بَين أَنَّهَا الرأفة الَّتِي خلقهَا ثمَّ قَامَت مقَام العائذ إِلَى الحقو من القطيعة فَتلك شجنة ناتئة من الْعَرْش معلقَة مِنْهُ بهَا يتواصلون ويتقاطعون وحرقتها فِي الأجواف وَالرَّحْمَة هُنَاكَ ثمَّ هِيَ مقسومة بَين الْخلق فِيهَا يتراءفون وَبهَا يتعاطفون فَإِذا قطعهَا فقد انْقَطع من رأفة الله تَعَالَى فَلذَلِك يَجْعَل عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا وَلذَلِك قيل أعجل الْبر ثَوابًا صلَة الرَّحِم فأسرع الشَّيْء عقَابا الْبَغي وَقَطِيعَة الرَّحِم وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى خلق الْإِنْسَان فَجعل الرأفة مِنْهُ فِي الطحال وَهُوَ فِي مَوضِع الحقو يجد الْآدَمِيّ مِنْهُ حرقة تصل إِلَى الْفُؤَاد فيعلمه وَهُوَ الَّذِي يُسمى بالعجمية مهر وَجعلهَا دَمًا فِي الطحال لَهُ حرارة ثمَّ جعل لَهَا فِي الْعُرُوق مجْرى مِنْهَا فصيرها فِي الْأَرْحَام جَارِيَة ليصلوها قَالَ ﷺ إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يخلق النَّسمَة فغشى الرجل وَالْمَرْأَة أحضر كل رحم لَهُ ثمَّ قَرَأَ ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾
وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن بُرَيْدَة إِن رجلا من الْأَنْصَار ولدت لَهُ امْرَأَته غُلَاما حَبَشِيًّا أسود فَأخذ بيد امْرَأَته فاتى بهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لقد تزَوجنِي بكرا وَمَا أقعدت مَقْعَده أحدا فَقَالَ ﷺ صدقت إِن لَك تِسْعَة وَتِسْعين عرقا وَله مثل ذَلِك
فَإِذا كَانَ حِين الْوَلَد اضْطَرَبَتْ الْعُرُوق كلهَا لَيْسَ مِنْهَا عرق الا يسْأَل الله تَعَالَى أَن يَجْعَل ذَلِك الشّبَه بِهِ فَهَذِهِ عروق فِيهَا دِمَاء وَالرحم خلقتها من الْمَرْأَة كالكيس وَهِي عضلة وَعصب وعروق وَرَأس عصبها فِي الدِّمَاغ وَلها فَم بحذاء قبلهَا وَلها قرنان شبه الجناحين تجذب بهما النُّطْفَة لقبولها وَمن دَاخل فمها أَرْبَعَة أَفْوَاه إِلَى الرَّحِم فَإِن دخل النُّطْفَة من بَاب فولد وَإِن دخل من بَابَيْنِ فولدان وعَلى هَذَا وَهَذِه الدِّمَاء جَارِيَة من الْأَرْحَام إِلَى الْأَرْحَام منتقلة بَعْضهَا إِلَى بعض إِلَى