379

Muʿjizāt al-Nabī ﷺ

معجزات النبي ﷺ

Editor

السيد إبراهيم أمين محمد.

Publisher

المكتبة التوفيقية

Edition

-

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرَةِ وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ امْرَأَةَ أَبِي لَهَبٍ، لَمَّا نَزَلَتِ السُّورَةُ فِي ذَمِّهَا وَذَمِّ زَوْجِهَا، وَدُخُولِهِمَا النَّارَ، وخسارهما، جاءت بفهر- وهو الحجر الكبير- لَتَرْجُمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَانْتَهَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَتْ لِأَبِي بكر: أين صاحبك؟ فقال: وماله؟ فقالت: إنه هجانى، فقال: ما هَجَاكِ، فَقَالَتْ:
وَاللَّهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَأَضْرِبَنَّهُ بِهَذَا الفهر، ثم رجعت وهى تقول: مذمما أتينا، ودينه قلينا، وكذلك حجب ومنع أبا جَهْلٍ حِينَ هَمَّ أَنْ يَطَأَ بِرِجْلِهِ رَأْسَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ، فرأى جدثا من نار وهو لا عَظِيمًا وَأَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ دُونَهُ، فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَهُوَ يتقى بيديه، فقالت له قريش: مالك، وَيَحَكَ؟
فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا رَأَى، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أَقْدَمَ لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا، وَكَذَلِكَ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْهِجْرَةِ وَقَدْ أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بَيْتِهِ رِجَالًا يَحْرُسُونَهُ لِئَلَّا يَخْرُجَ، وَمَتَى عَايَنُوهُ قَتَلُوهُ، فَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، ثُمَّ خرج عليهم وهم جلوس، فجعل يذر عَلَى رَأْسِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ تُرَابًا وَيَقُولُ: شاهت الوجوه، فلم يَرَوْهُ حَتَّى صَارَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي السِّيرَةِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَنْكَبُوتَ سَدَّ عَلَى بَابِ الْغَارِ لِيُعَمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرْنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا «١»؟
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ:
نَسْجُ دَاوُدَ مَا حَمَى صَاحِبَ الغار ... وَكَانَ الْفَخَارُ لِلْعَنْكَبُوتِ
وَكَذَلِكَ حُجِبَ وَمُنِعَ مِنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشَمٍ حِينَ اتَّبَعَهُمْ،

(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي لله (٣٦٥٣) (١٠/ ٥٢٧) وأحمد في مسنده (١/ ٤٣٤) .

1 / 411