317

Minhāj al-Taʾsīs waʾl-Taqdīs fī Kashf Shubahāt Dāwūd b. Jirjīs

منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس

Publisher

دار الهداية للطبع والنشر والترجمة

إذ هو غير ممتنع مع علمه بسؤال من سأله، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، ممن هو أعلى منه، وليس لها في قلوب المسلمين غير ذلك، ولا يقصد بها أحد سواه، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى مستغاث، والغوث منه تسببًا وكسبًا، ولا يعارض ذلك خبر أبي بكر الصديق ﵁: "قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال ﷺ: إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" لأن في سنده ابن لهيعة والكلام فيه مشهور، وبفرض صحته فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [لأنفال: من الآية١٧]، وقوله ﷺ: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" أي أنا وإن استغيث بي فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى وكثيرًا ما تجيء السنة بمحو هذا من بيان حقيقة الأمر، ويجيء القرآن لإضافة الفعل إلى مكتسبه كقوله ﷺ: "لن يدخل الجنة أحد بعمله" مع قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: من الآية٣٢] .
وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث ولو تسببًا وكسبًا أمر معلوم، لا شك فيه لغة ولا شرعًا، فلا فرق بينه وبين التوسل حينئذ، فتعين تأويل الحديث لا سيما مع ما نقل أن في حديث البخاري في الشفاعة يوم القيامة: "فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ". وقد يكون مع التوسل طلب الدعاء منه إذ هو يعلم بسؤال من سأله، ويتسبب هو بشفاعته ودعائه وذكر ابن تيمية فيما تقدم أن المصنفين في أسماء الله قالوا: يجب على المكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الحقيقة إلا الله، وأن الإغاثة وإن حصلت من غيره تعالى فهو مجاز، وحقيقة له تعالى، وقال أيضًا: "والاستغاثة بمعنى أن يطلب منه ما هو اللائق بمنصبه، لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع فهو كافر أو ضال". وهذا كما ترى محافظة على التوحيد واتباعًا للوارد، فالإنكار ساقط بهذا الاعتبار، وقد ذكر المجوزون أن جعل النبي والصالح متسببًا لا مانع من ذلك شرعًا وعقلًا، لأن ذلك كله بإذن الله تعالى، ومن أقر بالكرامة من الصالحين كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وأنها بإذن الله لم

1 / 322