681
كن من أهل العافية
الصفحة الثالثة والعشرون: كن من أهل العافية.
هناك مشاهد تكررت من الشباب، فيلتقي الشاب مع زملائه فيحدثهم عما فعل، فقد فعلت البارحة كذا وكذا، وشاهدت مثلًا: فيلمًا، أو فعلت كذا وكذا، أو فعلت تلك الفعلة، بل وكأنه ينتظر اللقاء على أحر من الجمر؛ حتى يحدث زملاءه عما فعل.
وأحيانًا يعمد إلى أن يفعل بعض الممارسات أمام زملائه وأمام الناس إما من خلال عدم المبالاة، أو من خلال الافتخار بهذا العمل، والنبي ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل ثم يستره الله ﷿، فيصبح فيقول: يا فلان! فعلت البارحة كذا وكذا، فيصبح وقد ستره الله ﷿ فيكشف ستر الله عليه) يعني: أنت مثلًا عندما تفعل معصية أو تقع في المعصية أيًا كانت هذه المعصية صغيرة أو كبيرة ما الداعي إلى أن تتحدث بها مع الناس؟ إن فعلك للمعصية ذنب، والحديث مع الناس ذنب آخر ومعصية أخرى، إن هذا قطع الطريق على التوبة، لأنه تسهيل للمعصية، ودعوة غير مباشرة للمعصية، ثم لو لم يكن كذلك إن هذا وسيلة لأن تقطع الطريق على نفسك أن تتوب، فإن الناس قد عرفوا ما عندك.
فإن ابتلاك الله ﷿ ووقعت في المعصية فلماذا لا تستتر بستر الله ﷿، وتكون من أهل العافية؟ كما قال النبي ﷺ: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، فالمجاهرة دليل -مع الاعتذار الشديد- على أنك إنسان مستخف بالمعصية، وعلى أنك إنسان لا تبالي بمعصية الله ﷾، وأما ذاك الإنسان الذي يقع في المعصية، ويتصور أن هذا ذنب، وأن هذا نتيجة أن نفسه غلبته حتى أوقعته في تلك المعصية، وينتظر الوقت الذي يتوب فيه إلى الله ﷿، فهذا إنسان أقرب حال من ذاك الإنسان الذي يفتخر بهذه المعصية، ويتحدث بها مع أقرانه، أو يفعل معصية أمام الناس.
فهناك ثلاث مراتب فلماذا تختار أنت أسوأ هذه المراتب؟ كما قلنا في الصفحة السابقة: المرتبة الأولى: التوبة والإقلاع عن المعصية والذنب، هذه المرتبة هي الخيار الطبعي والأمر المطلوب.
المرتبة الثانية: مرتبة الإعلان والمجاهرة والافتخار، هذه مرتبتان، وأنت عندما تفشل في المرتبة الأولى لماذا تختار المرتبة الثانية؟ هناك حل وسط، لا يعني: كونه وسطًا أنه خير، لا، فالوسط الخيري: هو التوبة والإقلاع.
المرتبة الثالثة: أن تستتر بستر الله ﷿، وأن تجتهد ألا تفعل معصية أمام الناس على الأقل إذا كنت مبتلى بهذه المعصية، فهذا طريق وخطوة بأن تقلع عن المعصية.
ونحن عندما نقول لك هذا الكلام لا نعطيك إطلاقًا مشروعية أن تفعل المعصية، لكن على الأقل هذا أهون الشرين، وهذه وسيلة إلى أن تستتر بستر الله ﷿، وإذا كنت تقول: أنا ابتلاني الله ﷿ بالوقوع في المعصية وأحاول التخلص منها ولم استطع، وسأسعى إلى ذلك، فأتصور أن أول خطوة تعينك على ذلك هي أن تستتر بستر الله ﷿، وأن تكون من أهل العافية كما قال النبي ﷺ، واختيارك لهذا الأسلوب وهذا الطريق يعني: أنه وسيلة لينقلك نقلة أخرى بعد ذلك، ووسيلة إلى أن تتوب إلى الله ﷿، وبعد ما يكون عندك عزيمة وإرادة فليس هناك مشكلة، فالناس ما يعرفون عنك الماضي السيئ والتاريخ السيئ الذي أحيانًا يكون عقبة وحاجزًا بين الإنسان وبين التوبة، يقول النبي ﷺ في حديث النجوى قال: (وأما العبد المؤمن فيدنيه ربه فيضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه فيقول: أتذكر ذنب كذا وكذا؟ أتذكر ذنب كذا وكذا؟ قال: حتى إذا ظن أنه قد هلك قال: أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم أو أغفرها لك في الآخرة)، فقد تفعل ذنبًا ويستر الله ﷿ عليك، فلا داعي لإعلان ذلك الذنب فقد يمكن أن تكون من أهل هذا الحديث أن تكون ممن ستر الله ﷿ عليهم في الدنيا، وغفر الله لهم في الآخرة، فإن استتارك بستر الله ﷾، وعدم إعلانك لهذا الذنب لعل هذا أن يكون وسيلة لأن يقول الله تعالى لك يوم القيامة: (أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك في الآخرة).
وأما ذاك الذي يجاهر بالمعصية، ويتحدث بها ويفاخر بها، ويدعو إليها فأحرى به أن يكون ممن قال فيهم النبي ﷺ: (وأما الفاجر فينادى بذنوبه على رءوس الخلائق).

22 / 5