيع الأول واختفى بغار ثور ثم خرج منه ليلة الإثنين وقدم صلى الله عليه وسلم المدينة أي قباء يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول
ولما كمل له من العمر ثلاث وستون سنة توفاه الله تعالى وكان ذلك يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول فدفن في حجرة عائشة رضي الله عنها وكان حمله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين في غرة رجب وولادته يوم الإثنين أو ليلة الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول فى مكة في سوق الليل من محل مولده المشهور
وقال الصبان الذي عليه الإجماع أنه صلى الله عليه وسلم حمل به يوم الإثنين ومثله ولادته وبعثته وخروجه من مكة أي من غار ثور ووصوله المدينة أي قباء ووفاته
ونقل بعض الأفاضل عن القليوبي وعن جمع من المحققين أنه صلى الله عليه وسلم لم يولد من الفرج بل من محل فتح فوق الفرج وتحت السرة والتأم في ساعته
ونقل عن القاضي عياض أن مثله صلى الله عليه وسلم في ذلك جميع الأنبياء والمرسلين لكن قال العلامة التلمساني وكل من الأنبياء غير نبينا مولودون من فوق الفرج وتحت السرة وأما نبينا فمولود من الخاصرة اليسرى تحت الضلوع ثم التأم لوقته خصوصية له فتحصل لك من هذه أنه لم يصح نقل بولادته من الفرج وكذا غيره من الأنبياء ولهذا أفتى المالكية بقتل من قال إن نبينا ولد من مجرى البول اه
فصل في مسائل منثورة
( شروط الصلاة خمسة أحدها طهارة عن حدث وجنابة ) ومقاصد الطهارة أربعة الوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة
Page 12