Manhaj al-imām al-ṭāhir b. ʿāshūr fī al-tafsīr

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير

Publisher

الدار المصرية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

القاهرة

مقدمة:
الراسخ فى العلم بعيد عن التكلف والتعنت فليس بينه وبين الحق حاجب الإمام ابن عاشور

1 / 3

يسعى هذا الكتاب إلى دراسة" منهج الإمام محمد الطاهر بن عاشور فى تفسيره المسمى التحرير والتنوير" وقد صدّره بمقدمات تعين القارئ والدارس على فهم الكثير من القضايا المتصلة بعلوم القرآن الكريم، وقد حدّد ابن عاشور فى هذه المقدمات وسائل التفسير التى أقام عليها منهجه سواء التفسير بالرواية أم التفسير بالدراية فيما ذكره من أقوال وما أبداه من آراء وما استعرضه من روايات.
وجرى تقسيم هذا الكتاب على أربعة أبواب وخاتمة.
الباب الأول: ابن عاشور ومصادر الكتاب: ودار الحديث فيه حول ترجمة حياة ابن عاشور بقدر ما أتيح من مصادر، وكان الاعتماد الأول فى ذلك على ما جاء فى المقدمة التى تصدرت التحرير والتنوير، وعلى ما وجدناه من عبارات تلقى بعض الضوء على سيرته الذاتية وما تولاه من مناصب قضائية وعلمية، وما انعكس فى كتابه هذا من تنظيم، وما اتخذه من مواقف وآراء فى المجالات المختلفة، كذا دار الحديث حول بواعث تأليف هذا التفسير والمصادر التى اعتمد عليها، وهى كثيرة متنوعة، فأتينا ببعض الأمثلة من كل نوع على سبيل تعريف القارئ وتقدير الجهد المبذول من قبل صاحب التفسير، حتى أننا اعتبرنا أن تعدد المصادر وكثرتها على النحو الذى رأيناه وموقفه من كتب التراث من مقومات منهج التفسير عنده.
الباب الثانى: منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالرواية: وكان الحديث فيه أولا حول خطته فى تفسير السور، ثم تحديد

1 / 5

مقومات منهجه فى تفسير الآيات، حيث أتينا بأمثلة متفرقة من التحرير والتنوير تحت كل عنوان، وقد كانت هناك ضرورة لا بدّ منها فى نقل بعض النصوص المطولة حيث لا تتم الفائدة منها إلا على هذا النحو، ومن ثم رصد عناصرها وتحليلها.
الباب الثالث: منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالدراية: وقد تم فى هذا الباب توضيح معنى التفسير بالرأى عنده، والأدوات التى استعان بها، حيث لم ينفصل التفسير بالرواية عن التفسير بالدراية، وإنما كانت الآية عنده وحدة واحدة يستعين بما يراه مناسبا فى سبيل تفسيرها.
الباب الرابع: موقف الطاهر بن عاشور من المذاهب الاعتقادية: ودار الحديث فيه حول هذا الموقف، وقد وجدنا فى صفحات كثيرة من" التحرير والتنوير" مناقشات عديدة واعية لأشهر المذاهب الاعتقادية المعروفة فى التاريخ الإسلامى، وما يتصل بذلك من قضايا التأويل والتشريع، وقد خلت هذه المناقشات من كل تعصب أو تسرع فى إصدار الأحكام، كما كانت مناقشات ابن عاشور لكل القضايا التى طرحها فى تفسيره مالكا فيها أدوات الناقد البصير أمام كتب التراث الإسلامى، حتى يمكن القول أن محاولة تصفية جانب كبير من هذا التراث من شوائب كثيرة علقت به قد تمت فى هذا التفسير بنجاح لا يمكن إنكاره.
وفى الخاتمة: أهم ما توصل إليه الكتاب من نتائج.
ومن الله العون والسداد

1 / 6

الباب الأول ابن عاشور ومصادره تفسيره

1 / 7

ابن عاشور: ١٢٩٦ - ١٣٩٣ هـ، ١٨٧٩ - ١٩٧٣ م:
لم يكتب ابن عاشور ترجمة ذاتية لحياته- على ما نعرف- ولم يؤرخ له أحد من المؤرخين المعاصرين، وليس هناك إلا القليل كتب فى بعض الدوريات أو المجلات التونسية عنه، والتى استمد منها صاحب" الأعلام" خير الدين الزركلى أبرز ملامح حياة الرجل وبعض أنشطته الثقافية (١).
وخلاصة ما ذكره الزركلى فى هذا الصدد:
- محمد الطاهر بن عاشور رئيس المفتيين المالكيين وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس.
- عين سنة ١٩٣٢ م شيخا للإسلام مالكيا.
- وهو من أعضاء المجمعين العربيين فى دمشق والقاهرة.
- له مصنفات مطبوعة من أشهرها:
١ - مقاصد الشريعة الإسلامية.
٢ - أصول النظام الاجتماعى فى الإسلام.
٣ - التحرير والتنوير فى تفسير القرآن صدر منه عشرة أجزاء.
٤ - الوقف وآثاره فى الإسلام (٢).
٥ - أصول الإنشاء والخطابة.
٦ - تحقيق ونشر" ديوان بشار بن برد" ٤ أجزاء

(١) عنوان الأديب ٢: ١٢٢، والمنتخب المدرسى ١٣٧، ومجلة الهداية الإسلامية ٢: ٢٩، وشجرة النور:
٣٩٢، ومعجم المطبوعات ١٥٦.
(٢) وذكر صاحب الأعلام فى ترجمة" عبد الله بن عبد الرحمن الأصبهانى" أديب له تصانيف، منها" إيضاح المشكل لشعر المتنبى- خ" ... منه نسخة فى المكتبة الأحمدية بتونس، حققها الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وطبعت فى الدار التونسية". خير الدين الزركلى، ج ٤، ص ٩٦، دار العلم للملايين، ط. ١٠، ١٩٩٢ م.

1 / 9

- وهو والد محمد الفاضل (١).
- البيئة التى نشأ فيها الطاهر بن عاشور كانت تتمتع بإمكانات ثقافية عالية خصوصا فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه، والفقه ومذاهبه، واللغة والأدب والبلاغة والتاريخ والفلسفة وغير ذلك من العلوم.
ونستدل على ذلك بما يلى:
- جعل صاحب التحرير والتنوير بعض أقوال" ابن عاشور الجد الوزير" (٢) من مصادره فى تفسير بعض الأقوال أو القضايا الواردة فى هذا التفسير، مما يعنى أن لهذا الجد ثقافة دينية واسعة تجعل حفيده يستظهرها ويسجل ما يحتاج إليه منها.
- تدرجه فى مناصب القضاء (٣)، وما يستلزمه ذلك من التمرس بعلوم الفقه وقضاياه، والأحكام التنفيذية ومشاكلها الميدانية، ووصوله إلى الإفتاء وشياخة جامع الزيتونة، ثم تعيينه شيخا للإسلام على المذهب المالكى من الأدلة الواضحة على مبلغ ما يتمتع به من علم، وما كسبه من مهارات.
- تمكنه من فنون العربية جعله واحدا من العلماء المبرزين الذين اعترفت بهم المؤسسات الثقافية العالية المستوى كمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع اللغة العربية بدمشق.
- تنوع اتجاهات التأليف عنده فيما سبق ذكره من كتب.

(١) الأعلام قاموس تراجم، ج ٦، ص ١٧٤.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ج ١٦، ص ٧٩، الدار التونسية للنشر، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، ١٩٨٤ م.
(٣) أسندت إليه خطة القضاء فى ٢٦ رجب ١٣٤١ هـ.
ذكر ذلك ابن عاشور فى هامش التمهيد، ج ١، ص ٦.

1 / 10

- تعدد المصادر وكثرتها واختلافها والقضايا الفقهية واللغوية والفلسفية والبلاغية التى تعرض لها فى تفسيره، ونبذه لمبالغات بعض المفسرين ونقده للمذاهب المختلفة بروح الإنصاف والاعتدال والمحاولات الواعية للإقناع.
- المنهج الذى سار عليه تفسيره، ومقومات هذا المنهج دليل على عقلية منظمة مجددة بعيدة عن التقليد.
- تواضعه فى نفسه حين عرض بواعث تأليف التحرير والتنوير كما سنرى بعد قليل.
- امتداد هذه المسيرة إلى ابنه محمد الفاضل الذى تخرج من المعهد الزيتونى وأصبح أستاذا فيه، ثم عميدا له، ثم شغل خطة القضاء فى تونس، ثم منصب مفتى الجمهورية، ثم أصبح عضوا فى المجمع اللغوى بالقاهرة، وعضوا فعالا فى رابطة العالم الإسلامى بمكة، ومن أشهر مؤلفاته:
- أعلام الفكر الإسلامى فى تاريخ المغرب العربى.
- الحركة الأدبية والفكرية فى تونس.
- أركان الحياة العلمية بتونس.
- أركان النهضة الأدبية بتونس.
- التفسير ورجاله.
وقد عاش محمد الفاضل" ت ١٩٧٠ م" فى حياة أبيه مسترشدا بتوجيهه معتمدا على مكتبته الحافلة (١).
الكتاب وبواعث تأليفه:
طبع هذا الكتاب على مراحل عدة، المرحلة الأولى تم فيها طبع الجزء

(١) انظر الأعلام، ج ٦، ص ٣٢٥.

1 / 11

الأول منه سنة" ١٣٨٤ هـ- ١٩٦٤ م" والثانى سنة" ١٣٨٤ هـ- ١٩٦٥ م" وهو ينتهى بتفسير الآية" ٢٥٢" من سورة البقرة، وتولى الطبع والنشر فى هذه المرحلة السيد عيسى البابى الحلبى- القاهرة (١).
والمرحلة الثانية تحدث عنها صاحب الأعلام فى ترجمة ابن عاشور ...
" طبع منه عشر أجزاء" (٢).
والمرحلة الثالثة تولت طبعه، الدار التونسية للنشر مستقلة مرة، وبالاشتراك مع" الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان- طرابلس- ليبيا" مرة أخرى، وتم فى هذه المرحلة طبع الكتاب كله فى ثلاثين جزءا فى خمسة عشر مجلدا.
أما عن بواعث تأليف الكتاب فيقول ابن عاشور فى تمهيده لهذا التفسير: «كان أكبر أمنيتى منذ زمن بعيد، تفسير الكتاب المجيد، الجامع لمصالح الدنيا والدين، وموثق شديد العرى من الحق المتين، والحاوى لكليات العلوم ومعاقد استنباطها، والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها، طمعا فى بيان نكت من العلم وكليات من التشريع، وتفاصيل من مكارم الأخلاق، كان يلوح أنموذج من جميعها فى خلال تدبره، أو مطالعة كلام مفسره» (٣).
ويقول عن المرحلة التى سبقت تفسير الكتاب، ومحاولة تجنبه متاعب فوق طاقة من يتعرض لتفسير الكتاب الكريم.

(١) انظر الدكتور إبراهيم عبد الله رفيدة، النحو وكتب التفسير، ج ٢، ص ٢٦، ١، ط ٢، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان- طرابلس، الجماهيرية الليبية الشعبية، ١٩٨٤ م.
(٢) الأعلام، ج ٦، ص ١٧٤.
(٣) محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ص ٥، ج ١، الدار التونسية للنشر. الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان.

1 / 12

«ولكن كنت على كلفتى بذلك أتجهم التقحم على هذا المجال، وأحجم عن الزج بسية قوسى فى هذا النضال، اتقاء ما عسى أن يعرض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة، أو فلتأت سهام الفهم وإن ساعد الذهن كمال الفتوة» (١).
ويتابع وصفه لهذه المرحلة وتأجيله تحقيق رغبة نفسه فى إنجاز مثل هذا العمل، والعقبات التى تحول بينه وبين هذا التحقيق إلى أن فتح الله عليه:
«فبقيت أسوّف النفس مرة ومرة أسومها زجرا، فإن رأيت منها تصميما أحلتها على فرصة أخرى، وأنا آمل أن أمنح من التيسير، وما يشجع على قصد هذا الغرض العسير، وفيما أنا بين إقدام وإحجام، أتخيل هذا الحقل مرة القتاد وأخرى الثمام، إذا أنا بأملى قد خيل إلىّ أنه تباعد أو انقضى، إذ قدّر أن تسند إلىّ خطة القضا، فبقيت متلهفا ولات حين مناص، وأضمرت تحقيق هاته الأمنية متى أجمل الله الخلاص، وكنت أحادث بذلك الأصحاب والإخوان، وأضرب المثل بأبى الوليد بن رشد فى كتاب البيان، ولم أزل كلما مضت مدة يزداد التمنى وأرجو إنجازه، إلى أن أوشك أن تمضى عليه مدة الحيازة، فإذا الله قد منّ بالنقلة إلى خطة الفتيا. وأصبحت الهمة مصروفة إلى ما تنصرف إليه الهمم العليا، فتحول إلى الرجاء ذلك اليأس، وطمعت أن أكون ممن أوتى الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس، هنالك عقدت العزم على تحقيق ما كنت أضمرته، واستعنت بالله تعالى واستخرته، وعلمت أن ما يهول من توقع كلل أو غلط، لا ينبغى أن يحول بينى وبين نسج هذا النمط، إذا بذلت الوسع فى الاجتهاد، وتوخيت طرق الصواب والسداد» (٢).

(١) التحرير والتنوير، ص ٥، ج ١.
(٢) التحرير والتنوير، ص ٦، ج ١.

1 / 13

وعند ما استقرت خواطره، واطمأن قلبه، وهدأت الأحوال من حوله، ووضح الهدف، وبان السبيل أمامه قال:
«أقدمت على هذا المهم إقدام الشجاع على وادى السباع، متوسطا فى معترك أنظار الناظرين، وزائر بين ضباح الزائرين» (١). فجعلت حقا علىّ أن أبدى فى هذا التفسير للقرآن نكتا لم أر من سبقنى إليها، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة عليها، فإن الاقتصار على الحديث المعاد، تعطيل لفيض القرآن الذى ماله من نفاذ» (٢).
وأياما كانت تحمل هذه الفقرة من ثقة ونوازع نفسية، نراه يقول فى نهاية هذا التمهيد:
«وقد ميّزت ما يفتح الله لى من فهم فى معانى كتابه وما أجليه من المسائل العلمية، مما لا يذكره المفسرون، وإنما حسبى فى ذلك عدم عثورى عليه فيما بين يدىّ من التفاسير فى تلك الآية خاصة، وليست أدعى انفرادى به فى نفس الأمر، فكم من كلام تنشئه تجدك قد سبقك إليه متكلم، وكم من فهم تستظهره وقد تقدّمك إليه متفهم» (٣).
وقد صدّر الكتاب بمقدمات عشر لكل منها عنوان على النحو التالى:
- فى التفسير والتأويل وكون التفسير علما.
- فى استمداد علم التفسير.
- فى صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأى ونحوه.

(١) الزائرين هنا اسم فاعل من زأر بهمزة بعد الزاى، وهو الذى مصدره الزئير، وهو صوت الأسد قال عنترة:
حلّت بأرض لزائرين فأصبحت ... عسرا على طلأبك انبه محزم
(٢) التحرير والتنوير، ج ١، ص ٦، ٧.
(٣) التحرير والتنوير، ج ١، ص ٧، ٨.

1 / 14