323

Mukhtaṣar tafsīr ibn kathīr

مختصر تفسير ابن كثير

Publisher

دار القرآن الكريم

Edition

السابعة

Publication Year

1402 AH

Publisher Location

بيروت

ويقتل بعضًا بعضًا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رحيمًا﴾ قَالَ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَالْأَحَادِيثُ في هذا كثيرة.
وقال ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يَعْنِي أَهَّلَ الفقه والدين، وكذا قال مجاهد وعطاء ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يَعْنِي الْعُلَمَاءُ، وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أعلم - أنها عامة في كل أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ، وقال تَعَالَى: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدَ عَصَا اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عصا أمير فَقَدْ عَصَانِي»، فَهَذِهِ أَوَامِرٌ بِطَاعَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ أَيْ اتَّبِعُوا كِتَابَهُ، ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ أَيْ خُذُوا بِسُنَّتِهِ، ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ فِيمَا أَمَرُوكُمْ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ لَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المعروف».
وقال الإمام أحمد عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرسول﴾ قال مجاهد: أَيْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسَنَةِ رَسُولِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ ﷿ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ أَنْ يَرُدَّ التَّنَازُعَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾، فما حكم به الكتاب والسنّة وَشَهِدَا لَهُ بِالصِّحَّةِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَالُ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أَيْ رَدُّوا الْخُصُومَاتِ وَالْجَهَالَاتِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وسنَّة رَسُولِهِ، فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِمَا فِيمَا شَجَرَ بَيْنَكُمْ ﴿إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ من لم يتحاكم في محل النِّزَاعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَرْجِعْ إِلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أَيِ التَّحَاكُمُ إِلَى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خَيْرٌ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، أَيْ وَأَحْسَنُ عَاقِبَةً وَمَآلًا كما قاله السدي وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَأَحْسَنُ جَزَاءً، وَهُوَ قَرِيبٌ.
- ٦٠ - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا
- ٦١ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا
- ٦٢ - فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أيديهم ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا
- ٦٣ - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا
هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ ﷿ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَانَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ الأقدمين، وهو مع

1 / 408