Al-Muzhir fī ʿulūm al-lugha waʾl-adab

المزهر في علوم اللغة والأدب

Editor

فؤاد علي منصور

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٨هـ ١٩٩٨م

Publisher Location

بيروت

الحمد لله خالق الألسن واللغات واضع الألفاظ للمعاني بحسب ما اقتضته حكمه البالغات الذي علم آدم الأسماء كلها وأظهر بذلك شرف اللغة وفضلها.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفصح الخلق لسانا وأعربهم بيانا وعلى آله وصحبه أكرم بهم أنصارا وأعوانا.
هذا علم شريف ابتكرت ترتيبه واخترعت تنويعه وتبويبه وذلك في علوم اللغة وأنواعها وشروط أدائها وسماعها حاكيت به علوم الحديث في التقاسيم والأنواع وأتيت فيه بعجائب وغرائب حسنة الإبداع.
وقد كان كثير ممن تقدم يلم بأشياء من ذلك ويعتني في بيانها بتمهيد المسالك غير أن هذا المجموع لم يسبقني إليه سابق ولا طرق سبيله قبلي طارق وقد سميته بالمزهر في علوم اللغة.
وهذا فهرست انواعه
النوع الأول - معرفة الصحيح الثابت.
الثاني - معرفة ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت.
الثالث - معرفة المتواتر والآحاد.
الرابع - معرفة المرسل والمنقطع.
الخامس - معرفة الأفراد.
السادس - معرفة من تُقْبَل روايته ومَن تُرَد.
السابع - معرفة طرق الأخذ والتحمل.
الثامن - معرفة المصنوع وهو الموضوع ويذكر فيه المدرج والمسروق.
وهذه الأنواع الثمانية راجعة إلى اللغة من حيث الإسناد.
التاسع - معرفة الفصيح.
العاشر - معرفة الضعيف والمنكر والمتروك.
الحادي عشر - معرفة الرديء المذموم.

1 / 7

الثاني عشر - معرفة المطرد والشاذ.
الثالث عشر - معرفة الحوشي والغرائب والشوارد والنوادر.
الرابع عشر - معرفة المهمل والمستعمل.
الخامس عشر - معرفة المفاريد.
السادس عشر - معرفة مختلف اللغة.
السابع عشر - معرفة تداخل اللغات.
الثامن عشر - معرفة توافق اللغات.
التاسع عشر - معرفة المعرب.
العشرون - معرفة الألفاظ الإسلامية.
الحادي والعشرون - معرفة المولد.
وهذه الأنواع الثلاثة عشر راجعة إلى اللغة من حيث الألفاظ.
الثاني والعشرون - معرفة خصائص اللغة.
الثالث والعشرون - معرفة الإشتقاق.
الرابع والعشرون - معرفة الحقيقة والمجاز.
الخامس والعشرون معرفة المشترك.
السادس والعشرون - معرفة الأضداد.
السابع والعشرون - معرفة المترادف.
الثامن والعشرون - معرفة الإتباع.
التاسع والعشرون - معرفة الخاص والعام.
الثلاثون - معرفة المطلق والمقيد.
الحادي والثلاثون - معرفة المشجر.
الثاني والثلاثون - معرفة الإبدال.
الثالث والثلاثون - معرفة القلب.
الرابع والثلاثون - معرفة النحت.
وهذه الأنواع الثلاثة عشر راجعة إلى اللغة من حيث المعنى.
الخامس والثلاثون - معرفة الأمثال.
السادس والثلاثون - معرفة الآباء والأمهات والأبناء والبنات والإخوة والأخوات والأذواء والذوات.
السابع والثلاثون - معرفة ما ورد بوجهين بحيث يؤمن فيه التصحيف.

1 / 8

الثامن والثلاثون - معرفة ما ورد بوجهين بحيث إذا قرأه الألثغ لا يعاب.
التاسع والثلاثون - معرفة الملاحن والألغاز وفتيا فقيه العرب.
وهذه الأنواع الخمسة راجعة إلى اللغة من حيث لطائفها وملحها.
الأربعون - معرفة الأشباه والنظائر.
وهذا راجع إلى حفظ اللغة وضبط مفاريدها.
الحادي والأربعون - معرفة آداب اللغوي.
الثاني والأربعون - معرفة كتاب اللغة.
الثالث والأربعون - معرفة التصحيف والتحريف.
الرابع والأربعون - معرفة الطبقات والحفاظ والثقات والضعفاء.
الخامس والأربعون - معرفة الأسماء والكُنى والألقاب والأنساب.
السادس والأربعون - معرفة المؤتلف والمختلف.
السابع والأربعون - معرفة المتفق والمفترق.
الثامن والأربعون - المواليد والوفيات.
وهذه الأنواع الثمانية راجعة إلى رجال اللغة ورواتها.
التاسع والأربعون - معرفة الشعر والشعراء.
الخمسون - معرفة أغلاط العرب.
(تصدير)
وقبل الشروع في الكتاب نصدر بمقالة ذكرها أبو الحسين أحمد بن فارس في أول كتابه فقه اللغة:
قال: اعلم أن لعلم العرب أصلا وفرعا أما الفرع فمعرفة الأسماء والصفات كقولنا: رجل وفرس وطويل وقصير وهذا هو الذي يبدأ به عند التعلم.
وأما الأصل فالقول على وضع اللغة وأوليتها ومنشئها ثم على رسوم العرب في مخاطباتها وما لها من الافتنان تحقيقا ومجازا.
والناس في ذلك رجلان: رجل شغل بالفرع فلا يعرف غيره وآخر جمع الأمرين معا وهذه هي الرتبة العليا لأن بها يعلم خطاب القرآن والسنة وعليها يعول أهل النظر والفتيا وذلك أن طالب العلم اللغوي يكتفي من أسماء الطويل باسم

1 / 9

الطويل ولا يضيره ألا يعرف الأشق والأمق وإن كان في علم ذلك زيادة فضل.
وإنما لم يضره خفاء ذلك عليه لأنه لا يكاد يجد منه في كتاب الله تعالى شيئا فيحوج إلى علمه ويقل مثله أيضا في ألفاظ رسول الله ﷺ إذ كانت ألفاظه ﷺ هي السهلة العذبة.
ولو أنه لم يعلم توسع العرب في مخاطباتها لعي بكثير من علم محكم الكتاب والسنة ألا ترى قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة﴾ إلى آخر الآية.
فسر هذه الآية في نظمها لا يكون بمعرفة غريب اللغة والوحشي من الكلام.
(وإنما معرفته بغير ذلك مما لعل كتابنا هذا يأتي على أكثره بعون الله) .
والفرق بين معرفة الفروع ومعرفة الأصول أن متوسما بالأدب لو سئل عن الجزم والتسويد في علاج النوق فتوقف أو عي به أو لم يعرفه لم ينقصه ذلك عند أهل المعرفة نقصا شائنا لأن كلام العرب أكثر من أن يحصى ولو قيل له: هل تتكلم العرب في النفي بما لا تتكلم به في الإثبات ثم لم يعلمه لنقصه ذلك (في شريعة الأدب) عند أهل الأدب (لا أن ذلك يرده عن دينه أو يجره لمأثم) كما أن متوسما بالنحو لو سئل عن قول القائل // من الطويل //:
(لهنك من عبسية لوسيمة ... على هنوات كاذب من يقولها)

1 / 10

فتوقف أو فكر أو استمهل لكان أمره في ذلك عند أهل الفضل هينا لكن لو قيل له مكان (لهنك): ما أصل القسم وكم حروفه (وما الحروف المشبهة بالأفعال التي يكون الاسم بعدها منصوبا وخبره مرفوعا) فلم يجب لحكم عليه بأنه لم يشام صناعة النحو قط.
فهذا الفصل بين الأمرين.
ثم قال: والذي جمعناه في مؤلفنا هذا مفرق في أصناف كتب العلماء المتقدمين ﵃ وجزاهم عنا أفضل الجزاء) وإنما لنا فيه اختصار مبسوط أو بسط مختصر أو شرح مشكل أو جمع متفرق.
انتهى.
وبمثل قوله أقول في هذا الكتاب وهذا حين الشروع في المقصود بعون الله المعبود.
النوع الأول
معرفة الصحيح ويقال له الثابت والمحفوظ
فيه مسائل:
- الأولى - في حدِّ اللغة وتصريفها:
قال أبو الفتح ابن جني في الخصائص: حدُّ اللغةِ أصواتٌ يعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم.
ثم قال: وأما تَصْريفها فهي فُعْلة من لَغَوْت أي تكلَّمت وأصلها لغوة ككُرَة وقُلَة وثُبَة كلها لاماتها واوات (لقولهم كروت بالكرة وقلوت بالقلة ولأن ثبة كأنها من مقلوب ثاب يثوب) .
وقالوا فيها لُغاتٌ ولُغُون كثُبَات

1 / 11

وثُبُون.
وقيل منها لَغِيَ يَلْغَى إذا هَذَى قال: (من الرجز)
(ورب أسراب حَجِيجٍ كُظَّمِ ... عن اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ)
وكذلك اللَّغو قال تعالى: ﴿وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا﴾ .
أي بالباطل.
وفي الحديث: (من قال في الجمعة صَهْ فقد لَغَا): أي تكلَّم.
انتهى كلامُ ابن جني.
وقال إمامُ الحرمين في البرهان: اللغةُ من لَغِي يَلْغَى من باب رَضِي إذا لهِج بالكلام وقيل من لَغَى يَلْغَى.
وقال ابن الحاجب في مختصره: حدُّ اللغةِ كلُّ لفظٍ وُضِعَ لمعنى.
وقال الأسنوي في شرح منهاج الأصول: اللغاتُ: عبارةٌ عن الألفاظ الموضوعةِ للمعانِي.
- الثانية - في بيان واضعِ اللغة أتوقيفٌ هي وَوَحْيٌ أم اصطلاح وتواطؤ.
قال ابو الحسين أحمد بن فارس في فقه اللغة: اعلم أنَّ لغة العرب توقيفٌ ودليل ذلك قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ .
فكان ابنُ عباس يقول: عَلَّمَه الأسماء كلها وهي هذه (الأسماء) التي يتعارفُها الناسُ من دابَّة وأرضٍ وسهل وجبل (وجمل) وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.

1 / 12

وروى خَصِيف عن مجاهد قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيء.
وقال غيرهما: إنما علَّمه أسماءَ الملائكة.
وقال آخرون: علَّمه أسماءَ ذُرِّيَّتِه أجمعين.
قال ابنُ فارس: والذي نَذهب إليه في ذلك ما ذكرناه عن ابنِ عباس.
فإن قال قائل: لو كان ذلك كما تذهب إليه لقال: ثم عرضَهُنَّ أو عرضَها فلما قال عَرَضَهم عُلِم أن ذلك لأعيانِ بني آدم أو الملائكة لأن موضوع الكناية في كلام العرب أن يُقَالُ لِمَا يَعْقِل: (عرضهم) ولما لا يعقل: عرضَها أو عرضهن.
قيل له: إنما قال ذلك - والله أعلم - لأنه جمع ما يَعْقِل وما لا يعقل فغلَّب ما يعقل وهي سُنَّةٌ من سُنن العرب (أعني باب التغليب) وذلك كقوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبع﴾ .
فقال: (منهم) تغليبا لمن يَمْشي على رِجْلين وهم بنو آدم.
فإن قال: أفتقولون في قولنا سيف وحُسام وعضب إلى غير ذلك من أوصافه إنه توقيف حتى لا يكون شيء منه مُصْطَلَحًا عليه قيل له: كذلك نقولُ.
والدليلُ على صحته إجماعُ العلماءِ على الاحتجاج بلغةِ القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه ثم احتجاجهُم بأشعارهم ولو كانت اللغة مُوَاضَعةً واصطلاحا لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأوْلَى منَّا فِي الاحتجاج (بنا) لو اصطلحنا على لغةِ اليوم ولا فَرْق.
ولعل ظانا يظنُّ أن اللغةَ التي دللنا على أنها توقيفٌ إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد وليس الأمر كذلك بل وقف الله ﷿ آدم ﵇ على ما شاء أن يُعَلِّمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه وانتشر من ذلك ما شاء الله ثم عَلّم بعد آدم من الأنبياءِ - صلوات الله عليهم - نبيا نبيا ما شاء الله أن يُعَلِّمه حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فآتاه الله من ذلك مالم يُؤتِه أحدا قبلَه تماما على ما أحسنه من اللغة المتقدمة ثم قر الأمر قَراره فلا نعلمُ لغة من بعده حدثَتْ.
فإن تعمَّل اليوم لذلك متعمِّل وجدَ من نُقَّاد العلم من يَنْفيه ويَرُدّه.
ولقد بلَغنا عن أبي الأسود الدؤلي أن امرءا كلَّمه ببعضِ ما أنكَره أبو الأسود

1 / 13

فسأله أبو الأسود عنه فقال: هذه لغةٌ لم تبلغك.
فقال له: يابن أخي إنه لا خيرَ لك فيما لم يَبْلُغْني. فعرَّفَه بلُطْف أن الذي تكلَّم به مُخْتَلَق. وخَلَّة أخرى: إنه لم يبلغنا أن قوما من العرب في زمانٍ يقاربُ زماننا أجمعوا على تسميةِ شيء من الأشياءِ مُصْطَلِحِين عليه فكنا نستدل بذلك على اصطلاحٍ قد كان قبلَهم.
وقد كان في الصحابة ﵃ وهم البُلَغاءُ والفصحاءُ - من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاءَ به وما عَلِمناهم اصطلَحوا على اختراعِ لغة أو إحْدَاث لفظةٍ لم تتقدمهم.
ومعلوم أن حوادثَ العالَم لا تنقضي إلا بانْقِضَائِه ولا تزولُ إلا بِزَواله وفي كل ذلك دليلٌ على صحَّة ما ذهَبْنا إليه من هذا الباب.
هذا كله كلام ابن فارس وكان من أهل السنة.
(رأي ابن جني)
وقال ابنُ جني في الخصائص وكان هو وشيخه أبو علي الفارسي مُعْتَزِلِيَّيْن: باب القول على أصل اللغة إلهام هي أم اصطلاح
هذا موضع مُحْوِج إلى فَضْل تأمُّل غير أن أكثَر أهلِ النظر على أن أصلَ اللغةِ إنما هو تواضعٌ واصطلاح (لا) وَحْيٌ ولا توقيفٌ إلا أن أبا علي ﵀ قال لي يوما: هي من عند الله واحتج بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماءَ كُلَّها﴾ وهذا لا يتناول موضعَ الخلاف وذلك أنه قد يجوز أن يكونَ تأويلُه: أَقدَرَ آدَمَ على أَنْ واضَعَ عليها.
وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا مَحالة فإذا كان ذلك مُحْتَمَلًا غير مُسْتَنْكَر سقط الاسْتِدلال به.
وقد كان أبو علي ﵀ أيضا قال به في بعض كلامه وهذا أيضا رأي أبي الحسن على أنه لم يمنعْ قولَ مَنْ قال إنها تواضعٌ منه وعلى أنه قد فُسِّر هذا بأن قيل: إنه تعالى علَّم آدمَ أسماء جميع المخلوقات بجميع اللَّغات: العربية والفارسية والسريانية والعِبرانية والرُّومية وغير ذلك من (سائر اللغات) فكان آدمُ وولدُه يتكلمون بها.
ثم إن ولدَه تفرَّقوا في

1 / 14

الدنيا وعَلِق كلُّ واحد منهم بلغة من تلك اللغات فغَلَبَتْ عليه واضمحلَّ عنه ما سواها لِبُعْدِ عَهْدهم بها
وإذا كان الخبرُ الصحيحُ قد ورد بهذا وجب تَلقِّيه باعتقاده والانطواء على القول به.
فإن قيل: فاللغةُ فيها أسماءٌ وأفعالٌ وحروف وليس يجوز أن يكون المُعلَّمُ من ذلك الأسماءَ (وحدَها) دونَ غيرها مما ليس بأسماء فكيف خَصَّ الأسماءَ وحدَها قيل: اعتمد ذلك من حيث كانت الأسماءُ أقوى القُبُل الثلاثة ولا بد لكل كلامٍ مفيدٍ (منفرد) منَ الاسم وقد تستغني الجملةُ المستقلةُ عن كل واحد من الفعل والحرف فلما كانت الأسماء من القوة والأوليَّة في النفس والرتبةِ على ما لا خفاءَ به جاز أن يُكْتَفَى بها عَمَّا هو تالٍ لها ومحمول في الحاجة إليه عليها.
قال: ثم لِنعد (فَلْنقل) في الاعتلال لمن قال بأنَّ اللغة لا تكون وحْيًا وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصلَ اللغة لا بدَّ فيه من المُوَاضعة.
قالوا: وذلك بأن يَجْتَمِعَ حكيمان أو ثلاثةٌ فصاعدا فيحتاجوا إلى الإبانةِ عن الأشياءِ المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سِمَةً ولفظا إذا ذُكِرَ عُرِفَ به ما مُسَمَّاه ليمتاز عن غيره وليُغْني بذِكْره عن إحْضَاره إلى مرآة العين فيكون ذلك أقربَ وأخَفَّ وأسهلَ من تَكلُّف إحضاره لبلوغ الغرضِ في إبانة حاله بل قد يُحْتاج في كثير من الأحوال إلى ذِكْر ما لا يمكن إحضارُه ولا إدْنَاؤُه كالفاني وحال اجتماع الضدين على المحل الواحد (و) كيف يكون ذلك لو جاز وغيرُ هذا مما هو جارٍ في الاستحالة والتَّعَذُّر مَجْراه فكأنهم جاؤوا إلى واحد من بني آدم فأومؤوا إليه وقالوا إنسان (إنسان إنسان) فأي وقتٍ سُمِع هذا اللفظ عُلِم أن المراد به هذا الضرْب من المخلوق وإن أرادوا سِمَةَ عَيْنه أو يده أشاروا إلى ذلك فقالوا: يد عين رأس قدَم أو نحو ذلك فمتى سُمعت اللفظة من هذا عرف معْنِيُّهَا وهلمَّ جرا فيما سوى ذلك من الأسماء والأفعال والحروف.
ثم لك (من بعد ذلك) أن تنقلَ هذه المُواضعة إلى غيرها فتقول: الذي اسمه

1 / 15

إنسان فليجعل مكانه (مَرْد) والذي اسمهُ رأس فليجعل مكانه (سر) وعلى هذا بقيةُ الكلام.
وكذلك لو بُدِئت اللغةُ الفارسيَّة فوقعت المُوَاضعة عليها لجاز أن تُنْقَلَ ويُوَلَّد منها لغاتٌ كثيرة من الرومية والزِّنجية وغيرهما وعلى هذا ما نشاهدُه الآن من اختراع الصُّنَّاع لآلاتِ صنائعهم من الأسماء كالنَّجار والصائغ والحائك) والبنَّاء و(كذلك) الملاَّح قالوا: (ولكن) لا بد لأوَلها من أن يكون متواضعا (عليه) بالمشاهدة والإيماء.
قالوا: والقديمُ - سبحانه - لا يجوزُ أن يُوصَف بأن يُوَاضِعَ أحدا على شيء إذ قد ثبتَ أن المُوَاضَعة لا بدَّ معها من إيماءٍ وإشارةٍ بالجارحةِ نحوُ المُومَأُ إليه والمشار نحوه.
(قالوا) والقديمُ (سبحانه) لا جارحةَ له فيصحُّ الإيماء والإشارة منه بها فبطل عندهم أن تَصِحَّ المُوَاضعة على اللغة منه تقدست أسماؤه.
قالوا: ولكن يجوزُ أن يَنْقُلَ اللهُ تعالى اللغة التي قد وقَع التواضعُ بين عبادهِ عليها بأن يقولَ: الذي كنتم تعبِّرون عنه بكذا عَبِّروا عنه بكذا والذي كنتم تسمُّونه كذا ينبغي أن تسمُّوه كذا وجوازُ هذا منه - سبحانه - كجوازِه من عبادِه ومن هذا الذي في الأصوات ما يتعاطاه الناسُ الآن من مخالفة الأشْكال في حروف المُعْجَم كالصورة التي توضع للمُعَمَّيات والتراجم وعلى ذلك أيضا اختلفت أقلامُ ذوي اللغات كما اختلفت ألسنُ الأصوات المرتَّبة على مذاهبهم في المواضعات فهذا قولٌ من الظهور على ما تراه.
إلا أنني سألتُ يوما بعضَ أهله فقلت: ما تنكر أن تصح المواضعة من الله - سبحانه وإن لم يكن ذا جارحة بأن يُحدث في جسم من الأجسام - خشبةٍ أو غيرها - إقبالا على شخص من الأشخاص وتحريكا لها نحوَه ويُسْمع - في حال تحرك الخشبة نحوَ ذلك الشخص - صَوْتًا يضَعُه اسما له ويعيد حركة تلك الخشبة نحو ذلك الشخص دفعاتٍ مع أنه - عزَّ اسمُه - قادرٌ على أن يُقْنِعَ في تعريفه ذلك

1 / 16