المجلد الأول
القسم الأول: ترجمة ابن مالك وترجمة الأشموني
...
القسم الأول: ترجمة ابن مالك وترجمة الأشموني
بسم الله الرحمن الرحيم
١ - ترجمة ابن مالك:
هو جمال الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، الطائي نسبا، الشافعي مذهبا، الجياني منشأ.
ولد في جيان في الأندلس في سنة ٦٠٠هـ، وقيل: سنة٦٠١هـ، وقيل: سنة ٥٩٧هـ، وقيل: سنة ٥٩٨هـ. تلقى علومه الأولى في بلدته، ثم انتقل، وهو شاب، إلى دمشق، ثم ما لبث أن ترك المذهب المالكي الذي كان غالبا على الأندلسيين ليدخل المذهب الشافعي.
أخذ ابن مالك القراءات والنحو عن أبي رزين بن ثابت بن محمد بن يوسف الكلاعي، من أهل لبلة بالأندلس، وسمع من السخاوي، علي بن محمد النحوي المقرئ، وقرأ على أبي الفضل مكرم بن محمد بن أبي الصقر، ولازم في حلب حلقة ابن يعيش النحوي، كما جالس تلميذه ابن عمرون.
"وكان إماما في القراءات وعللها، وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها، والاطلاع على وحشيها. وأما النحو والتصريف فكان فيهما بحرا لا يجارى، وحبرا لا يبارى. وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو، فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون فيه، ويتعجبون من أين يأتي بها. وكان نظم الشعر سهلا عليه: رجزه وطويله وبسيطه وغير ذلك، هذا مع ما هو عليه من الدين المتين، وصدق اللهجة، وكثرة النوافل، وحسن السمت، ورقة القلب، وكمال العقل، والوقار والتؤدة"١.
١ بغية الوعاة ١/ ١٣٠.
1 / 5
وقد أخذ عنه علماء كثيرون، منهم ابنه بدر الدين محمد شارح ألفيته، والإمام النووي، وشمس الدين بن جعوان، والعلاء بن العطار، والشيخ أبو الحسين اليونيني، وبها الدين بن النحاس شيخ الديار المصرية في علم اللسان، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وابن خلكان، وشهاب الدين بن نافع، وغيرهم.
أما مؤلفاته فقد قاربت الخمسين.
وقد أحصاها الدكتور رمزي بعلبكي مشيرا إلى المطبوع منها بالحرف "ط"، وإلى المخطوط بالحرف "خ"، مغفلا الإشارة إلى العناوين التي ذكرتها المصادر ولم تطبع أو يعثر لها على مخطوط، فجاءت على النحو التالي مرتبة ترتيبا ألفبائيا١:
١- الاعتداد في الفرق بين الزاي والضاد.
٢- أجوبة على أسئلة جمال الدين اليمني في النحو "خ".
٣- أرجوزة في الخط "خ".
٤- أرجوزة في المثلثات، طبعت ضمن كتابه "تحفة المودود".
٥- الاعتضاد في الفرق بين الظاء والضاد.
٦- الاعتماد في نظائر الظاء والضاد، ولعله المؤلف السابق نفسه.
٧- إعراب مشكل القرآن.
٨- الإعلام بمثلث الكلام "ط".
٩- أفعال الأمر التي تبقى على حرف واحد "خ".
١٠- إكمال الإعلام في تثليث الكلام "خ".
١١- إكمال العمدة وشرحه.
١٢- الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة "خ".
١٣- الألفية أو الخلاصة.
١٤- إيجاز التعريف في علم التصريف "أو: بضروري التصريف"، وقد يسمى "تصريف ابن مالك" "خ".
١٥- بيان ما فيه لغات ثلاث أو أكثر "خ".
١٦- تحفة الإحظا في الفرق بين الضاد والظا "خ"، ولعله كتاب الاعتضاد السابق نفسه.
١٧- تحفة المودود في المقصور والممدود "ط".
١٨- تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد "ط".
١٩- تنبيهات ابن مالك "خ".
٢٠- ثلاثيات الأفعال "خ".
١ عن مقدمة تحقيقه لكتاب "شرح ابن عقيل" ص٨-١٠.
1 / 6
٢١- حوز المعاني في اختصار حرز الأماني.
٢٢- ذكر معاني أبنية الأسماء الموجودة في المفصل للزمخشري "خ".
٢٣- سبك المنظوم وفك المختوم "خ".
٢٤- شرح ابن مالك على تصريفه المأخوذ من كافيته "خ".
٢٥- شرح الاعتضاد في الفرق بين الظاء والضاد "خ".
٢٦- شرح إيجاز التعريف.
٢٧- شرح تحفة المودود في المقصور والممدود "ط".
٢٨- شرح التسهيل "خ".
٢٩- شرح الجزولية.
٣٠- شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ "ط".
٣١- شرح الكافية الشافية "ط".
٣٢- شرح لامية الأفعال "ط".
٣٣- شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح "ط".
٣٤- الضرب في معرفة لسان العرب.
٣٥- العروض "خ".
٣٦- عمدة الحافظ وعدة اللافظ "ط".
٣٧- فتاوى ابن مالك "جمعها بعض طلبته".
٣٨- الفوائد النحوية والمقاصد المحوية.
٣٩- القصيدة الدالية المالكية في القراءات السبع "خ".
٤٠- قصيدة في الأسماء المؤنثة "خ".
٤١- الكافية الشافية "ط".
٤٢- لامية الأفعال "ط".
٤٣- المقدمة الأسدية، وضعها باسم ابنه الثاني محمد المعروف بالأسد.
٤٤- منظومة فيما ورد من الأفعال بالواو والياء "خ".
٤٥- المؤصل في نظم المفصل.
٤٦- النظم الأوجز فيما يهمز.
٤٧- نظم الفوائد.
٤٨- نظم الكافية في اللغة "خ".
٤٩- وفاق الاستعمال في الإعجام والإهمال "خ".
1 / 7
توفي ابن مالك في ١٢ شعبان سنة ٦٧٢هـ، وصلي عليه بالجامع الأموي بدمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون.
٢- مصادر ترجمة ابن مالك ومراجعها:
كثيرة هي المصادر والمراجع التي ترجمت لابن مالك، ومنها١:
- الأعلام لخير الدين الزركلي ٦/ ٢٣٣.
- البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ٢٦٧.
- بغية الوعاة للسيوطي ١/ ١٣٠-١٣٧.
- البلغة في تاريخ أئمة اللغة للفيروزابادي ٢/ ١٨٠.
- تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان ٥/ ٢٧٥-٢٩٦.
- حاشية الخضري على ابن عقيل ١/ ٧.
- دائرة المعارف ٤/ ١٦-١٨.
- دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٢٧٢-٢٧٤.
- روضات الجنات للخوانساري ٨/ ٧٦.
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ٥/ ٣٣٩.
- طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٤٥٤.
- طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ٢٨.
- طبقات النحاة واللغويين لابن قاضي شهبة ص١٣٣.
- العبر في خبر من غبر للذهبي ٥/ ٣٠٠.
- غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ١٨٠.
- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ٣/ ٤٠٧.
- المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ٤/ ٨.
- مرآة الجنان لليافعي ٤/ ١٧٢.
- معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١٠/ ٢٣٤.
- معجم المطبوعات العربية والمعربة ليوسف اليان سركيس، العمود ٢٣٢: العمود ٢٣٤.
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي ٧/ ٢٤٣.
- الوافي بالوفيات للصفدي ٣/ ٣٥٩-٣٦٤.
٣- ترجمة الأشموني:
هو علي بن محمد بن عيسى، أبو الحسن نور الدين الأشموني "٨٣٨هـ/ ١٤٣٥م-
١ رتبناها بحسب الترتيب الألفبائي.
1 / 8
نحو ٩٠٠هـ/ نحو ١٤٩٥م". نحوي، فقيه، متكلم، ناظم. أصله من أشمون بمصر. ولد في القاهرة، وولي القضاء في دمياط. كان شيخا بارعا مفننا أخذ من أجل مشايخ عصره.
من مؤلفاته:
- حاشية على "الأنوار لعمل الأبرار" للشيخ الإمام جمال الدين يوسف بن إبراهيم الشافعي "٧٩٩هـ"، وهو في فقه الشافعية.
- منهج المسالك إلى ألفيه ابن مالك، وهو المعروف باسم "شرح الأشموني".
- نظم "إيساغوجي" في المنطق.
- نظم "جمع الجوامع" في النحو لجلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي "٩١١هـ".
- نظم "منهاج الدين" للشيخ الإمام أبي عبد الله حسين بن الحسن الحليمي الجرجاني الشافعي "٤٠٣هـ" في شعب الإيمان.
- الينبوع في شرح المجموع، وهو شرح لكتاب "المجموع في فروع الشافعية" لأبي علي حسين بن شعيب المعروف بابن السنجي "٤٣٠هـ".
٤- مصادر ترجمة الأشموني ومراجعها١:
- الأعلام ٥/ ١٠.
- خطط مبارك ٨/ ٧٤.
- الضوء اللامع ٦/ ٥.
- كشف الظنون ١/ ١٥٣.
- معجم المؤلفين ٧/ ١٨٤.
- معجم المطبوعات العربية والمعربة ص٤٥١.
- المعجم المفصل في اللغويين العرب ١/ ٤٨٨.
- هدية العارفين ١/ ٧٣٩.
٥- ألفية ابن مالك:
وضع ابن مالك أرجوزة طويلة تقارب أبياتها الثلاثة آلاف بيت من مزدوج الرجز، تضم النحو والصرف معا، ثم شرحها نثرا بكتاب سماه "الوفية"، ثم لخصها بكتاب سماه "الخلاصة"، الذي عرف بـ"الألفية" نسبة إلى عدد أبياته التي بلغت الألف بيت. وقد نهج ابن مالك فيها نهج نحوي قبله كان له فضل السبق في هذا المضمار هو ابن معط "توفي سنة
١ رتبناها ترتيبا ألفبائيا.
1 / 9
٥٦٤"، وقد اعترف ابن مالك بهذا السبق ذاهبا إلى أن ألفيته أحسن من ألفية ابن معط، فقال:
وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معط
وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا
والله يقضي بهبات وافره ... لي وله في درجات الآخره
ونشير هنا إلى أن السيوطي بعده وضع ألفية وقال في أولها: "فائقة ألفية ابن مالك"، كذلك جاء بعد السيوطي الأجهوري المالكي فوضع ألفية أخرى زاد فيها على السيوطي، وقال في مقدمتها: "فائقة ألفية السيوطي".
وأبيات الألفية كلها من كامل الرجز، وتمتاز عباراتها بالرقة والدقة والإيجاز في صياغة الأحكام، ولذلك يسهل حفظها. ويظهر أن ابن مالك قد حرص على هذا الأمر لأن غايته من ألفيته غاية تعليمية، وقد جعل أبواب النحو في القسم الأول منها، وأبواب الصرف في قسمها الأخير.
وقد نالت ألفية ابن مالك من الشهرة ما لم تنله أي ألفية أخرى، أو أي كتاب نحوي آخر، فقد بلغت شروحها وشروح شروحها والذيول والحواشي عليها العشرات، كما ترجمت إلى الفرنسية والإيطالية وطبعت طبعات يصعب إحصاؤها.
٦- منهج المسالك إلى ألفية ابن مالك:
هذا الكتاب واحد من الكتب الكثيرة التي وضعت شرحا لألفية ابن مالك، وهو، كما يقول مؤلفه في مقدمته "شرح لطيف بديع على ألفية ابن مالك، مهذب المقاصد واضح المسالك يمتزج بها امتزاج الروح بالجسد، ويحل منها محل الشجاعة من الأسد، تجد نشر التحقيق من أدراج عباراته يعبق، وبدر التدقيق من أبراج إشاراته يشرق، خلا من الإفراط الممل، وعلا عن التفريط المخل، وكان بين ذلك قواما، وقد لقبته بـ "منهج المسالك إلى ألفية ابن مالك" ولم آل جهدا في تنقيحه وتهذيبه، وتوضيحه وتقريبه".
وقد تلقى العلماء هذا الكتاب بكثير من العناية، فوضعوا الحواشي عليه، ومن هؤلاء أبو عبد الله محمد بن علي بن سعيد التونسي المتوفى سنة ١١٩٩هـ، وقد سمى حاشيته "زهر الكواكب لبواهر المواكب"، وأبو العرفان الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي الحنفي "توفي سنة ١٢٠٦هـ"، وقد عرفت حاشيته باسم "حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك".
٧- طبعات الكتاب:
طبع كتاب الأشموني لأول مرة في بولاق سنة ١٢٨٠هـ مع حاشية الصبان عليه، ثم
1 / 10
طبع سنة ١٢٩٣هـ وسنة ١٢٩٨ في تونس مع حاشية ابن سعيد التونسي عليه التي سماها "زهر الكواكب لبواهر المواكب" كما سبق القول. وفي السنة ١٢٠٥هـ أعيد طبعه مع حاشية الصبان عليه في المطبعة الأزهرية بمصر وفي المطبعة الخيرية فيها أيضا.
وأول طبعة للكتاب دون الحواشي عليه هي طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد في مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٧٥هـ/ ١٩٥٥م، وقد جاءت هذه الطبعة خالية من أي حاشية أو استدراك، إذ اكتفى المحقق بتحقيق المتن، لكنه عاد فأصدر أربعة أجزاء منه مثقلة بالحواشي والتعليقات والاستدراكات على عادته في تحقيق الكتب النحوية، ووصل في نهاية الجزء الرابع إلى نهاية باب العطف.
ولندرة الكتاب في سوق الكتب، بل لفقدانه، ولأن عمل السيد محمد محيي الدين عبد الحميد، على جودته، لم يكتمل جئت بعملي هذا علني أسد ثغرة في سلسلة تحقيقاتنا للكتب النحوية.
وقد حرصت في هذه الطبعة على:
- تخريج الآيات القرآنية، والشواهد الشعرية، والأمثال العربية مع اعتناء خاص بالشواهد الشعرية من حيث تعيين بحورها، وشعرائها، ومصادرها، ومعانيها، وإعراباتها، ومواطن الاستشهاد فيها.
- إثبات بعض التعليقات مع الحرص على عدم إثقال المتن بالحواشي.
- وضع الفهارس المختلفة في نهاية الكتاب.
وفي الختام، لا بد أن أشكر الدكتور إميل بديع يعقوب على إشرافه على هذا العمل، إذ سدد خطاي، وأعانني كثيرا كي أتمه وفق المنهج الذي ارتضاه في السلسلة النحوية الصادرة عن دار الكتب العلمية في بيروت، والتي صدر منها حتى الآن الكتب التالية.
- شرح شذور الذهب.
- شرح قطر الندى وبل الصدى.
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك.
- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك.
- الإنصاف في مسائل الخلاف.
وبعد، آمل أن أكون قد وفقت في عملي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
حسن حمد
1 / 11
القسم الثاني: شرح الأشموني على ألفية بن مالك المسمى" منهج المسالك إلى ألفية بن مالك"
مدخل
...
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله على ما منح من أسباب البيان، وفتح من أبواب التبيان، والصلاة والسلام على من رفع بماضي العزم قواعد الإيمان، وخفض بعامل الجزم كلمة البهتان، مُحَمَّدٍ المنتخب من خلاصة معد ولباب عدنان، وعلى آله وأصحابه الذين أحرزوا قصبات السبق في مضمار الإحسان، وأبرزوا ضمير القصة والشان، بسنان اللسان ولسان السنان، فهذا شرح لطيف بديع على ألفية ابن مالك، مهذب المقاصد واضح المسالك، يمتزج بها امتزاج الروح بالجسد، ويحل منها محل الشجاعة من الأسد، تجد نشر التحقيق من أدراج عباراته يعبق، وبدر التدقيق من أبراج إشاراته يشرق، خلا من الإفراط الممل، وعلا عن التفريط المخل، وكان بين ذلك قوامًا، وقد لقبته بـ"منهج المسالك، إلى ألفية ابن مالك"، ولم آل جهدا في تنقيحه وتهذيبه، وتوضيحه وتقريبه. والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من تلقاه بقلب سليم، إنه قريب مجيب، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
1 / 15
"شرح مقدمة الألفية":
"بسم الله الرحمن الرحيم"
١- قالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك
هو الإمام، العلامة أبو عبد الله، جمال الدين بن عبد الله "ابْنُ مالِك" الطائي نسبا، الشافعي مذهبا، الجياني منشأ، الأندلسي إقليما، الدمشقي دارا ووفاة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان عام اثنين وسبعين وستمائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة "أَحْمَدُ رَبي اللَّهَ خَيْرَ مَالِك" أي: أثني عليه الثناء الجميل، اللائق بجلال عظمته، وجزيل نعمته التي هذا النظم من آثارها، واختار صيغة المضارع المثبت لما فيها من الإشعار بالاستمرار التجددي وقصد بذلك الموافقة بين الحمد والمحمود عليه، أي: كما أن آلاءه تعالى لا تزال تتجدد في حقنا دائما كذلك نحمده بمحامد لا تزال تتجدد، وأيضا فهو رجوع إلى الأصل؛ إذ أصل "الحمد لله": أحمد أو حمدت حمد الله؛ فحذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه، ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبوت، ثم أدخلت عليه "أل" لقصد الاستغراق.
و"الرب" المالك. و"الله" علم على الذات الواجب الوجود -أي: لذاته- المستحق لجميع المحامد، ولم يسم به سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ١ أي: هل تعلم أحدا تسمى الله غير الله، وهو عربي عند الأكثر، وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في القرآن، في ألفين وثلثمائة وستين موضعا، واختار الإمام النووي تبعا لجماعة أنه الحي القيوم، قال: ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع: في البقرة، وآل عمران، وطه. والله أعلم.
تنبيه: أوقع الماضي موقع المستقبل تنزيلا لمقوله منزلة ما حصل: إما اكتفاء
١ مريم: ٦٥.
1 / 17
بالحصول الذهني، أو نظرًا إلى ما قوي عنده من تحقق الحصول وقربه، نحو: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ١.
وجملة "هو ابن مالك" معترضة بين "قال" ومقوله، لا محل لها من الإعراب، ولفظ "رب" نصب تقديرًا على المفعولية، والياء في موضع الجر بالإضافة، والله نصب بدل من "رب" أو بيان، و"خير" نصب أيضًا بدل أو حال على حد: "دعوت الله سميعًا" وموضع الجملة نصب مفعول لقال، ولفظها خبر، ومعناها الإنشاء، أي: أُنشئ الحمد.
٢- مصليا على النبي المصطفى ... وآله المستكملين الشرفا
"مُصَلِّيًا" أي: طالبًا من الله صلاته، أي: رحمته "عَلَى النَّبيِّ" -بتشديد الياء- من النبوة-أي: لأنه مخبر عن الله تعالى، فعلى الأول هو فعيل بمعنى مفعول، وعلى الثاني بمعنى فاعل. و"مصليًا" حال من فاعل "أحمد" منوية لاشتغال مورد الصلاة بالحمد، أي: ناويًا الصلاة على النبي "الْمُصْطَفَى" مفتعل من الصفوة، وهو: الخلوص من الكدر، قلبت تاؤه طاء لمجاورة الصاد، ولامه ألفًا لانفتاح ما قبلها؛ ومعناه المختار "وَآلِهِ" أي: أقاربه من بني هاشم والمطلب "الْمُسْتَكْمِلِينَ" باتباعه "الشَّرَفَا" أي: العلو.
"لفظة آل":
تنبيه: أصل "آل": أهل: قلبت الهاء همزة، كما قلبت الهمزة هاء في "هراق" الأصل "أراق" ثم قلبت الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، كما في "آدم"، و"آمن" هذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله "أول" كجمل، من آل يؤول: تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا. وقد صغروه على "أهيل" وهو يشهد للأول، وعلى "أويل" وهو يشهد للثاني: ولا يضاف إلا إلى ذي شرف، بخلاف "أهل"، فلا يقال "آل الإسكاف" ولا ينتقض بـ"آل فرعون" فإن له شرفًا باعتبار الدنيا، واختلف في جواز إضافته إلى المضمر: فمنعه الكسائي والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي، أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه. قال عبد المطلب "من مجزوء الكامل":
١- وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك
١ النحل: ١.
١- التخريج: البيت لعبد المطلب بن هشام في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٠٧؛ والدرر ٥/ ٣١؛ وبلا نسبة في الممتع في التصريف ١/ ٣٤٩؛ وهمع الهوامع ٢/ ٥٠.
اللغة: انصر: ساعد. آل: أتباع، أصحاب. وآل الصليب: أي: المسيحيون. آلك: أتباعك. =
1 / 18