Al-Nāsikh waʾl-mansūkh fī al-qurʾān al-karīm

الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم

Editor

رسالة دكتوراة للمحقق

Publisher

مكتبة الثقافة الدينية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م

المنزلة الثالثة:
وإذ انتهيت إلى هذا المقام، فللنسخ شرائط أمهاتها ستة:
الأول: أن يكون شرعيا غير عقلي، فإن الموت لا ينسخ التكليف مثلا.
الثاني: أن يكون منفصلا غير متصل، ونحن نعلم أنه لما قال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ لم يكن نسخا. فلا خلاف فيه إذا كانت الغاية معلومة كما قدمنا. فإن كانت مجهولة كقوله تعالى: ﴿حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾، فاختلف الناس فيه: هل هو نسخ او لا؟ والصحيح أنه نسخ، لأن معاني النسخ فيه موجودة وقد بيناه في الأصول.
الثالث: أن يكون المقتضى بالمنسوخ غير المقتضى بالناسخ حتى لا يكون منه البدل، ولذلك قال كثير من علمائنا: إن النسخ هو النص (الدال) على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل (في الاستقبال) على وجه لولاه لثبت. وقال "أبو المعالي": النسخ ظهور ما ينافي شرط استمرار الحكم، فقوله: افعل، طلب إلا أنه مشروط في المعنى بأن لا ينهى عنه. وحقيقة النسخ إنما تصادف (الظاهر) في اعتقادنا، فأما (عند الله) فالأمر أولا وآخرا على ما ظهر.
الرابع: أن يكون الجمع بين الدليلين غير ممكن.
الخامس: أن يكون الناسخ في العلم والعمل مثل المنسوخ، وذلك مما اختلف الأوائل فيه، وسنبينه (في موضعه) إن شاء الله تعالى.
السادس: معرفة (المتقدم من المتأخر).

2 / 1

المنزلة الرابعة:
وكذلك ليس من شرطه أن يكون إلى بدل، خلافا لما ظنه قوم من المقصرين في ذلك لقول الله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها). فإن ذلك مفهوم (حسب) ما يأتي، إذ ترك البدل (كثير) فقد نسخ الله ترك تقديم الصدقة في النجوى (ونسخ التربص حولا كاملا بالنص) على أربعة أشهر وعشرا. كل ذلك إلى غير بدل. ولكنه قد يكون النسخ إلى بدل وهي:
المنزلة الخامسة:
وهو على خمسة أوجه:
الأول: أن الله تعالى نسخ وجوب ثبوت العشرة للمائة في القتال، إلى ثبوت الواحد للأثنين، وبقي ثبوت العشرة ندبا، أو مباحا، أو ممنوعا، على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
الثاني: نسخ قيام الليل بالصلوات الخمس على قول، أو (وضع) الندب موضع الوجوب على (آخر).
الثالث: نسخ التخيير (بالإلزام) في الصوم.

2 / 2

الرابع: نسخ القبلة بالقبلة.
الخامس: نسخ التحريم بالإباحة في المباشرة من بعد النوم، والفطر إلى الفطر الآخر، وكذلك زيارة القبور بعد المنع من زيارتها لقوله ﷺ: "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فالآن زوروها ولا تقولوا هجرا" وكذلك بإباحة لحوم الأضاحي مدخرة، بعد النهي عن ادخارها. وليس من شرطه وهي:
المنزلة السادسة:
أن يعلم أن الأخف قد نسخ بالأشد، لما يعلم الله ذلك، فإن قيل: وكيف هذا؟ قلنا قد ينسخ التخيير في الصوم بالإلزام. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ قلنا: اعتراض على الله الذي لا يُسأل عما يفعل. فإن قيل: إنما هو سؤال إيضاح مشكل، وتأليف متعارض، قلنا: إلزام الصوم لا حرج فيه، والتخيير دونه، فانتقل عما لاحرج فيه إلى ما لا حرج فيه.
المنزلة السابعة:
إذا انتهى بدء التنزيل إلى هذه المنزلة فلا بد من معرفة الناسخ بعد معرفة النسخ، والناسخ فاعل من نسخ، وذلك بالحقيقة لله وحده. زكون كلامه ناسخا مجاز ثان للحقيقة، وكون الشيء المخبر عن الكلام ناسخا مجاز ثالث لهما وجاز إطلاقه على غير الله مع معرفة الحقيقة، قصدا إلى تعريف البيان، وإذا عرفتم فأقسامه أربعة:
الأول: كتاب ينسخ كتابا.
الثاني: سنة تنسخ سنة.
الثالث: كتاب ينسخ سنة.
الرابع: سنة تنسخ كتابا.

2 / 3

والكل من عند الله ينسخ بعضه بعضا. وقيل عن قوم "إنه لا ينسخ الكتاب إلا الكتاب، ولا تنسخ السنة إلا السنة، إذ لا ينسخ الشيء إلا بمثله". وأجل من حُكِيَ عنه ذلك الشافعي في صحيح أقواله، وغاية متعلقهم شيئان: أحدهما أن الرسول ﷺ كان له أن يجتهد واجتهاده واجب الإتباع. فلا يجوز أن يبين الرسول باجتهاده ما يخالف الكتاب.
أما الثاني (في) قوله أن الكتاب لا ينسخ السنة فإن فيه تقرير الرسول ﷺ على الخطأ ما بين العمل بالسنة ثم ورود الكتاب بعدها. وهذا ضعيف جدا. إنما الكل من عند الله (وقد) استوت في العلم، فالعمل بها واجب (وإن اختلفوا في) خبر الواحد (كأن) يأتي خبر الواحد بخلافه فإن الاجماع قد انعقد على أن القرآن لا ينسخ به (...) وقد ظن قوم أن السنة نسخت القرآن في الوصية

2 / 4

للوالدين والأقربين. نسختها السنة. قلنا: ما نسختها غلا آية المواريث على ما نبينه. وكذلك قالوا: الامساك في البيوت قرآن نسختها الرجم سنة، وقد قال قوم: نسختها آية الرجم ثم نسخ لفظها وبقي حكمها، كما قال عمر ﵁، وكذلك قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم﴾، مثله، على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ونسخ الإجماع من هذا القبيل فإن الإجماع إما أن يكون عن خبر أو عن نظر، والنظر لا يرفع النص والخبر قد يظهر وقد يطمسه الإجماع.
المنزلة الثامنة:
فإذا تقرر النسخ فقد ينسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ويجوز نسخ التلاوة ويقاء الحكم، ومنعته المعتزلة، وقالوا: كيف ينسخ الأصل ويبقى الفرع؟ قلنا: الحكم وإن ثبت بالتلاوة، إذا استقر ساوى كل حكم ثبت بغير نص، ومنها نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ومنها نسخ ما ليس متلوا بما ليس بمتلو، كقول عائشة ﵂ (كان مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس رضعات معلومات) إلى أقسام كثيرة أعدادها نضعها في مواضعها.
وقد ينسخ الأمر أصلا فلا يبقى له ذكر لا في اللفظ ولا في المعنى. فقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن سورة نحوا من التوبة نزلت ثم رفعت. فهذه منازل النسخ الثمانية التي يتنزل المرء فيها، وتعرض بعد هذا مغالطات نبهنا عليها في كتب الأصول، أمهاتها خمس:

2 / 5

المغالطة الأولى:
قول طائفة إن الناس اختلفوا في الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟ ولا شك في أنها نسخ وقد بيناها في أصول الفقه، وفي تصويرها عسر وستراه في موضعه إن شاء الله. والذي يحقق ذلك أن الأجزاء دون الزيادة حكما ثم طرأ على الأجزاء زيادة نفته فكانت نسخا.
المغالطة الثانية:
زيادة الشرط في الشيء هل يكون نسخا أولا يكون نسخا؟ وإنما يكون نسخا كزيادة الإيمان في وصف رقبة الظهار تخصيص لا نسخ. وقد بينا الفرق بين التخصيص والنسخ. وكذلك النقصان نسخ وقد بيناه في الأصول، وكل ما تسمع فيه من التطويل ليس وراءه تحصيل.
المغالطة الثالثة:
متى يثبت حكم النسخ: إذا نزل أو بلغ المكلف؟ ولا شك أن حكمه إنما يثبت مع البلوغ فأما قبل ذلك فلا مؤاخذة به سمعا وإن جازت عقلا ولم يرد بذلك سمع فبقينا على أصل النفي.

2 / 6

المغالطة الرابعة:
ظن قوم أن الإجماع نسخ في نفسه وينسخ به، ولا يتصور ذلك فيه لأنه لا دليل يستقر بعد الوحي. فإن قيل: فإذا أجمعت الأمة على قول من قولين تقدما في القرن السابق؟ قلنا: لا يكون نسخا لأن من يقول بأن الخلافلا يرتفع به قد بان ذلك فيه، ومن قال يرتفع الخلاف لم يكن هذا من باب النسخ، فإن الاجتهاد كان سابقا وتردد النظر على قولين ثم انحذف أحد الاجتهادين وبقي الثاني. ولو كان صحيحا لكان القياس نسخا عند النظر به أو فيه، ولا يصح ذلك لجواز الرجوع في كل حال عنه وإنما هي فسحة أذن الشرع فيها ورحمة خص هذه الأمة بها، وضوعف (الأجر) لها عليها.
المغالطة الخامسة:
ظن قوم أن النسخ في جميع القرآن ([طمس]) وهو باطل والذي أوقعهم فيه قوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك). وهذه الآية من المشكلات وقد استوفينا النظر فيها في كتابها ولبابه أن المعلومات على أقسام فيما يتعلق بغرضنا هذا:
منها المحال كاجتماع الضدين.
ومنها خلاف المعلوم الذي وقع الإخبار بعلم الباري فيه وعنه.
ومنها الجائز المطلق الذي لم يتعلق علم عندنا في علمنا به.
فأما المطلق إذا علقت به الإرادة فقال ربنا: لو شئت لكان كذا، فهذا مطلق وإرادة مطلق ومعنى موضح لا إشكال فيه. وإذا علق الإرادة سبحانه بالمحال المعلوم الذي أخبر به، فذلك المشكل الذي يفسره التأويل كقوله تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه﴾ فهذا إن حمل اللفظ فيه على الولد حقيقة كان تقديره: لو أراد الله أن يتخذ ولدا حقيقة لاتخذه.

2 / 7

وذلك لا يتصور فيؤول القول إلى أن معناه لو أراد الله مالا يتصور ولا يصح أن يوجد لوجد فكان ينفي أول الكلام آخره ولا يبقى له معنى، ولو كان معناه لو أراد الله أن يتبنى ولدا لاصطفاه من خلقه باستحالته وتبين بأخباره أن ذلك لا يكون.
وهذا القدر هو الذي جهله المبطلون فقالوا: إن الله قادر على أن يجعل له ولدا.
سبحانه وتعالى عما يقولون. وكقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ إذ كان جائزا ألا يبعث رسولا وإذ بعثه فقد كان جائزا أن يذهب به وبما أرسله به، ولكنه قد أخبر سبحانه أنه لا يفعل ذلك وأبان أنه مبعوث بالرحمة إلى يوم القيامة، فامتنع ذلك بخلاف المعلوم فعلق الارادة به جائز في ذاته وامتناعه من جهة الخبر ظاهر بوروده. ومن أراد الشفاء من داء الغوامض فعليه بكتابها والله الموفق.
وإذ قد بلغ القول إلى هذا المنتهى فلنشرع بعد بعون الله في بيان أعداد الآي المنسوخة والمخصوصة على ترتيب السور كما وعدنا إن شاء الله تعالى، مع ما يتبعها من عوارض ولواحق بحول الله تعالى.

2 / 8

﴿سورة البقرة﴾
مدنية بإجماع ومعرفة المدني من المكي أمر عسير لم تبلغ إليه معرفة العلماء على التحقيق ولا ثبت فيه النقل على الصحيح. وإنما أراد الله أن يكون كذلك في سبيل الاحتمال حتى تختلف بالمجتهدين الأحوال، وأمثل ما تحصل لي في ذلك ما أورده على خلافه.
ذكر ما نزل من القرآن بمكة.
روى محمد بن علي عن أبيه: نزل بمكة: أربع وثمانون سورة وسائره بالمدينة، وعن ابن المسيب نحوه، وقال القاسم بن محمد عن عائشة ﵂: نزلت بمكة ست عشرة سورة قبل الهجرة: (اقرأ باسم ربك، ون والقلم، وتبت يدا أبي لهب، والكوثر، والأعلى، وألم نشرح، والفجر، ولم يكن الذين كفروا، وعبس وتولى، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، والرحمن والجن، ويس، ومريم،

2 / 9

والواقعة). وقال مجاهد (نزل بمكة خمس وثمانون سورة. اقرأ باسم ربك، ثم ن والقلم، ثم يا أيها المزمل، وآخرها بطريق مكة ــ ثم تبت يدا، ثم الأعلى، ثم ألم نشرح لك صدرك، ثم العصر، ثم الفجر، ثم الضحى، ثم الليل إذا يغشى، ثم العاديات ضبحا، ثم الكوثر،ثم ألهاكم، ثم أرأيت، ثم قل يا أيا الكافرون، ثم الفيل، ثم قل هو الله أحد، ثم قل أعوذ برب الفلق، ثم قل أعوذ برب الناس، ويقال إنها مدنية ــ ثم عبس، ثم إنا أنزلناه في ليلة القدر، ثم الشمس وضحاها، ثم والسماء ذات البروج، ثم والتين والزيتون، ثم لإيلاف قريش، ثم القارعة، ثم لا أقسم بيوم القيامة، ثم ويل لكل همزة، ثم المرسلات، ثم ق والقرآن المجيد، ثم لا أقسم بهذا البلد، ثم الرحمن، ثم قل أوحي، ثم يسن، ثم (الفرقان)، ثم ص، ثم المدثر، ثم تبارك، ثم الحمد لله فاطر، ثم سائر الملائكة، ثم مريم، ثم طه، ثم الشعراء، ثم طس، ثم القصص، ثم بني اسرائيل، ثم هود، ثم يونس، ثم يوسف، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم الحجر، ثم الصافات، ثم لقمان ــ آخرها مدني ــ ثم الأنبياء، ثم حم المومن، ثم حم السجدة، ثم حم عسق، ــ منها آي مدني ـثم حم الزخرف، ثم حم الدخان، ثم حم الشريعة ثم الأحقاف - (فيها) مدني _ثم

2 / 10

Al-Nāsikh waʾl-mansūkh fī al-qurʾān al-karīm | Usul