Mufīd al-anām wa-nūr al-ẓalām fī taḥrīr al-aḥkām li-ḥajj bayt allāh al-ḥarām

مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام

Publisher

مكتبة النهضة المصرية

Edition

الثانية

Publication Year

١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م

Publisher Location

القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم
اسم الكتاب:
مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام.
تأليف الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر النجدي التميمي الوهيبي الأشيقري ثم المكي السلفي عفا الله عنه ونفع بعلومه آمين.
الجزء الأول، الطبعة الثالثة.
الرياض ١٤١٢ هـ، الموافق ١٩٩٢ م.
طبع على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، أجزل الله مثوبته.
ْْْْْْْْْْْ
بسم الله الرحمن الرحيم
- ترجمة المؤلف:
- نسبه:
هو الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر بن محمد بن عثمان بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن بجاد ينتهي نسبه إلى بسام بن عقبة من آل راجح من أوهبة تميم.
- مولده:
ولد هذا العالم الجليل في بلد أشيقر (من أعمال الوشم) في شهر محرم سنة ١٣٢٣ هـ، ورباه والده أحسن تربية ولما بلغ من العمر سبع سنين جعله عند مقرئ يسمى عبد الرحمن بن موسى يعلمه القرآن الكريم ولما بلغ من العمر أربع عشرة سنة حفظ القرآن المجيد.
- مشايخه:
ثم اشتغل بطلب العلم لدى شيخه إبراهيم بن صالح بن عيسى من بلد أشيقر ولازمه ملازمة تامة وكان ابتداء طلبه العلم لدى شيخه إبراهيم المذكور سنة ١٣٣٦ هـ، ولا زال يقرأ عليه في كثير من الفنون قراءة بحث وتحقيق إلى سنة ١٣٤٢ هـ، ومن الكتب التي قرأها على شيخه في أول الطلب (مجموعة التوحيد) ثم بعد إكمالها قرأ عليه فتح المجيد ثم شرح الدليل وشرح الزاد وشرح الشينشوري مع حاشية إبراهيم الباجوري في الفرائض كرره قراءة على شيخه عشر مرات تقريبًا وفي اللغة العربية شرح الشيخ خالد على الأجرومية ثم متممة الأجروية وشرحيهما للأهدل والفاكهي، ثم شرح القطر ثم قرأ عليه شرح المنتهى للشيخ منصور البهوتي قراءة بحث وتحقيق وتفهم وتدقيق وأكمل دراسته عليه مرتين وعلق ﵀ على شرح المنتهى على نسخته الخطية أثناء الدرس والمطالعة حاشية حافلة تحتوي على فوائد نفسية ومباحث غزيرة وهي باقية حتى الآن لم تجرد ولو جردت لجاءت في مجلدين وليتها تجرد لأن الكتابة قد استغرقت جميع مواضع البياض ويخشى من انقطاع أطراف الورق فتذهب الفائدة بفقدان بعض الكلمات.
وقرأ على شيخه في العروض كتاب الجدول الصافي في علمي العروض والقوافي وقرأ عليه الجزرية وشروحها لابن المصنف والشيخ زكريا الأنصاري وغيرهما وقرأ عليه أطرفًا من الكتب الستة وتفسير القرآن العظيم وغير ذلك من الفنون وقد أجازه بسنده للرواية عنه وبعد رحيل شيخه إبراهيم إلى عنيزة رحل إلى مكة فاستوطنها سكنًا له وقرأ على علماء الحرم المكي ولازمهم وتضلع في العلم فكان فقيهًا لا يجاري وقد وهبه الله فهما ثاقبًا وقوة في الحفظ وفراسة في الأحكام، ومن العلماء الذين درسوه الشيخ سعد وقاص البخاري من علماء مكة المكرمة.
ومن مشايخه العالم العلامة البحر الفهامة السلفي الشيخ محمد الطيب الأنصاري المدني ﵀ فقرأ عليه قراءة بحث وتحقيق وقد خصص له مجلسًا للقراءة عليه وقد استفاد منه علمًا كثيرًا وقد أجازه جماعة من العلماء الأعلام والأجلاء الكرام منهم العلامة الشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد العيسى.
- أعماله:
في صفر سنة ١٣٥٠ هـ، تولى القضاء في المستعجلة بمكة ثم تعين في الطائف وذلك في سنة ١٣٥٥ هـ، ثم تعين في قضاء المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وذلك سنة ١٣٥٦ هـ، وأقام فيها قاضيًا سبع سنين ثم صدر أمر الملك عبد العزيز ﵀ بنقله إلى مكة في أول عام ١٣٦٣ هـ، وأن يكون برئاسة القضاء عضوًا وسكرتيرًا ثم صدر أمر الملك عبد العزيز ﵀ بأن يكون معاونًا لرئيس القضاة بمكة ثم مساعدًا لرئيس القضاء في مكة ولما أنشئت هيئة التمييز للأحكام تعين عضوًا فيها ثم رئيسًا لها حتى أحيل على التقاعد لإكماله السن النظامية في ١-٧-٩٣ هـ، بموجب القرار رقم ٢٦٩٧ في ٢٥-٦-٩٣ هـ، فتجرد للعبادة ونفع الخلق الكثير وكان آية في مكارم الأخلاق، توفى ﵀ في ١٠-٢-١٤٠١ هـ، له من الأبناء عبد العزيز وإبراهيم.
- مؤلفاته:
لشيخنا من المؤلفات (كتاب مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام، وهو هذا، وحاشيته على المنتهى وشرحها علقها أثناء الدرس وفي أوقات المطالعة وهي باقية على الهامش لم تجرد وقد تقدم ذكرها، وله فوائد في الفقه الحنبلي لا تقل عن ستة كراريس وله رسالة سماها تنبيه النبيه والغبي فيما التبس على الشيخ المغربي ألفها في المدينة المنورة في آخر شعبان سنة ١٣٥٨ هـ، رد فيها على شيخ مغربي أنكر تكليم الله لموسى وزعم أن جبريل أظهر لموسى كلام الله من اللوح المحفوظ وهذا اعتقاد مبدع خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الله جل وعلا كلم موسى حقيقة بكلام سمعه موسى من الله تقدس وعلا وتتضمن الرسالة سماع جبريل ﵇ القرآن الكريم من رب العزة والجلال والإكرام وأن الله يتكلم إذا شاء بصوت. ولشيخنا رسالة في وجوب السمع والطاعة لولي أمر المسلمين وإن جار ما لم يأمر بمعصية ألفها في بلد شقراء في ٢٥-٨-١٣٤٧ هـ، وألفت لمناسبة حصلت حين ذاك وهي رسالة مفيدة، وله غير ذلك من الرسائل والمسائل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Unknown page

بسم الله الرحمن الرحيم
- خطبة الكتاب:
قال المؤلف عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر عفا الله عنه، الحمد لله الحي القيوم ذي الجلال والإكرام، والشكر له ذي الفضل والجود والكرم والمنن العظام، الذي هدانا للإسلام، وأسبغ علينا نعمه وألطافه الجسام، وشرع لنا فضلًا منه وتكرمًا حج بيته الحرام، وجعله محلًا لتنزلات الرحمة ومحو الآثام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي خص الحج بوقت محدود، وأطلق وقت العمرة في جميع العام، وفرض الحج والعمرة على كل حر مسلم مكلف مستطيع من الأنام. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وخليله وحبيبه أفضل من أحرم من ميقات ولبى ووقف بعرفة نهارًا إلى الغروب وبات بمزدلفة ومنى ورمى ونحر وحلق وطاف بالبيت الحرام، وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين تمسكوا بسنته وسعوا كما سعى بين الصفا والمروة، ووقفوا بتلك المشاعر العظام.
أما بعد: فإن الحج من أفضل الطاعات عند رب العالمين، وأجل الأعمال الصالحة لمحو ذنوب المذنبين، وقد استعنت الله ﷾ وألفت فيه هذا الكتاب، وسميته: (مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام) .
وهو يشتمل على بيان أحكام الحج وإيضاح مشكلاته، وذكر مصححاته ومفسداته وأركانه وواجباته ومسنوناته، وغير ذلك من متعلقاته، وسقت فيه بحوثًا مفيدة وفوائد فريدة لا تجدها في غيره، لا سيما في المسائل التي كثر فيها السؤال

1 / 1

والاستشكال في مواسم الحج، مثل مسألة ما إذا طاف المتمتع وسعى لعمرته ثم أحرم بالحج قبل الحلق أو التقصير هل يصح حجه أم لا؟ ومثل مسألة المتمتع هل يكفيه لعمرته وحجه سعى واحد بين الصفا والمروة أم لا بد من سعين واحد للعمرة والآخر للحج؟ وسقت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ومثل مسألة رمى الجمار الثلاث لنفسه ومستنيبه أو موليه، ومثل مسألة منع أخذ الشعر والظفر عند الإحرام إذا كان في عشر ذي الحجة ومن نيته أن يضحي أو يضحى عنه، ووجوب أخذ ذلك عند إتمام عمرته، وبيان الفرق بينهما، وغير ذلك من البحوث المفيدة، وتكلمت في الغالب على بعض الأحاديث التي أوردها الفقهاء في المناسك والزيارة وهي غير صحيحة ولا حسنة، كما أني أرجح من الروايات والأقوال ما يوافق الدليل وإن خالف الصحيح من المذهب، مثل قول صاحب المنتهى والإقناع وغيرهما: إنه إذا أتى على رمي جمرة العقبة يستقبل القبلة مع أن الصحيح الذي تدل عليه السنة أنه يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه وغير ذلك، وقد تعرضت في بعض المسائل لذكر الخلاف بين الأئمة لاسيما في فصل: ولا يجوز لمن أراد دخول مكة أو الحرم أو نسكًا تجاوز الميقات بغير إحرام؛ وفي باب الإحرام ومحظوراته، وباب الفدية، فإني قد سقت في ذلك مذاهب الأئمة أكثر مما سقته في غيره.
هذا، وإني قد أسوق العبارة الصريحة في بيان المسألة ثم أعقبها بعبارة تؤيدها من المنتهى أو الإقناع أو غيرهما، ولم أتلفت إلى أن هذا يعد تكرارًا لأن منه ما يحلو لزيادة الإيضاح.
وقد دعاني إلى جمع هذا الكتاب قوله ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد

1 / 2

صالح يدعو له)، وإن لم أكن أهلًا للإكرام فقد يكرم الطفيلي في محل الكرام.
هذا، وإني أرجو من الواقف عليه والناظر فيه إن وجد فيه ما يوافق الحق والصواب فليبادر بالقبول ويتذكر يوم الحساب عند رب الأرباب، وإن عثر على شيء زلت فيه القدم أو سبق به القلم فليستحضر بقلبه أنه لم يسلم من الخطأ إلا رسول الله ﷺ سيد العرب والعجم، كما قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياها كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه.
وكما قيل:
من يلتمس للناس عيبًا يجد لهم ... عيوبًا ولكن الذي فيه أكثر.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الخطأ والزلل، ويحفظنا من التصنع بالقول والعمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وسببًا للفوز بجنات النعيم (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ) (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيبُ) .
وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الله الملك المعبود، فأقول وبالله الاعتماد وهو الموفق للصواب والسداد.

1 / 3

-- كتاب المناسك:
جمع منسك بفتح السين وكسرها، وهو التعبد، يقال تنسك: إذا تعبد وغلب إطلاقها على متعبدات الحج، والمنسك في الأصل: من النسيكة، وهي الذبيحة، قال تعالى: (إن صلاتي ونسكي): أي ذبيحتي (ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له) . قال الجوهري: النسك بالإسكان: العبادة، وبالضم: الذبيحة، انتهى.
واعلم أن الحج والعمرة يجبان بشروط خمسة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى والحج لغة: القصد إلى من تعظمه، وشرعًا: قصد مكة وعرفة لعمل مخصوص في زمن مخصوص والعمرة لغة: الزيارة، ويقال أعمره: إذا زاره. وشرعًا: زيارة البيت الحرام على وجه مخصوص، ووجوبهما بالكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقوله ﷿: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)، وقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله) . وأما السنة فمنها ما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا)، ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: (يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) . رواه أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح، وإذا ثبت ذلك في حق النساء فالرجال أولى. والأخبار الواردة في فضله كثيرة مشهورة: فمنها ما في الصحيحين عن

1 / 4

أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) .
وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي إلا أنه قال: (غفر له ما تقدم من ذنبه) . وعنه أن رسول الله ﷺ قال: (لعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) . رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، وعن عائشة ﵂ قالت: (قلت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور) . رواه البخاري وغيره. وابن خزيمة في صحيحه. ولفظه قالت: (قلت يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تابعوا بين الحج والعمر فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) . رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أبو هريرة: حجة مبرورة تكفر خطايا سنة وغير ذلك من الأحاديث والآثار، وتجب العمرة على المكي أيضا، ونص الغمام أحمد على أنها لا تجب على المكي بخلاف غيره، قال الإمام أحمد: (كان ابن عباس يرى العمر واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت) وهو من رواية إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.
قال شيخ الإسلام: والقول بوجوب العمرة على أهل مكة

1 / 5

قول ضعيف جدًا مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد أن أهل مكة لا عمرة عليهم رواية واحدة، وفي غيرهم روايتان وهي طريقة أبي محمد المقدسي، وطريقة المجد أبي البركات في العمرة ثلاث روايات، ثالثها تجب على غير أهل مكة انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وعن الإمام أحمد ﵀ أن العمرة سنة وليست واجبة، روى ذلك عن ابن مسعود، وبه قالت المالكية والحنفية وشيخ الإسلام، فعلى هذه الرواية يجب إتمامها إذا شرع فيها، والمذهب وجوبها كما تقدم؛ ويروى ذلك عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيره وهو أحد قولي الشافعي.
وفرض الحج سنة تسع من الهجرة عند أكثر العلماء وقيل سنة عشر، وقيل ست، وقيل خمس، ولم يحج النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع، قال القاضي أبو يعلى: سميت بذلك لأنه ﷺ ودع الناس فيها، وقال: (ليبلغ الشاهد الغائب)، أو لأنه لم يعد على مكة بعد انتهى؛ ولا خلاف بين العلماء أن حجة الوداع كانت سنة عشر من الهجرة وكان قارنًا فيها.
قال الإمام أحمد ﵀: لا أشك أنه ﷺ كان قارنًا والمتعة أحب إليّ انتهى، واستدل بما روى أنس: (سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعًا يقول لبيك عمر وحجًا) . متفق عليه، وقول الإمام أحمد والمتعة أحب إليّ، وذلك لأن النبي ﷺ تأسف فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ولحللت معكم)، ويأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
والحج فرض كفاية كل عام على من لم يجب عليه عينا، نقله في الآداب الكبرى لابن مفلح عن الرعاية لابن حمدان.
وقال هو خلاف ظاهر قول الأصحاب انتهى. قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: ويمكن

1 / 6

أن يقال: من لا يجب عليه الحج عينًا بأن يكون أدى حجة الإسلام فالحج في حقه بعد ذلك فرض كفاية باعتبار اندراجه في عموم المخاطبين بفرض الكافية فيعزم كل عام على الحج مع القدرة لو لم يحج غيره، وهو نفل في حقه أيضًا باعتبار خصوصه فيسن له العزم على الحج كل عام مع القدرة، فزيد مثلًا إذا كان أدى حجة الإسلام ثم رأى الناس تهيئوا للخروج إلى الحج فعزم على الخروج معهم كان عزمه وأخذه في الأسباب على سبيل النفلية ظاهرًا، ثم إذا حج الجميع فمن كان منهم حجته حجة الإسلام فثوابه ثواب فرض العين، وغيره إن كان ممن دخل في عموم المخاطبين بفرض الكفاية أثيب كل فرد منهم ثواب فرض الكفاية لاستوائهم في مطلق أداء فرض الكفاية.
وملخص هذا الحج في حق هذا القسم عند التوجه إليه فرض كفاية على العموم، نفل على الخصوص، وبعد فعل الحج يتبين أنهم قاموا بفرض الكفاية فيثابون على الخصوص ثواب فرض الكفاية، ومثل هذا يأتي في الصلاة على الميت ونحوها، فلا منافاة بين كلام الرعاية وغيرها لما علمت من ثبوت الاعتبارين المذكورين، وبهذا أيضًا يندفع ما أورده الشيخ خالد الأزهري في جمع الجوامع، والظاهر أيضًا سقوط فرض الكفاية بفرض العين لحصول المقصود مع كونه أعلى، هذا ما ظهر لي ولم أره مسطورًا انتهى. ولا يجب الحج والعمرة في العمر إلا مرة واحدة إلا لعارض نذر أو قضاء نسك، لما روى أبو هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال النبي ﷺ: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) . رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال:

1 / 7

(يا أيها الناس كتب عليكم الحج، فقال الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت. ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع. رواه أحمد والنسائي بمعناه. ووجوبهما على الفور نص عليه أحمد، فيأثم إن أخرهما بلا عذر بناء على أن الأمر المطلق عند الأصوليين للفور، ويؤيد خبر ابن عباس مرفوعًا قال: (تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا دري ما يعرض له) . رواه أحمد. قال شيخ الإسلام: الحج واجب على الفور عند أكثر العلماء انتهى.
فإن قيل: لو كان واجبًا على الفور لم يؤخره ﷺ، قيل: أما تأخيره ﷺ هو وأصحابه الحج بناء على أن الحج فرض سنة تسع فيحتمل أنه كان في آخرها، أو لأنه أطلع نبيه ﷺ على أنه لا يموت حتى يحج فيكون على يقين من الإدراك.
قال أبو زيد الحنفي، أو لاحتمال عدم الاستطاعة، أو حاجة خوف في حقه منعه من الخروج ومنع أكثر أصحابه خوفًا عليه.
والصحيح أن الحج فرض سنة تسع كما تقدم وأن فرضه كان في آخرها، وأن آية فرضه هي قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا) وهي نزلت عام الوفود آخر سنة تسع وأنه ﷺ لم يؤخر الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، وهذا هو اللائق بهديه وحاله ﷺ.
ويشترط للحج والعمرة خمسة شروط: أحدها الإسلام. الثاني العقل، وهما شرطان للوجوب والصحة، فلا يجب حج ولا عمرة على كافر ولو مرتدًا لأنه ممنوع من دخول الحرم، وهو مناف له، ويعاقب الكافر على الحج والعمرة وعلى سائر فروع الإسلام كالصلاة والزكاة والصوم كالتوحيد إجماعًا، قال الشيخ عثمان بن قائد: أي لا يجب الحج والعمرة على الكافر وجوب أداء، وأما وجوب

1 / 8

الخطاب فثابت، وهذا مبني على الصحيح عند الأصوليين من خطاب الكفار بالفروع انتهى.
ولا يجب الحج والعمرة عليه باستطاعته في حال ردته فقط بأن استطاع زمن الردة دون زمن الإسلام لأنه ليس من أهل الوجوب زمن الردة، ولا تبطل استطاعته في إسلامه بردته، بل يثبت الحج في ذمته إذا عاد للإسلام، وإن حج واعتمر ثم ارتد ثم أسلم وهو مستطيع لم يلزمه حج ولا عمرة لأنهما إنما يجبان في العمر مرة واحدة وقد أتى بهما في حين إسلامه، وردته بعد الإتيان بهما لا تبطلهما إذا عاد إلى الإسلام كسائر عباداته.
ولا يصح الحج والعمرة من الكافر ولو مرتدًا، لأن كلا من الحج والعمرة عبادة من شرطها الإسلام، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، ويبطل إحرامه ويخرج منه بردته فيه لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) .
ولا يجب الحج والعمرة على المجنون لحديث (رفع القلم عن ثلاثة) الحديث، ولا يصحان منه إن عقده بنفسه أو عقده له وليه كالصوم، وإنما صح من الصغير دون التمييز إذا عده له وليه للنص الوارد في ذلك، ولا تبطل استطاعته بجنونه فيحج عنه، ولا يبطل إحرامه بالجنون إذا أحرم وهو عاقل ثم جن بعد إحرامه كالصوم لا يبطل بالجنون، ولا يبطل الإحرام بالإغماء والموت، والسكر كالنوم.
الشرط الثالث البلوغ. الرابع كمال الحرية، وهما شرطان للوجوب والإجزاء فقط دون الصحة، فلا يجب الحج ولا العمرة على الصغير لأنه غير مكلف، ولا على قن لأن مدتهما تطول فلم يجبا عليه؛ لما فيه من إبطال حق السيد، وكذا مكاتب ومدبر، وأم ولد ومعتق بعضه ومعلق عتقه بصفة، ويصح الحج والعمرة منهم لحديث ابن عباس (أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيًا فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) . رواه مسلم.
والقن من أهل العبادة فصح

1 / 9