الصالح من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولذا قال ﷺ: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" إن صفة الصبر والحلم من أبرز الصفات التي يجب أن تتوافر في المسلم اقتداء بالنبي ﷺ ذلك أن طريق الدعوة إلى الإسلام محفوف بالمكاره والمصاعب، فالإيذاء والبطش والاتهام والتعيير والسخرية، كلها من العقبات التي تزدحم في وجه العاملين الدائبين في الدعوة إلى الله ﷿، كي تثبط هممهم وتشل حركتهم وتصرفهم عن الدعوة إلى الله.
ومن هنا فإن مهمة الداعية أن يتحمل ما يقال له من لذعات وسخرية وأن يقابل ذلك بالصبر والحلم، ولهذا كانت التوجيهات القرآنية والنبوية تفيض بالحث على التحلى بالصبر والحلم والأناة، وفي هذه الحادثة بالذات نرى كيف قابل رسول الله ﷺ ذلك القول السيّئ "يا محمد اعدل لم أرك عدلت" كان مقتضى ذلك قتله ولكن رسول ﷺ لم يفعل ذلك، واكتفى بقوله: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل".
ثم قال: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
ولقد قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ: يا رسول الله ائذن لي في قتل هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي".
ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة، فلو أمر بقتله لقال الذي لا يعرف حقيقة الأمر إن محمدا يقتل أصحابه فكان في ذلك تنفير الناس عن الدخول في الإسلام، وتشويه سمعته، ولعل هذا وجه الحكمة في عدم معاقبة هذا القائل مع تصريحه بما يوجب قتله وإخبار رسول الله ﷺ بأن له أصحابا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
وقد بوب البخاري بقوله: "باب من ترك قتال الخوارج للتآلف ولئلا ينفر الناس عنه" ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري١.
قال ابن حجر: "في أثناء شرحه للحديث، قوله: "فإن له أصحابا" "هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا" بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي ﷺ بما واجهه.
١ الصحيح ٩/١٥ كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم.