Al-Muḥkam waʾl-muḥīṭ al-aʿẓam
المحكم والمحيط الأعظم
•
Regions
•Spain
مُقَدّمَة الْمُؤلف
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
بِذكر الله نَفتَتح، وبنوره سُبحانه نَقْتدح، وَبِمَا أفاضه علينا من نُوريَّة إلهامِه نهتدِي، وَبِمَا سَنَّه لنا نبيُّه المُقتفَى، ورسولُه المصطفَى، من فُروض طَاعَته نقتدي. نحمَدُه بآلائه، وَنُصَلِّي على عاقِب أنبيائه، ونَسأله خيرَ مَا يَخْتِم، وأفضلَ مَا بِهِ لهَذِهِ النُّفُوس يَحتِم، ربَّنا لَا تُسلِّط مَا وكَلتْه بِنَا من النقائص الإنْسانية، على مَا أفضْته علينا من الْفَضَائِل الرَّوحانية، وَلَا تُغَلَّب مَا كدُر من طباعنا وكَثُف، على مَا رَقُّ من أوضاعنا، فشرُف ولَطُف بل كن أنتَ الحَفيَّ بِنَا، والوَلِيَّ فِي الحْيَطة لنا، هاديَنا إِلَى أفضل مَا يُعْتَمد، ومُسَدِّدَنا إِلَى أعدل مَا يُقتصد، إِن قَصَّرتْ أعمالُنا عَن وَاجِب الطَّاعَة، بِحَسب مَا وكَلْته بِنَا من نُقصان الِاسْتِطَاعَة، فصِلْ قاصرَها بعَطْفتك، وَكن ناصرَها برأْفتك، مَا دَامَت نفوسُنا مُعْتَلقةً لأنفاسنا، وأرواحنا مرتبطة بأشباحنا، فَإِذا تناهت علائق مُدَدِنا، وتدانت مَناهي أمَدِنا، فأردتَ تحْليلنَا، وأزْمَعْت كَمَا شِئْت تَحويلَنا، من دَار الفناء والبُيُود، إِلَى الْمَخْصُوصَة من الدَّاريْنِ بأَبديَّة الخُلود، عِنْد اسْتِحَالَة الأكوان الَّتِي لم تهيئْها للإدامة، وَلَا بَنَيْتَ أوضاعَها على السَّلامة، فأَدْنِ ذَواتِنا إِلَى ذاتك، وصل حَياتَنا بأبَدىّ حَياتك، وفَرِّحْنا بجوارك، وأمِدَّ أرواحَنا بسُبُحات أنوارك، وأوْطِئنْا مِهادَ رُحْماك، وأوْرِف علينا سابغا من جنَّات نُعماك، وبَوِّئْنا سِطَةَ دَار السَّلَام، الَّتِي وصَلْتَ صفاءَ نعيمها بالدّوام، واغفر هُنَالك فادحَ ذنوبنا، كَمَا تَفَضَّلْتَ أَن تتغَمَّد هُنا قادحَ عُيوبنا، إِنَّك ذُو الرَّحْمَة الَّتِي لَا يُطاوَلُ باعُها، والنِّعمة الَّتِي لَا تُحصَى بعَددٍ أنواعُها.
1 / 29
أما بعد، أَيهَا المسهرُ طلبُ الْعلم لجفونه، الكاتبَ لحَور عَيونه، الراتع مِنْهُ فِي ازاهير فُنونه، فَإِنِّي أَقُول لَك هَنيئا، فقد أُوتِيتَ بَغيَّتك، وشُكرا، فقد ملكت أُمنيتَّك، إنَّ النِّعمة قلوصٌ يُنِدُّها عَن صَاحبهَا الْكفْر، ويُذَلِّلها لراكبها الشُّكْر، لَشَدَّ مَا وَرَدْتَ مَنهل إرادَتِك صافيا، وأُلْبِستَ مَا أعجز رَيعانَ أُمْنيَّتك ضَافيا، وكلٌّ بيمن " الْمُوفق " مُحي المكارم، ومُروِي الأسنَّة والصوارم، زينِ الزّمان وتاجِه، وَعين الأوان وسِراجه، سيِّد جَمِيع الْأَمْلَاك، ومُعيدِ زمن العدْل إِلَيْهِ بعد الْهَلَاك، مُطْلع الْعُلُوم لنا نجوما وأهِلَّة، ومُرسِلِ المكارم علينا غُيوما مُسْتَهِلَّة، قد مَلأ البلادَ عدلُه مَقادِم صَباح، ومَدَّ على الْعباد من فَضله قَوَادِم جَناح، حَتَّى بَشَّرتْ لِقاحُ طُعَمِهِم، وتمَشَّرَتْ خِصبا أدواحُ نِعَمهم، فَلَا فَقير إلاّ مجبور، وَلَا غنيّ إِلَّا موفور محبورٌ، وَلَا شاكرَ إِلَّا مُسْهِب، وَلَا ذاكرَ إِلَّا مُجِدٌّ مُطْنِب، من بَين ذِي كَفٍّ إِلَى الله فِيهِ ممدودة، ولسانٍ بحُسن الثَّنَاء عَلَيْهِ مَرْدودة، تخدُمه أنفسُهم بالصفاء، وألسنتهم بحُسن الثَّنَاء لَهُ وَالدُّعَاء، إِن نَام باتُوا لَهُ هاجدين، أَو قَامَ وَقعُوا لَهُ ساجدين، أدام الله لَهُم وارِف ظِلِّه، وَلَا سَلَبهم عَوارفَ فَضله، وَأخذ الجميعَ مِنْهُم فِداءَه، وقدَّم فِي ذَلِك قبلَ أوليائه أعداءَه، وَحفظ مُلكه بصِوان السَّعادة، وقَرنَ كلَّ عَزْمة لَهُ بمختار الْإِرَادَة، وكَبَتَ عَنهُ بالنُّصرة مُسْتَهد فِي عُداه، وحَكَّم فيهم نوافذ أسَّنته، ومواضِيَ مُداه، وَجعله وَارِثا لجَلَهات بِلَادهمْ، ومتكفَّلا بعد الصَّيْلم المُوِتمة لترائِك أَوْلَادهم، شكرا لَهُ أيُّها النَّهِمُ على محَاسِن الْعُلُوم، الباحث عَن نتائج مقدّمات الحُلوم، فَمَا أسلمَك للواحق الزّمان، وَلَا خَلَّى بَيْنك وَبَين طوارق الحَدَثان، بل كَفاكَ مَا كَانَ يُنازعُك
1 / 30
هَوَاك، ويُمِرّ عَلَيْك مستعذَبَ نَواك، من تصوّر التَّعَب بشدّ الرِّحال، ومئونة التِّرْحال، ولفْح السمُوم، وَعقد الطَّرْف لَيْلًا بسُموت النُّجُوم، وتأمُّلِ السَّراب، شَوْقا إِلَى بَرْد الشَّرَاب، والتمتع بأباطيل الخيال، بَدَلا من لذيذ محصول الوِصال، وَسَائِر مَا يَلْحَقُ جُوَّابَ المَتالِف، من أَنْوَاع التكالِف، وَرُبمَا اقْترن بذلك مَا أحمدُ الله على كفايتك إِيَّاه، من تَلف المُهْجة الَّتِي لَا يَعْدِلها ثمن، وعابرُ الْمَفَازَة بذلك قَمَن، فقد قيل: إِن الْمُسَافِر ومَتاعَه لعَلى قَلَتٍ إلاّ مَا وَقى الله، وَقد قيل: إِن تَعب السّفر، لَا يَفِي بِهِ شَيْء من الظَّفَر، فيالها نِعمةً عميمَةً أوردَك صَفْوَتها، وطُعْمةً جَسيمة مَلَّكك عفوتها، هَكَذَا تنمى الجدود وتسفر عَن مطالعها السُّعود، عِشْ بجَدٍّ صاعد، فربَّ ساعٍ لقاعد، وَللَّه درّ أبي الطَّيِّب رَبِّ الْأَمْثَال السَّيَّارَة، والأقوال المُستْعارة، قَائِلا:
ولَيْسَ الَّذِي يَتَّبَّع الوَبْلَ رَائِدًا ... كمَنْ جاءَهُ فِي دارِهِ رَائدُ الوَبْلِ
وشَرْح مَا اجملتُ لَك من ذَلِك: أَن بارئنا جلّ وعزّ، لمّا أَرَادَ الْإِحْسَان إِلَيْك، والامتنان بفضله عَلَيْك، ألهمه، فَأَنْشَأَ لَهُ همّة لَيست ببدْع من هممه، وَحِكْمَة لَيست ببِكْرٍ من حِكمه، فَإِنَّهُ - وفَّقه الله - مَناطُ كلّ عَجِيبَة، ورباط كلّ فَائِدَة غَرِيبَة، وَمَا أولاه أَن يُنشَد فِي ذاتِه، مَا قَالَه أَبُو الطَّيَّب ذَاكِرًا لصفاته، وَهُوَ:
إليَّ لَعمرِي قَصْدُ كُلِّ غَرِيبَةٍ ... كَأَنِّي عجيبٌ فِي عُيُونِ العَجائبِ
وَذَلِكَ انه - أدام الله مدَّته، وَحفظ على مُلكه طُلاوته وجدتّه - لما جمع الْعُلُوم
1 / 31
النافعة، من الديانيات واللسانيات، فسلك مناهجها، وشَهَر بمُقدماتها نتائجها، وذلّل من صعابها، وأخضع بفهمه من صِيِد رِقابها، وَعلم مُنتهى سِبارها، وميَّز بالتأمُّل اللَّطِيف طَبَقَات أقدارها، وضَح لَهُ فضلُ هَذَا الْكَلَام العربيِّ، الَّذِي هُوَ مَادَّة لكتاب الله جلَّ وعزّ، وَحَدِيث النبيّ، ﷺ " وشرَّف وكرَّم "، فَلَمَّا وضح لَهُ مكانُ الْحَاجة إِلَى هَذِه اللِّسَان الفصيحة، الزَّائِدَة الْحسن، على مَا أُوتِيَه سَائِر الْأُمَم من اللُّسْن، أَرَادَ جمع ألفاظها، فَتَأمل لذَلِك كتب رواتها وحفَّاظها، فَلم يجد مِنْهَا كتابا مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ، مُستغنيا عَن مثله، مِمَّا أُلِّف فِي جنسه، بل وجد كل كتاب مِنْهَا يشْتَمل على مَا لَا يشْتَمل عَلَيْهِ صَاحبه، وشلٌ " لَا " تعانَدُ عَلَيْهِ وُرًّادُه، وكلأ لَا تحاقدُ فِي مثله روَّادُه، لَا تشبع فِيهِ نابٌ وَلَا فطيمة، وَلَا تُغنى مِنْهُ خضراءُ وَلَا هشيمة.
ثمَّ انه لحظ مناظر تعبيرهم، ومسافر تحبيرهم، فَمَا اطَّبَى شَيْء من ذَلِك لَهُ نَاظرا، وَلَا سلك مِنْهُ جنَانًا وَلَا خاطرا، وَذَلِكَ لما أُوتيهُ وحُرِمُوه، وأوجده وأُعدِمُوه، من ثَقابة النَّظر، وإصابة الْفِكر، وَكَانَ اكثر مَا نقمه - سدّده الله - عَلَيْهِم، عُدُولُهم عَن الصَّوَاب، فِي جَمِيع مَا يُحتاج إِلَيْهِ من الْإِعْرَاب، وَمَا أحوجهم من ذَلِك إِلَى مَا مُنِعُوه، وَإِن جلّ مَا أُوتوه، من علم اللُّغَة ومُنِحوه، فَإِن الكَحَل لَا يُغني من الشَّنَب، وإنّ الْخمر معْنىً لَيْسَ فِي الْعِنَب.
وأيّ مُوَاقفة أخزى لواقفها، من مقامة أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِسْحَاق السِّكِّيت، مَعَ أبي عثمانَ المازنيّ، بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ جَعْفَر المتَوَكل؟ وَذَلِكَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: يَا مازنيُّ سَلْ يَعْقوبَ عَن مسئلة من النَّحْو، فتلكَّأ المازنيّ، عِلْما بتأخر يَعْقُوب فِي صناعَة الْإِعْرَاب، فعزم المتوكلُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لابدّ لَك من سُؤاله، فَأقبل المازنيّ يُجهد نَفسه فِي
1 / 32
التَّلْخِيص، وتنكُّب السُّؤَال الحُوشيِّ العويص، ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا يُوسُف، مَا وزن " نكْتَل " من قَوْله تَعَالَى: (فأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ)؟ قَالَ لَهُ: نَفْعَل، وَكَانَ هُنَالك قوم قد علمُوا هَذَا الْمِقْدَار، وَلم يُؤْتَوْا من حظّ يَعْقُوب فِي اللُّغَة المِعشار، ففاضُوا ضَحِكا، وأداروا من الهُزْء فلكا، وارتفع المتوكِّل، فَخرج السِّكِّيتيُّ والمازنيّ، فَقَالَ ابْن السكِّيت: يَا أَبَا عُثْمَان، أسأتَ عشرتي، وأذويت مَشرتي. فَقَالَ لَهُ المازنيّ: وَالله مَا سَأَلتك عَن هَذِه، حَتَّى تحققت أَنِّي لم أجد أدنى محاولا، وَلَا اقْربْ مِنْهُ متناولا.
وَأي شَيْء اذْهَبْ لزين، وأجلب لعَبَر عَيْن، من معادلته فِي كِتَابه الموسوم " بالإصلاح "، الرَّيْم الَّذِي هُوَ الْقَبْر، وَالْفضل، بالرَّيم الَّذِي هُوَ الظَّبي؟ ظَنَّ التَّخْفِيف فِيهِ وَضْعا.
وَمن اعْتِقَاده فِي هَذَا الْبَاب أَن الْغَيْن، وَهُوَ جمع شَجَرَة غَيناء، وَأَن الشّيْم: جمع أَشْيَم وشَيْماء، وَزنه: " فِعْل "، وَذهب عَلَيْهِ انه " فُعْل " غُوْن، وشُوْم، ثمَّ كُسرت الْفَاء، لتسلَم الْيَاء، كَمَا فُعل ذَلِك فِي بِيض. وَهَذَا بَاب من التصريف مَورودٌ مَنْهَل، ومعلومٌ غيرُ مَجْهَل، إِلَى غير ذَلِك من الْخَطَأ الَّذِي لَا أحصي عدده، وَلَا أحصُر مدده، وَقد أفردت فِي ذَلِك كتابا.
وَأي شَيْء أدلُّ على ضعف المُنَّة، وسخافة الجُنَّة، من قَول أبي عبيد الْقَاسِم بن سلاَّم، وَفِي كِتَابه الموسوم " بالمصنَّف ": العِفْرِية: مِثَال فِعْللَة، فَجعل الْيَاء أصلا، وَالْيَاء لَا تكون أصلا فِي بَنَات الْأَرْبَعَة.
وَمن قضاياه الَّتِي نَصَّها فِي هَذَا الْكتاب، فِي " بَاب عُيُوب الشّعْر وَطَوَائِف قوافيه " فَإِنَّهُ مَا كَاد يُوَفَّق مِنْهَا فِي قَضِيَّة، وَلَا يُسَدَّد فِيهَا إِلَى طَريقَة سَوِيَّة، وَقد أبَنْتُ ذَلِك عَلَيْهِ، فِي كتابي الموسوم " بالوافي، فِي علم القوافي ". وَمن استشهاده بِقَوْلِي الهُذَليّ:
لحَقُّ بني شُغارَةَ أنْ يقولُوا ... لصخرِ الغَيّ مَاذَا تَسْتَبِيثُ
1 / 33
على النَّبيثة الَّتِي هِيَ كُناسة الْبِئْر، وهيهات الأَرْوِىُّ من النعام الأرْبد، وَأَيْنَ سُهيَلٌ من الفَرْقَد؟ النَّبيثة من " ن ب ث "، وتستبيث من " ب وث " أَو " ب ي ث " يُقَال " بُثْت الشَّيْء بَوْثا، وبِثْتُه بَيْثا: إِذا استخرجته.
وَمن قَوْله: صدَرْت عَن الْبِلَاد صَدَرًا: هُوَ الِاسْم، فَإِن أردْت الْمصدر جزمت الدَّال، فَهَل أوحشُ من هَذِه الْعبارَة، أَو افحش من هَذِه الْإِشَارَة؟
وَهل أدلُ على قلّة التَّفْصِيل، والبُعد عَن التَّحْصِيل، وَالْجهل بالتنتيج والتلقيح، وجوده الانتقاد والتنقيح، من قَول أبي عبد الله بن الأعرابيّ، فِي كِتَابه الموسوم بالنوادر: العدوّ: يكون للذّكر وَالْأُنْثَى بِغَيْر هَاء. وَالْجمع أَعدَاء، وأعادٍ، وعُداة، وعِديً، وعُديً، فأوهم أَن هدا كُله جمع لشَيْء وَاحِد.
وَإِنَّمَا أعدَاء: جمع عدوٌ، أجروه مُجرى فعيل صفة، كشريف وأشراف، ونصير وأنصار، لِأَن فَعولا وفَعيلا متساويان فِي العِدِّة، وَالْحَرَكَة والسُّكون، وَكَون حرف اللين ثَالِثا فيهمَا، إِلَّا بِحَسب اخْتِلَاف حرفي اللِّين، وَذَلِكَ لَا يُوجب اخْتِلَافا فِي الحكم هُنَا، أَلا تراهم سوَّوا بَين نوارٍ وصَبور فِي الْجمع، فَقَالُوا: نُوُرٌ وصُبُر؟ وَقد كَانَ يجب أَن يكَسَّر عَدُوّ على مَا كُسِّر عَلَيْهِ صبور، لكِنهمْ لَو فعلوا ذَلِك لأجحفوا، إِذْ لَو كسَّروه على " فُعُل "، للَزِمَ عُدُوٌ. ثمَّ لزم إسكان الْوَاو، كَرَاهِيَة الْحَرَكَة عَلَيْهَا، فَإِذا سكنت وَبعدهَا التَّنْوِين، التقى ساكنان، فحذفت الْوَاو، فَقيل عُدٌ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَام اسْم آخِره وَاو قبلهَا ضمة، فَإِن أدّى إِلَى ذَلِك قياسٌ رُفِض، فقلبت الضمة كسرة، وَلزِمَ لذَلِك انقلاب الْوَاو يَاء، فَقيل " عُدٍ "، فتنكَّبت الْعَرَب ذَلِك فِي كل معتل اللَّام، على فَعُول، أَو فَعِيل، أَو فِعال، أَو فَعال، على مَا قد أحكمته صناعَة الْإِعْرَاب.
وَأما أعادٍ فَجمع الْجمع، كَسَّروا عَدُوّا على أَعدَاء، ثمَّ كَسَّروا أَعدَاء على أعادٍ، وَأَصله أعاديُّ، كأنعام وأناعيم، لِأَن حرف اللين إِذا ثَبت رَابِعا فِي الْوَاحِد، ثَبت فِي الْجَمِيع، وَكَانَ يَاء، إِلَّا أَن يُضْطَرّ إِلَيْهِ شَاعِر، كَقَوْلِه، انشده سِيبَوَيْهٍ:
والبَكَرَاتِ الفُسَّجَ العْطَامِسا
وَلَكنهُمْ قَالُوا: أعادٍ كَرَاهِيَة الياءين مَعَ الكسرة، كَمَا حكى سِيبَوَيْهٍ فِي جمع مِعطاءٍ
1 / 34
مَعاطٍ، قَالَ: وَلَا يمْتَنع أَن يَجِيء على الأَصْل معاطِيّ، كأثافي، فَكَذَلِك لَا يمْتَنع أَن يُقَال أعاديُّ.
وَأما عُداة فَجمع عادٍ، حكى أَبُو زيد عَن الْعَرَب: أشمت الله عادِيَك، أَي عَدُوّك، وَهَذَا مُطَّرِد فِي بَاب فَاعل، مِمَّا لامه حرفُ عِلّة، اعني أَن يكَسَّر على فُعَلَة، كقاضٍ وقُضاة، ورامٍ ورُماة، وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب تكسير مَا كَانَ من الصّفة عِدَّتُه أربعةُ أحرف، وَهَذَا شَبيه اكثر النَّاس، فِي توهمهم أَن كماةً جمع كَمِيّ، وفعيل لَيْسَ مِمَّا يكسر على فُعَلة، وَإِنَّمَا جمع كمىّ أكْماء، حَكَاهُ أَبُو زيد. فَأَما كُماة فَجمع كامٍ، من قَوْلهم: كَمى شجاعته وشهادته: كتمها.
وَأما عِديً وعُديً فاسمان للْجمع، لِأَن فِعَلًا وفُعَلًا ليسَا بصيغتي جمع، إِلَّا لفِعْلة أَو فُعْلة، وَرُبمَا كَانَت لفَعْلة، وَهِي قَليلَة، وَذَلِكَ كهَضْبة وهِضَب، وبَدَرْة وبِدَر.
فَأَيْنَ علم أبي عبد الله ابْن الْأَعرَابِي بأسرار هَذِه الصِّيَغ من علمي، أَو فهمه لغوامض تأولها من فهمي؟ إِلَى غير ذَلِك، مِمَّا لَو تقصَّيته لأتعبت الخاطر، وملأت القماطر، لكني آثرت طَرِيق التقليل، إِذْ أقلّ من ذَلِك كافٍ فِي التَّمْثِيل.
فَلَمَّا رأى أيده الله تِلْكَ الْكتب المصنَّفة فِي هَذِه اللُّغَة الرئيسة، الرائقة النفيسة، لم يرضها أسلاكا لِتُومِها، وَلَا أفلاكا لطوالع نجومها، فأزمع التَّأْلِيف، وَأجْمع بِذَاتِهِ فِيهَا التصنيف، ليُودعها صِوَانا يشاكل قدرهَا، وإيوانا عاديًّا يماثل خطرها، وَهَذِه عَادَة همته فِيمَا يبتنيه من علَىِّ المفاخر، ويقتنيه من سَنِيِّ المآثر، إِنَّمَا لَهُ من كل مجد عُيونه، وَمن كل فَخر عَذَارَاه لاعُونُه، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّب:
تَرَفَّعَ عَن عُون المكارمِ قدْرُه ... فَمَا يفعَل الفَعْلات إِلَّا عَذَاريا
فرُبَّ عَوَانٍ قد أسفرتْ إِلَيْهِ مِنْهَا، فغضَّ طَرْفه دونهَا تنزها عَنْهَا، وَكم بِكْرٍ مِنْهَا أَتَتْهُ عفوا، فَشرب بهَا صفوا! وَقد لجّ بِغَيْرِهِ فِي إثْرهَا الجدّ، وخيرٌ من الجِدّ عِنْدِي الجَدّ، وَإِن
1 / 35
كَانَت المطالب الجسيمة، والمناقب الْحرَّة الْكَرِيمَة، لابد لَهَا من اغتراق الجَلَد، واعتراق قوى المهجة والجسد، وَمن طلب الرَّوْضَة الأُنُف، ورَكَضَ إِلَيْهَا الجيادَ الخُنُف، ومِن حُكْم الرائد صدق الْأَهْل، " صَعْبُ العُلَى فِي الصّعب والسَّهلُ فِي السَّهل ".
ثمَّ انه عاقه عَن التصنيف فِيهَا مَا نيط بِهِ من علائق السِّياسة، وأعباء الرياسة، وشغله عَن ذَلِك مَا حُبِيَ بِهِ من إدارته الممالك، وتأمينه المسالك، وخوضه بقَدَاميس الجيوش المهالك، أروى الله سِنَانه، وَأطَال بنانه، وَزَاد حَيَاة جنانه، وأمْهَى فِي مُدَّة الْبَقَاء عِنانَه، فالتمس من يؤهِّل لذَلِك من لُباب عبيده، وصُيَّاب عَديده، فَوجدَ مِنْهُم فُضَلاءَ خِيارا، ونُبَلاءَ أحبارا، لَكِن رَآنِي أطولهم يدا، وأبعدهم فِي مضمار العِتاق مدى، فَأمرنِي بالتجرّد لهَذِهِ الْإِرَادَة، وكساني بذلك ثوب التنويه والإشادة، وَأرَانِي كَيفَ أملك عنان الْحَقِيقَة، وَمن أَي المآتي أسلك مِتان الطَّرِيقَة، فأطعت وَمَا أضعت، وأجدت كلما أردْت، فأعلقت وأفلقت، وألفت كتابي الملخص، الَّذِي سميته " المُخِصَّص "، وَهُوَ على التَّبْوِيب، فِي نِهَايَة التَّهْذِيب، وَقد أريتُ فِي صَدره: لم أردْت وَضعه على ذَلِك، وهيئته بكيفية ورتبته، مُوَدَعةٌ فِي سِرّ خُطْبَته.
ثمَّ أَمرنِي بالتأليف على حُرُوف المعجم، فصنَّفت كتابي " الموسوم بالمحكَم "، وَهُوَ الَّذِي اختطابي نداءٌ عَلَيْهِ، وخطابي لَك حُداء بك إِلَيْهِ. فَرد بَدَائِع زهره، ورد مشار نهره، وتمش فِي بساتينه، وقلَّب طرفك فِي تهاويل رياحينه، ومِلْ إِلَيْهِ عينا وأُذْنا، تأْنَقْ بِهِ نَعْمَةً
1 / 36
وحُسْنا، وَلَا يرمينَّك الْحَسَد بِمَا يَكْمَدُ مِنْهُ الرّوح والجسد، فَإِنَّهُ لَا رَاحَة لحسود، وَلَا نعْمَة دائمةً لكَنُود.
وَفِي تَعَبٍ مَن يَحسُدُ الشَّمسَ نورَها ... ويَجْهَدُ أَن يأْتِي لَهَا بضريبِ
فَإِن كتَابنَا هَذَا مدعاة للنفوس الشاردة، مذكاة للقلوب الهامدة، معلقَة بفؤاد المتفهم، مأنقة لعين النَّاظر المتوسم، روض مَا أزهى أزاهيره، وأبهى فِي عُيُون اأافاهيم أشاهيره! وَإِن كنت إِنَّمَا أطفْت الْأَنْوَار بالعميان، وزففت الْأَبْكَار إِلَى الخصيان، غير انه إِذا سعد بِرِضا الْأَمِير، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ - وأدام عزته وعلاءه - فقد أغْنى عَن الوشل الْبَحْر، وَإِذا الشَّمْس لم تغرب فَلَا طلع الْبَدْر، وَلَو كَانَ لكتابي هَذَا نَفْسٌ مُنْطَقة، ولسان مُطلقَة، لأنشد قَول أبي الطَّيِّب:
غَضَبُ الحسودِ إِذا لَقيتُكَ رَاضِيا ... رُزْءٌ أخَفُّ عليَّ مِنْ أنْ يُوزَنا
وَهَذَا أَوَان أُجَلِّي عَلَيْك جمهرة أَوْصَافه، إِن لم يغُرَّك حسد مالكٌ لَك عَن إنصافه، وَإِن أَبيت إِلَّا الحسادة فَذَلِك إِلَيْك، لِأَن الخسران إِنَّمَا يثبت فِي يَديك، وَقد قَالَ الْحَكِيم الَّذِي لَا يُدْفع فَضله: لَا يحزنك دم هَراقه أهلُه.
إِن كتَابنَا هَذَا مشفوع الْمثل بِالْمثلِ، مقترن الشكل بالشكل، لَا يفصل بَينهمَا غَرِيب، وَلَا أَجْنَبِي بعيد وَلَا قريب، مهذب الْفُصُول، مُرَتّب الْفُرُوع بعد الْأُصُول، وَمن شافه علما من علم الضَّرُورَة، لم يأل فِي التحفظ بِتَقْدِيم الْمَادَّة على الصُّورَة. هَذَا إِلَى مَا تحلَّى بِهِ من التَّهْذِيب والتقريب، والإشباع والاتساع، والإيجاز والاختصار، مَعَ السَّلامَة من التّكْرَار، والمحافظة على جمع الْمعَانِي الْكَثِيرَة، فِي الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة، فكم بَاب فِي كتب أهل اللُّغَة أطالوه، بِأَن أخذُوا محموله على أَنْوَاع جمَّة، وأخذته أَنا على الْجِنْس، فغنيت عَن ذكر الْفُرُوع بِذكر القِنْس، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْمَحْمُول مأخوذًا على الْحَيَوَان، فَلَا محَالة انه مَأْخُوذ على السَّبع وَالْفرس وَالْإِنْسَان، وَغير ذَلِك من الْأَنْوَاع الَّتِي نجد الْحَيَوَان لَهَا جِنْسا، فَرب
1 / 37
سطر من كتابي يغترف من كتب اللُّغَة فِي الْخط سطورا، فَإِذا حُصِّل جَوْهَر الْكَلَام، عَادَتْ أَبْوَابهم لأبوابي شطورا، كَقَوْل أبي عبيد: سَمِعت الشَّيْبَانِيّ يَقُول: الأنوف: يُقَال لَهَا المَخاطِم، وَاحِدهَا: مَخْطِم. وَقلت أَنا فِي تَعْبِيره: المَخْطِمُ: الْأنف. وغنيت عَمَّا سوى ذَلِك، لِأَنَّهُ إِذا كَانَت الْكَلِمَة مَفْعِلا، فجمعها مَفاعِل، وَلَا يلْزم إِذا كَانَ لفظ الْجمع مَفاعل، أَن يكون الْوَاحِد مَفْعِلا، بل قد يكون مَفْعِلا، ومَفْعِلا، ومَفْعَلا فِي بعض الْمَوَاضِع، ومَفْعَلة، ومَفْعَلة، ومَفْعُلة.
وَكَقَوْلِه: الذآنين: نبت، والطَّراثيث: نبت، الْوَاحِد ذؤنون، وطُرْثوث، وَيُقَال: خرج النَّاس يتذأننون ويتطرثثون: إِذا خَرجُوا يطْلبُونَ ذَلِك. فغنيت أَنا عَن هَذِه الْعبارَة الْكَثِيرَة العناء، الْيَسِيرَة الْغناء، بِأَن قلت فِي الذَّال: الذؤنون: نبت، وَفِي الطَّاء: الطرثوث: نبت، لِأَن الشَّيْء إِذا كَانَ فُعْلولا، فَجَمعه لَا محَالة فَعاليل، وَإِذا كَانَ الْجمع فعاليل، لم يلْزم أَن يكون الْوَاحِد فُعْلولا وَحده، بل قد يكون فِعْلالا، وفِعْليلا، وفِعْلالة، وفِعْيِلة. وَكَذَلِكَ اكتفيت من قَوْله: خرج النَّاس يتذأنْنِون ويتطِرْثِثون: إِذا خَرجُوا يطْلبُونَ ذَلِك، بِأَن قلت: تذأْنِنُوا وتطِرْثِثُوا: طلبُوا ذَلِك. واقبح مَا فِي هَذِه الْعبارَة تَقْدِيمه الْجَمِيع على الْوَاحِد، وَهَذَا فِي كِتَابه وَكتب غَيره من أهل اللُّغَة كثير شَائِع، مستطير ذائع. وَهل أغرب من تَقْدِيم المركَّبات على البسائط؟ وناظرٌ إِلَى تقديمُهم أبنية اكثر الْعدَد، على أبنية أَقَله، إِذا كَانَ الْوَاحِد يَعتْقِب عَلَيْهِ بِنَاء أقلّ الْعدَد، وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَهُوَ الَّذِي يَدعُوهُ القدماء الْآحَاد، وَبِنَاء اكثر الْعدَد، وَهُوَ مَا زَاد على ذَلِك، حَتَّى إِذا كَانَ للْوَاحِد بِنَاء وَاحِد من أدنى الْعدَد، أَو بِنَاء وَاحِد من أَكْثَره، لم ينبهوا على انه لَا بِنَاء جمع لَهُ إِلَّا ذَلِك؛ وَللَّه در حذَّاق النَّحْوِيين، سِيبَوَيْهٍ فَمن دونه، فِي التَّحَرُّز من ذَلِك، وَأَيْنَ أجسم فَائِدَة فِي هَذِه الجموع من قَول سِيبَوَيْهٍ فِي الشَّيْء الَّذِي ينْفَرد بِبِنَاء وَاحِد من الْجمع، انه لَا يكسَّر على غير ذَلِك، كالأفئدة، والأكُفّ، والأقدام، والأرجل، وَغير ذَلِك، مِمَّا لَا أَسْتَطِيع وقفك على جَمِيعه، إِلَّا بِقِرَاءَة كتاب سِيبَوَيْهٍ، الَّذِي هُوَ نور الْآدَاب، ومادة أَنْوَاع الْإِعْرَاب.
فَإِن رَأَيْت قَضِيَّة من كتابي قد ساوت قَضِيَّة من كتب أهل اللُّغَة فِي اللَّفْظ، أَو قاربتها، فاقرن الْقَضِيَّة بالقضية، يلُح لَك مَا بَينهمَا من المزيَّة، إِمَّا بفائدة يجلُّ موضعهَا، وَإِمَّا بِصُورَة عبارَة يَلَذُّ موقعها، كَقَوْل أبي عبيد: تَمَأَّى الجلدُ تَمَئِّيا، مِثَال: تَمَعَّى تَمَعِّيا، تفَعَّل تفعُّلا: إِذا اتَّسع. وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد الْقَائِل: " إِن من الْبَيَان لسحرا ". وَأَيْنَ هَذَا من قولي بدل
1 / 38