400

Mukhtaṣar al-Ṣawāʿiq al-Mursala ʿalā al-Jahmiyya waʾl-Muʿaṭṭila

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

Editor

سيد إبراهيم

Publisher

دار الحديث

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

القاهرة - مصر

أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ») وَفِي لَفْظٍ: " «فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» ".
وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ وَجْهَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَجَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ السَّمَاوِيَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالٍ عَلَى خَلْقِهِ فَوْقَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَعَرْشُهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مُحِيطٌ بِالْعَوَالِمِ كُلِّهَا، فَأَيْنَمَا وَلَّى الْعَبْدُ فَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَقْبِلُهُ، بَلْ هَذَا شَأْنُ مَخْلُوقِهِ الْمُحِيطِ بِمَا دُونَهُ، فَإِنَّ كُلَّ خَطٍّ يَخْرُجُ مِنَ الْمَرْكَزِ إِلَى الْمُحِيطِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ وَجْهَ الْمُحِيطِ وَيُوَاجِهُهُ، وَالْمَرْكَزُ يَسْتَقْبِلُ وَجْهَ الْمُحِيطِ، وَإِذَا كَانَ عَالِي الْمَخْلُوقَاتِ الْمُحِيطُ يَسْتَقْبِلُ سَافِلَهَا الْمُحَاطُ بِهِ بِوَجْهِهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ وَالْجَوَانِبِ، فَكَيْفَ بِشَأْنِ مَنْ هُوَ بِشَكْلِ شَيْءٍ مُحِيطٍ وَهُوَ مُحِيطٌ وَلَا يُحَاطُ بِهِ، كَيْفَ يُمْتَنَعُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَبْدُ وَجْهَهُ تَعَالَى حَيْثُ كَانَ وَأَيْنَ كَانَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] إِشَارَةٌ إِلَى مَكَانٍ مَوْجُودٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا لَيْسَ فِي جَوْفِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ مُجْمَلَةً مُحْتَمِلَةً لِأَمْرَيْنِ لَمْ يَصِحَّ دَعْوَى الْمَجَازِ فِيهَا وَلَا فِي وَجْهِ اللَّهِ حَيْثُ وَرَدَ، فَبَطَلَتْ دَعْوَاهُمْ أَنَّ وَجْهَ اللَّهِ عَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، يُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِالْوَجْهِ فِي الْآيَةِ الْجِهَةُ وَالْقِبْلَةُ لَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَهُوَ وَجْهُ اللَّهِ " ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْجِهَةَ فَهِيَ الَّتِي تُوَلَّى نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: ثُمَّ كَذَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ أَمْرَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] فَالنَّعِيمُ وَالْمُلْكُ ثَمَّ لَا أَنَّهُ نَفْسُ الظَّرْفِ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ ظَرْفًا لِنَفْسِهِ، فَتَأَمَّلْهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا أَشَرْتَ إِلَى جِهَةِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ لَا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ: ثَمَّ جِهَةُ الشَّرْقِ وَثَمَّ جِهَةُ الْغَرْبِ، بَلْ تَقُولُ: هَذِهِ جِهَةُ الشَّرْقِ وَهَذِهِ جِهَةُ الْغَرْبِ، وَلَوْ قُلْتَ: هُنَاكَ جِهَةُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ لَكَانَ ذِكْرُ اللَّفْظِ لَغْوًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ ثَمَّ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ فَلَا يُشَارُ بِهَا إِلَى الْقَرِيبِ، وَالْجِهَةُ وَالْوِجْهَةُ مِمَّا يُحَاذِيكَ إِلَى آخِرِهَا، فَجِهَةُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَجِهَةُ الْقِبْلَةِ مِمَّا يَتَّصِلُ لَكَ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي، فَكَيْفَ يُقَالُ فِيهَا ثَمَّ إِشَارَةً إِلَى الْبَعِيدِ بِخِلَافِ

1 / 417