Al-Munṣif liʾl-sāriq waʾl-masrūq minhu
المنصف للسارق والمسروق منه
Editor
عمر خليفة بن ادريس
Publisher
جامعة قار يونس
Edition
الأولى
Publication Year
١٩٩٤ م
Publisher Location
بنغازي
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Fāṭimids (N Africa, Egypt, S Syria), 297-567 / 909-1171
نص الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وبه نستعين
قال أبو محمد، الحسن بن علي بن وكيع: أما بعد، حمدًا لله والصلاة على رسوله الكريم وعلى آله المصطفين الأخيار الطيبين الأبرار فإِنه وصل إليّ كتابك الجليل الموضع اللطيف الموقع، تذكر إفراط طائفة من متأدبي عصرنا في مدح أبي الطيب المتنبي وتقديمه وتناهيهم في تعظيمه وتفخيمه، وإنهم قد أفنوا في ذلك الأوصاف وتجاوزوا الإِسراف حتى لقد فضلوه على من تقدم عصرة عصره وأبرّ على قدرة قدره وذكرت أن القوم شغلهم التقليد فيه عن تأمل معانيه فما ترى من يجوز عليه جهل الصواب في معنى ولا إعراب، وذكرت أنهم لم يكتفوا
1 / 97
بذلك حتى نفوا عنه ما لا يسلم فحول الشعراء من المحدثين والقدماء منه، فقالوا: ليس له معنى نادر ولا مثل سائر إلا وهو من نتائج فكره وأبوا عذره وكان بجميع ذلك مبتدعًا ولم يكن متّتبعًا ولا كان لشيء من معانيه سارقًا بل كان إلى جميعها سابقًا فادعوا ذلك ما ادعاه لنفسه على طريق التناهي في مدحها لا على وجه الصدق عليها فقال:
أنا السابقُ الهادي إلى ما أقولُهُ ... إذا القولُ قَبْلَ القائلينَ مَقُولُ
وهذا تناه ومبالغة منه كاذبة، وقد يأتي الشاعر بضد الحقائق، ويتناهى في الوصف وهو غير صادق وذكرت أنك عارضت دعواهم بأبيات وجدتها في شعره مسروقات فادعوا فيها اتفاق الخواطر ومواردة شاعر لشاعر واحتجوا عليك بامرئ القيس في قوله:
وُقُوفًا بها صَحْبي عليَّ مطّيهُم ... يقُولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ
فوافق خاطره خاطر طرفة في قوله:
وُقُوفًا بها صَحْبي عليَّ مطَّيهُم ... يقُولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَّلدِ
وأحببت إنهاء ما عندي إليك غير متحيَّف لك ولا عليك.
قال أبو محمد: فأقول والله الموفق للصواب:
إن القوم لم يصفوا من
1 / 98
أبي الطيب إلا فاضلًا، ولم يشهروا بالتفريط منه خاملًا بل فضلوا شاعرًا مجيدًا وبليغًا سديدًا ليس شعره بالصعب المتكلّف ولا اللين المستضعف بل هو بين الرقة والجزالة، وفوق التقصير ودون الإِطالة، كثير الفصول قليل الفضول لكنه بعد هذا لا يستحق التقديم على من هو أقدم منه عصرًا وأحسن شعرًا كأبي تمام والبحتري وأشباههما فإني لا أزال أرى من منحلي الأدب من يعارض شعريهما بشعره، ويزن قدريهما بقدره من غير انتقاء للشعر، أستعمل فيه كدّ فكره ولا استقصاء نظره وإنما قلد الخطوة الرافعة والشهرة الذائعة، والنفوس مولعة بالاستبدال، والنقل لهجة بالاستطراف والملل ولكل جديد لذة فلما كان شعره أَجدَّ فيهم عهدًا كانوا له أشدَّ وِدًّا، وهبنا أغضبنا لهم عن تفضيلهم إياه على من لا يشق غباره ولا يعشر مقداره مع علمنا في ذلك أن مذهبهم أوضح فسادًا من أن تطلب لهم المعارضة أو تتكلف من أجلهم المناقضة فكيف بالإِغضاء عن نفيهم عنه ما لا يسلم منه بدوي أو حضري جاهلي أَمْ إسلامي من استعارة الألفاظ النادرة أو الأمثال السائرة وإذا كانت الألفاظ مستعملة في أشعار جميع الناظمين من القدماء والمحدثين وسلمنا لهم نفيهم عن أبي الطيب ذلك كنا قد سلمنا لهم أنه أفضل أهل الشعر في كل أوانٍ وعصر، وهذه دعوى لا بد من كشف أسرارها وإظهارها وهي بالعناية أولى من الأولى لأن تلك دعوى خصّت طائفة وهذه تعم جميع القائلين من الأولين والآخرين ولقد ادعى قائلها إفكًا واسعًا وظل للحق فيها دافعًا، لأنه ادعى وقوع جميع الشعراء فما سلم أبو الطيب منه، وفقرهم إلى ما غني عنه وهذه تتجاوز الصفات وتكاد تشبه المعجزات ولو علم صدقها أبو الطيب من نفسه لجعلها آية له عند تنبيئه ودلالة على صحة
1 / 99
ما ادعاه من نبوته يتحدى بها أنها دعوته. أو لم يسمع الباقون عنه أخذ الكلام من النثر والنظام قول الفرزدق:) نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة (أو ما سمعوا من قول الحكماء:) من العبارة حسن الاستعارة (. وما شيء بأعجب من وقوع جملة الشعراء في أمر يشترك فيه قديمهم ومحدثهم من استعارة الألفاظ والمعاني على مرّ الزمن بتحكيك الفحول منهم الشعر وتنقيتهم إياه حتى إنهم يسمون قصائدهم الحوليات لأنهم كانوا يعيدون فيها النظر حولًا قبل ظهورها، فلم يعصمهم طول النظر وكدّ الخواطر والفكر من أن يلمَ بعضهم بكلام بعض ثم لا يرضى مقرض أبي الطيب حتى يدعي له السلامة الكاملة من عيبٍ لم يتكامل في أحد قط تكامله فيه وأتى له بالسلامة من ذلك، وقد جاء على ساقة أهل الشعر بعد استيلاء الناس على حلو الكلام ومرّه ونفعه وضره، وهذا الظلم الواضح الفاضح وسأدلُ أولًا على استعمال القدماء والمحدثين أخذ المعاني والألفاظ ثم
1 / 100
أعود إلى تنخل شعر أبي الطيب ومعانيه وإثبات ما أجده فيه من مسروقات قوافيه التي لا يمكن فيها اتفاق الخواطر ولا تساوي الضمائر لأن ذلك يسوغ في النزر القليل ويمتنع في المتواتر الكثير وسأنْصفه في كل ذلك فما أستحقه على قائله سلّمتهُ إليه وما قصر فيه لم أدع التنبيه عليه لئلاّ يظن بنا الناظر في كتابنا خورًا في قصد أو تقصيرًا في نقد وذلك يلزمنا إلحاق ما فيه عيب غير السرقة بالمسروق خوفًا من أن يقول قائل قد تجاوز عن أشياء من الغثاثات واللحون والمحالات كانت أولى من الذكر للمسارقات، هذا إن لم يعبر عنا بالغفلة عنها إلا لتجاوز لها وينبغي إذا عملنا على تسليم ما له من السرقات إليه وردّ المقصّر منها عليه، إن أثبت لك وجوه السرقات محمودها ومذمومها وصحيحها وسقيمها وأعرّفك ما يوجب للسارق الفضيلة وما يلحقه الرذيلة ليكون ما نورده له وعليه مقيسًا على أُسٍ قد أحكمناه ونهج قد أوضحناه وما غرضنا في ذلك الطعن على فاضل ولا التعصب لقائل وإنما غرضنا إفادتك ما استدعيناه وكفايتك الفحص عما استكفيناه لتظهر على خصمك وتزداد قوة في علمك، وبالله نستعين وعليه نتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1 / 101
هذا باب تفسير وجوه السرقات
اعلم وفقنا الله وإياك للسداد، وقرن أمرك بالرشاد، أن مرور الأيام قد أنفد الكلام فلم يبق لمتقدم على متأخر فضلًا إلا سبق إليه واستولى عليه فأحذق شعرائنا من يخطي المنظوم إلى المنثور لأن المعاني المستجادة والحكم المستفادة إذا وردت منثورة كانت كالنوادر الشاردة وليس لها شهرة المنظوم السائر على ألسنة الراوين كالمحفوظ على قائله كالتدوين فالعارف بأخذ المنثور قليل والجاهل به كثير وقد نفى قائل الحكم المنثورة لسارقها من فضيلة النظم ما يزيد في رونق
1 / 102
مائها وبهجة روائها فهي كالحسناء العاطلة حليها في نظامها فإذا حلاها النظم نسبت إلى السارق واستخفت على السابق والمعنى اللطيف في اللفظ الشريف كالحسناء الحالية، فقد استوفى بالنظام غاية الحسن والتمام فقد فاز قائلها بالحظين واستولى على الفضلين فلا يشركه السارق في فضلته ولا البارع في براعته إلا بوجوه أنا ذاكرها وهي عشرة أوجه: الأول من ذلك: استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل.
والثاني: نقل اللفظ الرّذل إلى الرصين الجزل.
والثالث: نقل ما قبح مبناه دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه.
والرابع: عكس ما يصير بالعكي هجاء بعد أن كان ثناء.
والخامس: استخراج معنىً من معنى احتذى عليه وإنْ فارقَ ما قصدَ به إليه.
1 / 103
والسادس: توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق.
والسابع: توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات.
والثامن: مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام وإن كان الأول أحق به لأنه ابتدع والثاني أتبع.
والتاسع: مماثله السارق المسروق منه في كلامه بزيادة في المعنى ما هو من تمامه.
والعاشر: رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظة على لفظ من أخذ عنه.
فهذه وجوه تغفر ذنب سرقته وتدل على فطنته فأما استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل كقول طرفة:
أرى قَبْرَ نحّامٍ بخيل بمالهِ ... كَقْبرِ غويّ في البطالة مُفْسِدُ
اختصره ابن الزيعري فقال:
والعطَّياتُ خِساسٌ بيننا ... وسواءٌ قَبرُ مُثْرٍ وَمُقِلْ
فَقَدْ شغلَ صدر البيت معنىً، وجاء بيت طرفة في عجز بيتٍ أقصر منه بمعنى لائح ولفظ واضح ومن ذلك قول بشار بن برد:
مَنْ راقَبَ النَّاسَ لمْ يظفر بحاجتهِ ... وفازَ بالطَّيبات الفاتِكُ اللَّهيجُ
1 / 104
أخذه سَلَمُ الخاسر فقال:
مَنْ راقبَ النَّاس ماتَ غمًا ... وفازَ باللذة الجسور
فلما سمع بشار هذا البيت قال: يعمد إلى معاني التي أسهرت فيها ليلي وأتعبت فيها فكري فيكسوها لفظًا أخف من لفظي فيروى شعره ويترك شعري والله لا أكلت اليوم ولا صمت. ومن ذلك قول أبي تمام يصف قصيدة:
يراها عيانًا مَنْ يراها بسمعه ... ويَدنْو إليها ذو الحجى وهْوَ شاسِعُ
يَودّ ودادًا أنَّ أعضاءَ جِسْمِه ... إذا أنشدتَ شوقًا إليها مسامِعُ
1 / 105
سمعه الثاني وهو للأخيطل في رواية ابن قتيبة في بعض القيان. فقال:
جاءتْ بوجهٍ كأنَّهُ قمر ... على قوامٍ كأنَّهُ غُصُنُ
حتى إذا ما استقرَّ مجلسُنا ... وصار في حِجْرها لها وثنُ
غنّتْ، فلم تَبْق فيَّ جارحةٌ ... إلاّ تَمنيتُ أنها أذُنُ
فأخذ بيت أبي تمام بلفظ قد استوفى طويله في أحسن نظامٍ وأوفى تمامٍ فهذا أول الأقسام.
ويلي ذلك الثاني: وهو نقل اللفظ الرذل إلى الرصين الجزل. منه قول العباس بن الأحنف:
زعموا لي أنها صارت تُحّمْ ... ابتلى الله بهذا مَنْ زَعمْ
اشتكت أكمل ما كانت كما ... يَشْتكي البدرُ إذا ما قيل تَمْ
هذا معنى لطيف أخذه ابن المعتز فقال:
طوى عارضُ الحمَّى سَناهُ مخالا ... وألبسه ثوبُ السَّقام هُزالا
كذا البدر محتوم عليه إذا انتهى ... إلى غايةٍ في الحسن صار هلالا
ومنه قول أبي العتاهية:
مَوتُ بَعْضِ الناس في الأرْ ... ضِ على بعض فُتوحُ
معناه لطيف، ولفظه ضعيف،
1 / 106