Maqālāt al-islāmiyyīn wa-ikhtilāf al-muṣallīn
مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين
Publisher
دار فرانز شتايز
Edition
الثالثة
Publication Year
١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م
Publisher Location
بمدينة فيسبادن (ألمانيا)
Regions
•Iraq
Empires & Eras
Caliphs in Iraq, 132-656 / 749-1258
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي العزة والأفضال، والجود والنوال، أحمده على ما خص وعم من نعمه، وأستعينه على أداء فرائضه، وأسأله الصلاة على خاتم رسله.
أما بعد فإنه لا بد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات، ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه ومن بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين، فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات واختصار ذلك وترك الإطالة والإكثار وأنا مبتدئ شرح ذلك بعون الله وقوته.
اختلف الناس بعد نبيهم ﷺ في أشياء كثيرة ضلل
1 / 1
فيها بعضهم بعضًا وبرئ بعضهم من بعض فصاروا فرقًا متباينين، وأحزابًا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم.
وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم ﷺ اختلافهم في الإمامة وذلك أن رسول الله ﷺ لما قبضه الله ﷿ ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول ﷺ وأرادوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما فقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج عليهم بقول النبي ﷺ: الإمامة في قريش فأذعنوا لذلك منقادين، ورجعوا إلى الحق طائعين، بعد أن قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير وبعد أن جرب الحباب بن المنذر سيفه
وقال: أنا جذيلها المحكك وعديقها المرجب من يبارزني بعد أن قام قيس بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال، ثم بايعوا أبا بكر رضوان الله عليه واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته فقاتل أهل الردة على ارتدادهم كما قاتلهم رسول الله ﷺ على كفرهم فأظهره الله ﷿
1 / 2
عليهم أجمعين، ونصره على جملة المرتدين، وعاد الناس إلى الإسلام أجمعين، وأوضح الله به الحق المبين، وكان الاختلاف بعد الرسول ﷺ في الإمامة ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر رضوان الله عليه وأيام عمر إلى أن ولي عثمان بن عفان رضوان الله عليه وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالًا كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين، وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروه عليه اختلافًا إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه وكانوا في قتله مختلفين، فأما أهل السنة والاستقامة فإنهم قالوا: كان رضوان الله عليه مصيبًا في أفعاله قتله قاتلوه ظلمًا وعدوانًا، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.
ثم بويع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فاختلف الناس في أمره فمن بين منكر لإمامته ومن بين قاعد عنه ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.
ثم حدث الاختلاف في أيام علي في أمر طلحة والزبير رضوان الله عليهما وحربهما إياه وفي قتال معاوية إياه وصار علي ومعاوية إلى صفين وقاتله علي حتى انكسرت سيوف الفريقين ونصلت رماحهم وذهبت قواهم وجثوا على الركب فوهم بعضهم على بعض فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا عمرو ألم تزعم أنك لم تقع في أمر فظيع فأردت الخروج
1 / 3
منه إلا خرجت قال: بلى قال: فما المخرج مما نزل قال له عمرو بن العاص: فلي عليك أن لا تخرج مصر من يدي ما
بقيت قال: لك ذلك ولك به عهد الله وميثاقه قال: فأمر بالمصاحف فترفع ثم يقول أهل الشام لأهل العراق: يا أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم البقية البقية فإنه إن أجابك إلى ما تريده خالفه أصحابه وإن خالفك خالفه أصحابه وكان عمرو بن العاص في رأيه الذي أشار به كأنه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن العاص ففعلوا ذلك فاضطرب أهل العراق على علي رضوان الله عليه وأبوا عليه إلا التحكيم وأن يبعث علي حكمًا ويبعث معاوية حكماُ فأجابهم علي إلى ذلك بعد امتناع أهل العراق عليه أن لا يجيبهم إليه فلما أجاب علي إلى ذلك وبعث معاوية وأهل الشام عمرو بن العاص حكمًا وبعث علي وأهل العراق أبا موسى حكمًا وأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق اختلف أصحاب علي عليه وقالوا: قال الله تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ولم يقل حاكموهم وهم البغاة فإن عدت إلى قتالهم وأقررت على نفسك بالكفر إذ أجبتهم إلى التحكيم وإلا نابذناك وقاتلناك فقال علي رضوان الله عليه: قد أبيت عليكم في أول الأمر فأبيتم إلا إجابتهم إلى ما سألوا فأجبناهم وأعطيناهم العهود والمواثيق وليس يسوغ لنا الغدر فأبوا إلا خلعه وإكفاره بالتحكيم وخرجوا عليه فسموا خوارج لأنهم
1 / 4
خرجوا على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وصار اختلافًا إلى اليوم، وسنذكر أقاويل الخوارج بعد هذا الموضع من كتابنا.
هذا ذكر الاختلاف
اختلف المسلمون عشرة أصناف: الشيع والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية والحسينية والبكرية والعامة وأصحاب الحديث والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب القطان.
مقالات الشيع
فالشيع ثلاثة أصناف وإنما قيل لهم الشيعة لأنهم شيعوا عليًا رضوان الله عليه ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله ﷺ
فمنهم الغالية وإنما سموا الغالية لأنهم غلوا في علي وقالوا فيه قولًا عظيمًا وهم خمس عشرة فرقة:
فالفرقة الأولى منهم البيانية أصحاب بيان بن سمعان التميمي يقولون أن الله ﷿ على صورة الإنسان وأنه يهلك كله إلا وجهه وادعى بيان أنه يدعو الزهرة فتجيبه وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم فقتله خالد بن عبد الله القسري، وحكي عنهم أن كثيراُ منهم يثبت لبيان بن
1 / 5
سمعان النبوة، ويزعم كثير من البيانية أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية نص على إمامة بيان بن سمعان ونصبه إمامًا.
والفرقة الثانية منهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، يزعمون أن عبد الله بن معاوية كان يدعي أن العلم ينبت في قلبه كما ينبت الكمأة والعشب وأن الأرواح تناسخت وأن روح الله جل اسمه كانت في آدم ثم تناسخت حتى صارت فيه، قال: وزعم أنه رب وأنه نبي فعبده شيعته، وهم يكفرون بالقيامة ويدعون أن الدنيا لا تفنى ويستحلون الميتة والخمر وغيرهما من المحارم ويتأولون قول الله ﷿: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا.
والفرقة الثالثة منهم أصحاب عبد الله بن عمرو بن حرب وهم يسمون الحربية يزعمون أن روح أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية تحولت فيه وأن أبا هاشم نص على إمامته.
والفرقة الرابعة منهم المغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد يزعمون
1 / 6
أنه كان يقول أنه نبي وأنه يعلم اسم الله الأكبر، وأن معبودهم رجل من نور على رأسه تاج وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل وله جرف وقلب تنبع منه الحكمة وأن
حروف أبي جاد على عدد أعضائه قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرًا عظيمًا يعرض لهم بالعورة وبأنه قد رآه لعنه الله، وزعم أنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم وأراهم أشياء من النيرنجات والمخاريق، وذكر لهم كيف ابتدأ الله الخلق فزعم أن الله جل اسمه كان وحده لا شيء معه فلما أراد أن يخلق الأشياء تكلم باسمه الأعظم فطار فوقع فوق رأسه التاج قال: وذلك قوله: سبح اسم ربك الأعلى قال: ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال العباد من المعاصي والطاعات فغضب من المعاصي فعرق فاجتمع من عرقه بحران أحدهما مالح مظلم والآخر نير عذب ثم اطلع في البحر فأبصر ظله فذهب ليأخذه فطار فانتزع عين ظله فخلق منها شمسًا ومحق ذلك الظل وقال: لا ينبغي أن يكون معي إله غيري ثم خلق الخلق كله من البحرين فخلق الكفار من البحر المالح المظلم وخلق
1 / 7
المؤمنين من النير العذب، وخلق ظلال الناس فكان أول من خلق منها محمدًا ﷺ قال: وذلك قوله: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ثم أرسل محمدًا إلى الناس كافة وهو ظل ثم عرض على السموات أن يمنعن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فأبين ثم على الأرض والجبال فأبين ثم على الناس كلهم فقام عمر بن الخطاب إلى أبي بكر فأمره أن يتحمل منعه وأن يغدر به ففعل ذلك أبو بكر وذلك قوله: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال قال: وقال عمر: أنا أعينك على علي لتجعل لي الخلافة بعدك وذلك قوله: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر والشيطان عنده عمر، وزعم أن الأرض تنشق عن الموتى فيرجعون إلى الدنيا، فبلغ خبره خالد بن عبد الله فقتله.
قال: وكان جابر الجعفي من أصحابه وأنزله أصحاب المغيرة بمنزلة المغيرة ومات جابر وادعى وصيته بكر الأعور الهجري القتات فصيروه إمامًا وقالوا إنه
لا يموت فأكل أموالهم، وكان المغيرة يأمرهم بانتظار محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي
1 / 8
طالب وذكر لهم أن جبريل وميكائيل ﵉ يبايعانه بين الركن والمقام ويحيي له سبعة عشر رجلًا يعطى كل رجل منهم كذا وكذا حرفًا من الاسم الأعظم فيهزمون الجيوش ويملكون الأرض، فلما خرج محمد وقتل قال بعض أصحاب المغيرة: لم يكن الخارج محمد بن عبد الله وإنما كان شيطانًا تمثل في صورته وأن محمدًا سيخرج ويملك على ما قال المغيرة، وبرئ بعضهم من المغيرة.
والفرقة الخامسة منهم المنصورية أصحاب أبي منصور يزعمون أن الإمام بعد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي أبو منصور وأن أبا منصور قال: آل محمد هم السماء والشيعة هم الأرض وأنه هو الكسف الساقط من بني هاشم، وأبو منصور هذا رجل من بني عجل، وزعم أبو منصور أنه عرج به إلى السماء فمسح معبوده رأسه بيده ثم قال له: أي بني اذهب فبلغ عني ثم نزل به إلى الأرض، ويمين أصحابه إذا حلفوا أن يقولوا: ألا والكلمة، وزعم أن عيسى أول من خلق الله من خلقه ثم علي وأن رسل الله سبحانه لا تنقطع أبدًا، وكفر بالجنة والنار وزعم أن الجنة رجل وأن النار رجل،
1 / 9
واستحل النساء والمحارم وأحل ذلك لأصحابه وزعم أن الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر وغير ذلك من المحارم حلال وقال: لم يحرم الله ذلك علينا ولا حرم شيئًا تقوى به أنفسنا وإنما هذه الأشياء أسماء رجال حرم الله سبحانه ولا يتهم وتأول في ذلك قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وأسقط الفرائض وقال: هي أسماء رجال أوجب الله ولا يتهم، واستحل خنق المنافقين وأخذ أموالهم، فأخذه يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في أيام بني أمية فقتله.
والفرقة السادسة منهم الخطابية أصحاب أبي الخطاب بن أبي زينب، وهم خمس
فرق كلهم يزعمون أن الأيمة أنبياء محدثون ورسل الله وحججه على خلقه لا يزال منهم رسولان واحد ناطق والآخر صامت فالناطق محمد ﷺ والصامت علي بن أبي طالب فهم في الأرض اليوم طاعتهم مفترضة على جميع الخلق يعلمون ما كان وما هو كائن، وزعموا أن أبا الخطاب نبي وأن أولئك الرسل فرضوا
1 / 10